الرئيسية > مقالات اليوم

عبدالله القصيمي واليمن.. القصة الكاملة (3)


عبدالله القفاري

يتواصل الحديث عن عبدالله القصيمي في الجزء الثالث والأخير مع السفير اليمني السابق بالقاهرة الأستاذ حسن السحولي.

استدركت على الأستاذ وسألته عن رواية سمعتها من الدكتور راشد المبارك، وهو الذي جمعته صداقة كبيرة بعبدالله القصيمي، منذ عرفه واقترب منه حين كان طالبا بكلية العلوم بجامعة القاهرة في الستينيات من القرن الماضي. ذكر لي أن القصيمي أطلعه ذات يوم على خطاب من عبدالله السلال أول رئيس جمهورية يمنية بعد الثورة موجه لسفيره بالقاهرة، وفيه يطلب منه أن يُجري للقصيمي راتبا شهريا، وأن يمنح جوازا يمنيا دبلوماسيا. ما علاقة السلال بالقصيمي وهو الذي لم نعرف له صلة سابقة به؟

ابتسم الأستاذ وقال: "عبدالله السلال لا صلة له بالقصيمي في ذلك الوقت، وحتى له صلة بالتخطيط للثورة اليمنية، لقد كان رئيسا لحرس الإمام البدر وتم استقطابه في اللحظات الأخيرة لتأمين الثورة.. أما الرسالة فهذه لها قصة أخرى".

"عندما اندلعت شرارة الثورة اليمنية عام 1962 سافرت لليمن فورا وأصبحت مديرا لمكتب أول رئيس للجمهورية عبدالله السلال. ومن هناك أدرت لبضعة شهور - من خلال مكتب السلال - علاقات الثورة والثوار بحدود تأمين الثورة وبقائها. لقد كان القصيمي يعيش داخلي، وحينها كتبتُ خطابا باسم السلال وبخط يدي موجه إلى السفير اليمني بالقاهرة وجاء فيه: (وأنتم تعلمون وكثير من الأخوة اليمنيين موقف الشيخ الحر والمناضل عبدالله القصيمي، وماله من تأثير ايجابي على اليمينين بفكره ورعايته لهم. ونرى أن يمنح جوازا يمنيا دبلوماسيا، وان يجرى له ثمانون جنيها مصريا كل شهر، وان تُبحث معه فكرة زيارته لليمن في الوقت الذي يراه مناسبا، وان ترتبوا هذه الزيارة متى أراد..). وقد قدمته لعبدالله السلال ووقعه مثل ما كان يوقع الكثير من المراسلات التي أعدها.

لقد احتفظ القصيمي بالخطاب الذي أرسلته بعد أن استلمه من السفارة اليمنية بالقاهرة، ولم يقبل أن يأخذ لا جراية شهرية ولا جوازا دبلوماسيا، وظلت هذه الرسالة من مقتنياته الشخصية، وكثيرا ما أخرجها لي ليقول هذا وسام كبير اعتز به وافخر به يا حسن. إنه أغلى لدي من كنوز الدنيا ومن جرايات أو جوازات الدبلوماسيين".

سألته ولماذا تركت اليمن وعدت للقاهرة بعد مضي بضعة أشهر من تسلمك مكتب السلال؟

أجاب، وهو يذهب بعيدا في ذكريات الثورة والثوار: "لقد كان صراع الأجنحة مؤلما، وكان لابد لي أن أحدد موقفي من ذلك الصراع، لم يكن الانقلاب سوى مزيد من الوهن ولذا استمر مسلسل التدهور، ولم تكن بضاعة السادة الجدد أفضل من سابقيهم. لم أكن لأطيق مشهد ونتائج ذلك الصراع الدموي. جئت للقاهرة وبقيت هنا، وواصلت دراستي الجامعية والعليا في كلية الحقوق، وعملت في عهود أخرى سفيرا لليمن بالقاهرة حتى عام 1978، ومن ذلك اليوم اخترت القاهرة مقرا وسكنا وان بقيت صلتي باليمن لا تنقطع".

قلت له: كان القصيمي محظورا حيا، كما هو محظور ميتا عند كثيرين. كيف استطاع نشر ذلك العدد من الكتب المثيرة للجدل بين عامي 62 و67... التي قدمت القصيمي ثائرا رافضا محتجا متمردا صارخا هادما ... كيف كان يواجه كل ذلك العالم الرافض له والمرفوض منه؟

قال:" لقد فتحت بيروت في الخمسينيات أبوابها له وهناك بدأت علاقته بكثير من المثقفين اللبنانيين، لكن علاقته الأوثق كانت من قدري قلعجي ناشر كتبه فيما بعد منذ (العالم ليس عقلا). من القاهرة الصاخبة بالحلم القومي والمشروع الناصري والخنق التدريجي للحريات ... كان القصيمي يكتب، وكان الأستاذ أحمد النعمان يُهرِّب مسودات كتبه لبيروت، وقد حملت يوما بعض مسودات كتبه في حقائب دبلوماسية باسم السفير اليمني في بيروت انذاك محمد أحمد النعمان".

الوثيقة لها قيمة كبرى في التأريخ للأحداث وقراءة الوقائع وتلمس أبعاد شخصية. لم يخلو اللقاء بالأستاذ حسن السحولي من بضعة رسائل لها قيمة كبيرة في نظري لتلمس أبعاد تلك الشخصية، وهي رسائل بعث بها القصيمي للسحولي أو وصلت إليه عن طريق الأستاذ أحمد النعمان.

في إحدى تلك الرسائل التي اطلعت عليها يُستشف ذلك المكون الحساس والرقيق والمتفجر والمتفجع بالألم لهجر صديق. يقول القصيمي في إحدى رسائله:

(إلى الصديق الواهب صداقته بكل السخاء والعطاء لكي يذل ويرهب ويعذب ويعاقب بالحرمان مما وهب بكل القسوة والجفاء والكبرياء.. إلى الصديق الذي جاء صديقا وظل صديقا والذي أرجو وأطالب أن يظل صديقا.. كل التفاسير والاحتمالات قد تحتمل إلا التفسير أو الاحتمال الذي يعني انك قررت إغلاق وقطع وسد الطرق الموصلات إلي.. لان هذا القرار أو التقرير لابد أن تكون له أسباب وتفاسير أخلاقية أو نفسية أو عقلية أو إنسانية أو أدبية أو كل هذه الأسباب والتفاسير بل وأكثر منها..

هل استطيع أن أتحمل هذا التفسير أو الاحتمال أو هذه التفاسير أو الاحتمالات. ما أقسى عذاب من يحدقون في الأحداث والأشياء والناس، ومن يقرؤون تفاسيرها ويحدقون فيها ويحاسبون ويطالبون لها بالتفاسير... كتبه بكل ذرات وخلايا وأعصاب معانيه الإنسانية... عبدالله القصيمي).

عندما مرض عبدالله القصيمي في عام 1982 بعد أن هده الوهن ووطأه الدهر. حاول الأستاذ أن يساعده في السفر للخارج طلبا للعلاج، وظل يلح عليه بهذا الشأن. وفي رسالة أرسها لصديقه تظهر تلك المعاني الإنسانية الفاجعة في نظرته لذاته وللآخر. جاء فيها: (أما رغبتكم وأوامركم أن أسافر....أما هذه فإني مصر على عصيانها.. على عصيانها..!! ليس لأني عاصٍ أو مريد للعصيان أو سعيد به أو قادر عليه .. ولكن لحوافز وأسباب أخرى. قد يكون أقواها وأحرها أن رغبتكم ومحاولاتكم وأوامركم هذه عظيمة، عظيمة في كل الحسابات والتفاسير لهذا لا يحتمل أن تكون نتائج الاستجابة لها متكافئة معها وحينئذ تكون الاستجابة لها عدوانا عليها وأنا ارفض هذا العدوان ولا أستطيعه.. إذن لتبق هذه الرغبة والمحاولات والأوامر.. لتبق رغبات ومحاولات وأوامر لأتعزى بها وأتداوى وأسعد بها...

وهنا مانع آخر قوي وجاد جدا في كل ظروف ومنطق وأخلاق الحساسية والفاجعة الموجعة .. حين أذهب هناك لأتعالج، هل أجرؤ على الذهاب إلى دار أو مركز أو مكان العلاج قبل أن افعل شيئا لإطلاق وإنقاذ ورؤية أو تعزية المقبورين المهجورين المنبوذين المهانين المظلومين المعذبين وقبل تقديم كل لغات ومعاني الاعتذار والتوبة إليهما!!

أليس من المحتم أن توقع بي رؤيتهما حينئذ المزيد..المزيد من الأمراض التي سافرت تحت ضغوط وإيحاءات الآمال في الشفاء من بعضها.. مما أصابني منها..؟

أليس الخطر حينئذ أضخم وأقوى واقرب من الأمل؟ ثم أليس احتمال قدرتي على إنقاذهما أو على أن افعل أي شيء مفيد أو مريح أو معزٍ لهما احتمالا ضعيفا ، ضعيفا؟ وحين اعجز عن ذلك وأيأس منه هل استطيع أو هل يقبل أو يغفر أن اتركهما لكي اذهب أتداوى .. أتداوى بكل الاسترخاء والتبلد والخمول .... إنهما في حساباتي هي المشكلة المرض اللذان يجب أن يعالجا أولا، أولا، أعني قضية المنبوذين المقبورين!

كتبه الرافض أن يتداوى دون أن يداوي اعز أبنائه المصابين بأقسى وأدوم واشمل الآلام والإذلال . عبدالله القصيمي 7/8/1982.

تطلعت وأنا اقرأ الرسالة إلى عيني الأستاذ وأنا أتوقف عن المنبوذين المقبورين، وقد عرف حينها أنني ابحث عن إجابة، ولم يجب، فعرفت انه منصرف عن هذا، ولم أُلح في طلب معرفة من هما، وماذا كان يقصد بهما القصيمي.

لقد توقفت طويلا أمام تلك الحساسية الفائقة والروح الغامرة بالقلق وعذاب الذات، حتى لتعاقب نفسها طالما كانت عاجزة عن مساعدة المنبوذين... ولن أفيض أكثر في تأمل حالة ربما حملت أبعادا أخرى أكثر قسوة وفاجعة.

بعد أكثر من ثلاث ساعات متواصلات من الحديث مع الأستاذ حسن السحولي سفير اليمن السابق بالقاهرة، وأحد الأصدقاء المقربين من القصيمي سألته ممازحا: بعد رحيل القصيمي احتفظ صديقه المحامي إبراهيم عبدالرحمن بمقعد القصيمي الذي طالما جلس عليه، وقد وضعه الأستاذ إبراهيم بجوار سريره في غرفة نومه، فماذا أخذت أنت من تركة القصيمي بعد رحيله؟

قال لي وطيف حزين لا يمكن إخفاؤه يغطي سحابة عينيه، لقد احتفظت برسائل عزيزة على نفسي أعاود النظر فيها بين حين وآخر لأتلمس حبر القصيمي، ومداد قلمه، واستعيد ملامح الإنسان وعذاباته فيه. إلا أن ما احمله داخلي هو القيمة الكبرى لصديق مازلت لا أسعد كما أسعد باستعادته في لحظات خاصة كهذه".

قد يحمل القارئ هذا العبور السريع في ملامح علاقة عبدالله القصيمي بأبناء اليمن - التي زرعت لها علاقات مؤثرة، وصداقات كبيرة، وبقية تذكر، وتستعاد وتقرأ- بعض قيمة في سجل الذاكرة. ولن يمنعني شغفي باستدعاء شخصية عبدالله القصيمي لواقع البحث، أن يطالع القارئ فصلا آخر مع أصدقاء القصيمي السعوديين، ممن رأيت أن لديهم ما يغري بالحوار طالما كان هناك كشفا جديدا. المهم لدي أن تُستدعي تلك الشهادات قبل أن تجني الذاكرة على البقية الباقية منها. سجل الذاكرة هش، وسجل التاريخ لن يغفر لنا التجاهل أو عدم الاكتراث .. والرحلة أقصر من استبقاء الذاكرة رهن الاعتقال.

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 8

  • 1
    من يكتب التاريخ لابد ان يعرف يوم بيوم واذا اختلف عن اليوم تجد المؤرخ يحوص يبيص المعنى انة يكتب خواطر خطرت على باله بحثت عن القصيمي لقيت انة اسطورة هل تعتقد ذلك ومثلة كثير وشكرا

    ابونصر - زائر

    09:09 صباحاً 2009/06/08


  • 2
    ما أجمل الحياة الحرة الأبية..
    ربما ذلك ما يسطع ببهاء في شخصية ابوعلي القصيمي..

    ديراب - زائر

    10:38 صباحاً 2009/06/08


  • 3
    بارك الله في جهودكم

    MAILA - زائر

    11:20 صباحاً 2009/06/08


  • 4
    أتمنى أن ارى ذلك قريبا يا إستاذ عبدالله !
    فلابد من فهم القصيمي من الناحيه السعوديه (اصدقائه السعوديين )
    ولا بد من فهمه من الناحيه السعوديه الرسميه إن امكن ذلك
    لماذا يهمل تاريخ امتنا ؟؟
    تاريخ الامه السعوديه بكل تناقضاته يجب ان يكون حاضرا

    ناصر العتيبي الظهران - عضو

    03:18 مساءً 2009/06/08


  • 5
    تعرفت إلى فكر عبدالله القصيمي فيمطلع الستينيات (لعل ذلك كام في 1962 أو 1963) من خلال كتاب "العالم ليس عقلا" وكنت حينها في مطلع الشباب والقدرة على التأثر بالأفكار دون موقف مسبق. ثم توالت قراءاتي لكتب القصيمي حتى أصبحت قصيميا فكريا دون معرفة شخصية بالرجل. هنيئا لمن عرفه وصادقه.

    فهد العدوان - زائر

    05:15 مساءً 2009/06/08


  • 6
    أنت رائع.. أشكرك كثيرا يا قفاري..
    لطالما حلمت بمعرفة أكثر عن القصيمي المفكر والإنسان..
    شخصية طافحة بالرقة والعذوبة والإنسانية..
    حزنت بقوة عندما قرأت أنه الجزء الأخير..
    ليت لنا من يخرج لنا كتاب أو مجلد عن القصيمي..
    شاكرة بعمق لك.. ولمجهوداتك..

    قارئه - زائر

    07:06 مساءً 2009/06/08


  • 7
    ان ما كان يقوله القصيمي ليس كلام ككل الكلام بل انه أوتي مجامع الكلم فهذا فيلسوف عظيم على غرار فلاسفة اوروبا واليونان ( ان من البيان لسحرا )
    اما في الجانب الانساني فهذه هي هموم العظام مثل عبدالله القصيمي هم المنبوذين والمقهورين والمحرومين عاش للانسانيه والانسان

    بندر الاسمري - زائر

    08:00 مساءً 2009/06/08


  • 8
    صداقته لليمن واهلها وصلت للمصاهرة فقد زوج ابنته بوزير التربية اليمني في الستينات كما ان زوجته وام اولاده مصرية..

    الملقوفة - زائر

    10:31 مساءً 2009/06/08



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة