الرئيسية > ثقافة الخميس

مرايا الذات في الرواية النسائية الإماراتية 2/2


د.معجب العدواني

تشكل مرآة الذات في إطارها الاجتماعي الملمح الثاني من مرايا الذات كما يتجلى في أغلب مستويات الكتابة النسائية إذ تبدو هموم الأنثى وانكساراتها هاجساً مباشراً تتم مراجعته في الرواية النسائية الإماراتية، إذ يلاحظ أن كل رواية تقدم غالباً شخصيات نسائية يمثلن بطلات فاعلات، إذ لا تقدم تلك الروايات أنموذجاً واحداً للأنثى بل تميل إلى توظيف نماذج عدة يرضح كل أنموذج أنثوي لتجربته المختلفة، لكن تلك النماذج تتفق في كونها تعاني وأحياناً قد تكون معاناتها صادرة من الرجل.

تبدو القضية النسائية الأكثر وروداً في الكتابة الروائية النسائية هي قضية الزواج من أخرى وناتج تلك المعاناة كثيراً ما يفتح آفاقاً سردية شتى، فعلى سبيل المثال تورد أسماء الزرعوني تلك القضية من منظور لشخصيتين مختلفتين: الأول عيسى الناضج والثانية مريم، وكلاهما يأتيان بسبب وفاة الزوجة، إذ يقول الأول: "أبوي بيتزوج ياجدة، أنا ما أتحمل أشوف حد مكان أمي" (أسماء الزرعوني، الجسد الراحل، ص 15)، وتتطابق شخصية مريم مع عيسى في هذا الجانب فتشير إلى موقف مشابه في سيرتها: "نعم عماه، فأنا يتيمة الأم، كنت أريد بأي طريق الهروب من البيت، كنت أذاكر ليل نهار حتى أحصل على مجموع لكي أحصل على بعثة خارج الدولة، وعندما حصلت على المجموع زوجة أبي ساعدتني بإقناع أبي بالسفر، أرادت الفكاك مني، عمري لم أحس بحنان الأمومة".(ص 31).سوتؤكد فاطمة السويدي في روايتها على حرص الكاتبات الإماراتيات على مناقشة قضية تفتعل مع الذات في إطارها الاجتماعي "- متى تأتي أمي؟ أرقب وجهها الناصع البياض وانتظر الرد: -عندما يرجع أبوك، اسأليه"(فاطمة السويدي، أوجه المرايا الأخرى، ص 25)، وتتكرر الثيمة نفسها لكنها تأتي مبررة بسبب وتوظف بصورة قوية في رواية ميسون صقر (ريحانة): "لقد علمت بزواج زوجي من أخرى بعد أن فقد صبره على حياتنا، كل منا في مكان مخالف للآخر".(ص 31).

ومع أن الزرعوني قد أنجزت عملاً يحوي بطلاً ذكورياً وهو أمر نادر الحدوث في معظم الروايات النسائية الإماراتية إلا إن ما قدمته كان رسماً لمجتمع نسائي فاعل يتواجد حول شخصية ذكورية واحدة (عيسى)، ولذلك فمن السهل أن نصف ذلك المجتمع النسائي بكونه البطل ونهمل شخصية البطل المفترض في العمل.

أما صالحة غابش في روايتها (رائحة الزنجبيل) فقد كانت شخصيتها الرئيسة (البطلة) امرأة باسم (علياء) التي تنتسب إلى أسرة مقاومة وهو استلهام رمزي لمقاومة علياء لما استجد حولها من ظروف ومشكلات عدة استطاعت أن تتغلب عليها، ولذلك نجد الرواية تؤكد على أهمية ذلك المنظور: "هو يعرف أنه إزاء علياء وصلابتها لا يستطيع شيئاً"(صالحة غابش، رائحة الزنجبيل، ص37)، بل تميل إلى وصفها بالذكورة حين تتحدث علياء مع أبيها فتقول:"أنا الريال اللي بتعتمد عليه في أعمالك" (ص 35)، والمقارنة مع الذكر هاجس أنثوي يشكل الذوات ويدفعها إلى المقاومة "قالوا لها: لن تصنعي طائرة يا فتاة بعلمك. قالت في نبرة احتجاجية قصيرة المدى: وهل سيصنع أخي صاروخاً"(ص 100).ثالثاً: مرآة الذات في إطارها القومي، ظل الهاجس القومي العربي أحد ملامح الكتابة الروائية النسائية الإماراتية فلا تكاد تجد رواية لا تتناول هذا الهاجس الذي يجتاز المعاناة الفردية إلى الهموم الجمعية القومية، ولذلك فإن النظرة العامة إلى تلك الأعمال ستحيلنا إلى ثقافة عروبية قومية تنهل منها المرأة الإماراتية التي تقتنص فرص الكتابة عن إحدى مرايا الذات المقترحة هنا وهي مرآة الذات في إطارها القومي. ولعل رواية (ريحانة) لميسون صقر أكثر الروايات تناولاً لهذا الهم انطلاقاً من تجسيد شخصيات مصاحبة ل "شمسة" الفتاة الجامعية للهموم السياسية والاتجاهات الثقافية التي تعيشها الأمة العربية خلال فترة جمال عبدالناصر وأنور السادات، "شمسة" تمثل الأنموذج الأنسب فهي الفتاة التي تعيش القلق السياسي الذاتي الذي انبثق من تغيير المكان والإقامة خارج الوطن، أو لنقل العائلي النابع من هموم الأسرة الحاكمة في الشارقة ومن ثم تصبح كافة التفاعلات على الأرض العربية امتداداً لذلك الهم السياسي الذاتي، ويظل "هادف" شخصية قادرة على تزويد "شمسة" بما تحتاجه من معارف فلسفية وفكرية عميقة حول الإنسان وهمومه، ومن ثم تفاعلات الحياة السياسية آنذاك، لقد خصصت الروائية مسارا سردياً مستقلاً لشخصيتي "شمسة" و"هادف" كي تعرض فيه تلك التجربة السياسية والفكرية التي خاضتها محاطة بآلام الشعب العربي وآماله.

وتتماثل صورة عبدالرحمن في رواية (رائحة الزنجبيل) مع صورة هادف، فهو ناشط سياسي يأخذ بلب علياء الشخصية الرئيسة في الرواية(ص 45)، كما استحوذ هادف بفكره ونشاطه على لب "شمسة" في (ريحانة) وتتفق كلتا الروائيتين في تحديد جامعة مصرية بوصفها بيئة سياسية وثقافية تعيش فيها هاتان الطالبتان الإماراتيتان، وتتفاعلان مع شخصيتي عبدالرحمن وهادف بصورة مثلى وقوية، وتبدو شخصية علياء مولعة منذ الصغر بالهم القومي وانعكاسه، فالحزن الذي خيم على أجواء مدرستها الابتدائية ومعلماتها بعد هزيمة 1967م، تكتشفه مؤخراً:" بعد مرور سنوات ربطت بين التاريخين: تاريخ بكاء المعلمات وإعطائنا إجازة طارئة من المدارس، وتاريخ 6 حزيران 1967م. بكيت بشدة ..."(ص 85-86). وفي الإطار نفسه تتجلى مرآة الذات في إطار قومي لدى أسماء الزرعوني في رواية (الجسد الراحل) ولكنه يظهر على لسان شخصية غير فاعلة وهي شخصية صديق "عيسى" إذ يقول:"لو كان الحلم مجدياً لوحدنا الأمة العربية وحررنا فلسطين، حلم كل عربي ومسلم"(ص 38)، وهو الأمر الذي يدفع الساردة في (تثاؤب الأنامل) إلى تكثيف الدعاء بعد مشاهدة نشرة الأخبار نتيجة ما اقترفته أيدي اليهود من قتل لصبايا في عمر الزهور "اللهم إنا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم..."(ص 64)، "سلسلة المجازر مازالت مستمرة في طولكرم..."، ولا تكتفي الرواية الإماراتية النسائية بذلك الهم الجمعي المتصل بقضية فلسطين، بل تشير إلى الحرب على العراق، ومثال ذلك: "فأخبار الحرب على العراق لم تترك لبراءة الأطفال سبيلاً"(ص 35). وينبع هذا الهم القومي المجسد في قضيتي فلسطين والعراق من إحساس الذات الكاتبة بمسؤوليتها تجاه القضايا العربية وتبنيها لمشاعر مشتركة نتجت عن هموم الإنسان العربي التي يجمعها ظرف المعاناة الدائمة المهيمن بظلاله على الواقع العربي.رابعاً مرآة الذات في إطارها الوطني: للوطن حضوره الكبير في وجدان الروائية الإماراتية التي تستلهم الوطن في أعمالها تاريخاً وولاء وقيمة، فالذات الكاتبة العارفة الواعية - كما تقترح الفلسفة الحديثة - تعكس مرآة جديدة تتمثل في الوطن بوصفه انعكاساً لتلك الذات التي تحضر بامتداده مكاناً وزماناً ومناخاً، وتتجلى أهمية ذلك التفاعل الذاتي/الوطني في استحضار تلك الثيمة مبكراً، فلا عجب أن نرى معظم الأعمال الروائية النسائية تستحضر الوطن بوصفه افتتاحية وبدايات، فالبدايات في الأعمال الروائية الأكثر نضجاً في التجربة الإماراتية "ريحانة" و"رائحة الزنجبيل" و"طروس إلى مولاي السلطان" تقدم صفحات عدة منذ المفتتح لتهيئة المتلقي لاستقبال بقية النص في ضوء تلك البداية، وتقدم الأخيرة إهداء "إلى وطني الحبيب "دولة الإمارات العربية المتحدة" تأريخاً في ذاكرة وفاء له ومن أجله"(سارة الجروان، طروس إلى مولاي السلطان، ص 17)، ويغرق هذا العمل في تبيئة شخوصه وأحداثه بلغة مسكونة بالهاجس نفسه، وانفردت روايتا "ريحانة" و"رائحة الزنجبيل" بالإشارة إلى استقلال الإمارات من النفوذ البريطاني ومظاهر المقاومة الإماراتية، إلى جانب ذلك نجد إشارات مهمة في البداية الروائية التي توظفها رواية "الجسد الراحل" ، ولا يغيب هذا الهاجس في أعمال نسائية أهملت ذلك في البداية لكنها أوردته شظايا متنوعة عن هاجس الذات/ الوطن داخل الرواية، ومن ذلك ما يذكر في "تثاؤب الأنامل" إذ تتواتر الأخبار التي تترى عن ثيمة الوطن مثل: "الأمم المتحدة تتبنى إنجازاً علمياً إماراتياً". لقد كانت الكتابة الروائية الوسيلة الأنسب للبوح الذاتي بصورة صريحة ومواربة، وهي وسيلة للوصول والتفاعل مع المجتمع برمته. لذلك تهدف الكاتبة بهذا إلى نقل قضاياها بوصفها أنثى من المنظور الخاص إلى المنظور العام عبر الذات، وكان استلهام ذلك عبر الجنس الروائي قد أسهم في نقل قضايا المرأة ومشكلاتها إلى شرائح المتلقين رغم ندرتهم وبطرق يمكن وصفها بأنها الأسرع والأنسب. إن الكتابة بهذه الصورة التي تصل الذاتي بالاجتماعي والوطني والقومي يمكن وصفها بكونها نتاجاً ومقاومة ومحاكاة: فهي نتاج للسياقات الثقافية والاجتماعية التي تعيشها الذات الكاتبة أولاً، وهي مقاومة للظروف المحيطة والواقع السلبي ثانياً، وهي في الوقت نفسه محاكاة لصورة الذات ثالثاً.

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 1

  • 1
    جميل

    حمزة مشرف - عضو

    09:42 صباحاً 2009/06/11



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة