الرئيسية > خزامى الصحارى

لا تجزعنّ فلستَ أول مغرمٍ ، فتكت به الوجنات والأحداقُ ( الشاب الظريف )

ألم الحب ولوعته: في عذابه لذة وفي لذته عذاب



عبدالله الجعيثن

الحب مزيج من المشاعر المختلفة كالأنبهار والتولُّه والشغف والغيره والشك والأمل واليأس واللقاء والحرمان..

وينتج عن هذا المزيج العجيب سعادة ترتعش، وعذاب يتربص حتى إن لذة الحب تمتزج بالألم، وألمه يمتزج باللذة، فالعاشق على صفيح ساخن، في حياته إثارة، وهي أحياناً إثارة مدهشة.. سارة.. وأحياناً إثارة كاوية.. حارة.. فلقاء الحبيب ومشاهدته ومحادثته لذة مجنحة ولكن في أجنحتها بعض الجروح المؤلمة من الخوف على الحبيب، والخوف من فقدانه، ومن الإحساس بلذع الغيرة حين يكون المحبوب لعوباً مغرماً بتعذيب عاشقه.

وقد لاتكون المحبوبة الجميلة قاصدة لإثارة غيرة الحبيب، وكوي قلبه بنارها، ولكن لكونها جميلة، ولكونه يعشقها، فهو يخيل إليه - أينما نظرت بعينيها الجميلتين - أنها تريد إثارة غيرته بإغراء الآخرين، وأينما خطرت بقوامها الساحر المتمايل فإنما تريد التلاعب بقلبه حيث يعتقد العاشق الولهان أنها محط الأنظار ومقصد الأبصار وأنها تريد إثارة غيرته وإشعال نيران عذابه يظل مغرماً بها ولتحس بمكانتها حين ترى عذابه بسببها.

وهي قد تكون بريئة تماماً ولاتقصد شيئاً من هذا، ولكن روعة الجمال فيها أنى نظرت أو خطرت بقوامها شيء يثير الإعجاب في الآخرين بما لاحيلة لها فيه فهي قد خلقت هكذا متعة للعيون ولوعة للقلوب، ومما يزيد عذاب العاشق انه يرى جمالها مضاعفاً عشرات الأضعاف لأنه متيم بها، فيظن أن حركاتها العادية ونظراتها الطبيعية المقصود منها تغديبه إذكاء نار الغيرة في قلبه وهي لا تقصد هذا ولكنها لا تملك إلا أن تكون جميلة وأن تكون حركاتها ونظراتها مغرية لأنها خلقت هكذا..

يضاف إلى ذلك أن المرأة إذا أحست بشدة غرام الرجل بها تسر سروراً يميل بها إلى الغرور والدلال الذي يميل إلى التثاقل والصد، وقد صور هذا الملك الضليل امرؤ القيس فقال باختصار:

«أفاطم مهلاً بعض هذا التدلل

وإن كنت قد أزمعت هجري فأجملي

أغرك مني أن حبك قاتلي

وأنك مهما تأمري القلب يفعل

وماذرفت عيناك إلا لتضربي

بسهمك في أعشار قلب مقتل»

فهي بارعة في إثارة حبه وجنونه إلى آخر حد، وبموهبة نسائية فطرية، مرة بالابتسامات الحلوة، ومرة بالدموع، حيناً بالصد، وحيناً بالإقبال، مرة بالهجر ومرة بالوصال، وبالوعد والإخلاف، وبالتجديد والتغيير، وبالحراير والعطور، وبالخيط الرفيع بين الأمل واليأس حتى كان العاشق يطارد فراشة رائعة بين الزهور يصعب الإمساك بها.

يقول أبو فراس الحمداني:

تكاد تضئ النار بين جوانحي

إذا هي أذكتها الصبابة والفكر

والمحبوبة تريد لهذه النار أن تضئ لترى فيها كم هي جميلة ومرغوبة.. وهي التي أوحت له بالصبابة والفكر.. فالحب الذي يحيط العاشق بكل ماهو جميل يلسعه بقوة..

ويقول صالح جودت:

«ياملاكي أنا من أحببت عذابي..

ونشرت الغزل المشبوب في كل الروابي..

وبنار الشوق واللهفة أحرقت شبابي».

فلماذا أحب عذابه واستطابه؟ لأنه هو ثمن التمعن في مفاتن الحبيب وهو راض بدفع هذا الثمن لأن ما يحصل عليه ألذ وإن مزج بالعذاب..

ويقول الزهاوي:

«تمنيت ياسلمى وهل تنفع المنى

لو أن حياتي في حياتك تمزج»

فهذه الأمنية التي لا يخلو منها عاشق صادق أو عاشقة، هي سر العذاب الممزوج بالمتعة..

❊❊❊❊❊❊❊

وقد يجن العاشق بمحبوبه أي لايكاد يرى غيره ولا يفكر إلا فيه فهو مجنون به وإن كان عاقلاً ومع ذلك يرى أن في هذا الجنون لذة كبرى لأنه يجعل حياته متعلقة بشيء رائع الجمال يتمثله دائما.. قال الشاعر:

«قالوا جننت بمن تهوى فقلت لهم:

مالذة العيش إلا للمجانين!»

قلت وهو يعيش في سعادة سببها «وشرة» الجنون في رأسه المفتون بهذه المرأة، ويقول المثل إن المجانين في نعيم يقول ديل كارنيجي: «إن المجانين أكثر سعادة مني ومنك! وكيف لا يكونون كذلك وقد حلوا كل مشاكلهم ووجدوا في دنيا الأحلام الأهمية التي طالما تمنوها في أعماق نفوسهم؟.. إن في وسع الواحد منهم أن يمنحك شيكاً بمليار دولار أو يعطيك خطاب توصية لجنكيز خان!!» قلت: ومجنون العشق لم يصل إلى هذه الدرجة من الانسلاخ عن الواقع فهو عاقل إلا من علاقته بمحبوبه فهو مجنون به وهذا ما يعطي حياته أهمية كبيرة ولا يجعل للملل مكان في وجوده، إن معظم الناس لهم اهتمامات مختلفة أكثرها عملية ومهمة فالتاجر همه تجارته وبائع العطور يشم الحياة من فتحتي أنفه ومضارب الأسهم همه ارتفاع سهمه.. هم العاشق معلق بشيء آخر جميل جداً في ذاته وهو (معشوقه) فهو إذن اهتمام بالجمال إلى حد الجنون وفي هذا متعة ممزوجة بألم الجنون!

❊❊❊❊❊

وقد يبلغ الوجد بالعاشق أو العاشقة حس الامتزاج والاندماج، تقول سعاد الصباح:

«لم يعد عندي مكان..

بعد ما استعمرت كل الامكنه

لم يعد عندي زمان

بعد ما صادرت كل الأزمنه

لم يعد عندي بلاد

بعد ماصرت البلد

أنها المحتلني شبراً فشبراً

أنت الغيت عناويني جميعاً..

فإذا هتفوا بأسمي

فالمقصود أنت..»

فماذا نسمي هذا التلبس؟! جنون؟!.. عذاب؟! لذة ومتعة؟ إنه مزيج من ذلك كله!

❊❊❊❊

ومن الشعر الشعبي الذي يصور امتزاج المتعة بالعذاب في حياة العشاق قول ماجد الخالد من الجوف:

«افعل وسو بعاشقك ماطرالك

لو تقلب الدنيا على راس مغليك

انا جوابك كان هذا سؤالك

وكل الزمان ما شرهته غير يغليك

ياسعد منهو حاز مثلك ونالك

اسمع غرام اللي يبيك ويناديك

ايه اتبعك واطلب رضاك أووصالك

ما اخالف احساس يحبك ويغليك

مرتاح مادام الشوق ملكك لحالك

مابي تشارك الغلا العين تخزيك

يموت عذالي لياجا مجالك

واضحك إلين الشوق يقول يكفيك

وقول دبيان السبيعي:

ارفع الصوت ماهاضني طرب

والاجاويد مثلي يعذرونه

لاتقولون مجنون ياعرب

راعي الحب ياناس ذا لونه

يابس الكبد عطشان ماشرب

كود أهل داعج العين يسقونه

غصن موز لحوض اللزا قرب

واحلالاه ياهزعة غصونه

رفت العين وحجاجها ضرب

واحرم القلب واتلافت عيونه

والخلاصة أن الحب جميل جدا يظمئ ويروي يعذب ويمتع ولكنه يجعل حياتنا أكثر حرارة وإثارة، ويجعلنا نعيش وجودنا في وجود آخر، ونحس بأرقى المشاعر، ونتذوق أرهف الجمال.. نعم يصاحب ذلك عذاب ولكنه لابد دون الشهد من إبر النحل.

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 15

  • 1
    لعيون من فيها عن أمثالها زود_
    شيهانة بالزين ربي ماحها-
    سلمتها قلب و مواثيق و عهود_
    وشعرن ليا هاضت شجونه مدحها-
    قطفت لرضاها من الشوق عنقود_
    وكم زلتن منها فؤادي لمحها-

    ملفي المطيري - عضو

    04:41 صباحاً 2009/06/08


  • 2
    ماااأجمل الحب العفبف الطاهر
    له لذه ومتعه لاتضاهى-

    نور - زائر

    06:05 صباحاً 2009/06/08


  • 3
    من كثر ماتجيب راسي كلمة أحبك,
    أحوم حول محبوتي..مثل الفراشه,
    فيها..حلا..فيها طعم وفيها ,,,
    صيرت رضيعاً ينتظر..رضعة أمه!
    ومن شوقي للحبيبه,
    ولهفتي شوفها,
    صار..قلبي..شعار للأمانه,
    سجل القاضي,مشاعري,
    سبيل في حياتي وبعد الوفاه,
    مثوبه وثوابها..فديتها تاج راسي,
    مابه في هالدنيا بر,
    بعد أمي وأبي له مكانه,
    غيرمن أسميها{ الجوهره! }
    ثروتي..وكل بنود السعاده,
    حق للجميله اللي..منحني,
    قلبها تاج الملك ولاء وطاعه!
    لها ومن أجلها الحب اليوم جيشها,
    يا عز..يا فخر..من يعيش جندي يحمي حدودها@

    بدراباالعلا - عضو

    07:42 صباحاً 2009/06/08


  • 4
    ألا ياغايب عني.. معي حاضر كما الدستور
    خيالك مايفارقني.. بفكري دق مسماره

    هطز 1982 - عضو

    08:26 صباحاً 2009/06/08


  • 5
    لا احد يلهب مشاعرنا الا كتاباتك يا ستاذي/فانا العاشق المتيم فيها-وليتك ثم ليتك اذ الهبت مشاعرنا ان تسكب عليها ما يهدئها في الحلقة القادمه
    لك مني جزيييل شكري وعمق تقديري...

    ناصر عوده الدخيل الله - زائر

    08:46 صباحاً 2009/06/08


  • 6
    الاستاد/ عبدالله الجعيثن ,
    موضوع جميل يضفي شيئا من الرومانسية على جو الرياض الترابي ان صح التعبير...
    استشهاداتك جميلة و في موضعها...
    بالمناسبة لموضوعاتك نكهة لا تحلو الا مع قهوة الصباح...
    لك كل التوفيق

    صوت الجبل - زائر

    09:25 صباحاً 2009/06/08


  • 7
    الحب اجمل واطعم شي في هدنيا بعدمحبة الله سبحانه شي متقدر توصفهلانه ينحس بس

    ام تركي - زائر

    09:26 صباحاً 2009/06/08


  • 8
    مقال رائع من كاتب اروع
    ولكن روعة الجمال فيها أنى نظرت أو خطرت بقوامها شيء يثير الإعجاب في الآخرين بما لاحيلة لها فيه فهي قد خلقت هكذا متعة للعيون ولوعة للقلوب
    ان كيدهم عظيم يبو احمد !

    ماسك الشراع - زائر

    12:36 مساءً 2009/06/08


  • 9
    مقال رائع جدا شدني لقراءته كله ,,

    nbl - زائر

    01:37 مساءً 2009/06/08


  • 10
    الحب 00 ليس رواية شرقية == بختامها يتزوج الابطال
    لكنه الابحار دون سفينة == وشعورنا ان الوصول محال
    (نزار قبانى)

    النوخذه - زائر

    03:14 مساءً 2009/06/08


  • 11
    في الصمت أمام الجمال الجمال...
    والحب...جمال كون...لايعرفه إلاَّ من طرق باب قلبه...
    مقال رائع...وإبحار في هدوء...
    شكراً لك أيها الكاتب...

    سارة الواهبي الشهراني - زائر

    05:31 مساءً 2009/06/08


  • 12
    قلبي في ايدينك يا غالي
    بس خل بالك عليه
    يا حبيبي هذا قلبي
    وانت ادرى الناس فيه
    لو اعيش العمر كله
    ما انسى حبك او امله
    ما ابي شي بحياتي
    انت بس اللي ابيه
    انت غير الناس..
    ********************************

    الجوهرة بنت عبدالله - زائر

    05:48 مساءً 2009/06/08


  • 13
    "المقالة ذكرتني ببيت لهارون الرشيد:"ارى ماءا وبي ظمأ شديد" ولكن لاسبيل الى الورود" ألا يكفيك انك تملكني وان الناس كلهم عبيدي ؟وانك لو-قطعت يدي ورجلي-"لقُلت من الرضى:زيدي!"::"ميم"

    شايفة وساكتة - زائر

    06:23 مساءً 2009/06/08


  • 14
    السلام عليكم
    اختيار موفق يا اخ عبد الله :)

    ابن الهيلا - زائر

    09:07 مساءً 2009/06/08


  • 15
    يعطيك العافية ومشاعر الحب مهما قلنا تبقى بين العاشقين عبارات وغرام

    المنتهي زمانه - عضو

    09:48 مساءً 2009/06/08



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة