الاحد 14 جمادي الأخر 1430هـ - 7 يونيو 2009م - العدد 14958

برنامج الأمان الأسريّ !

د. حسناء عبد العزيز القنيعير

    تمثل الأسرة مجموعة الأفراد الذين تربطهم صلة الدم , عن طريق الأب والأم أو أحدهما ، ويتكون أفرادها من الأب والأم والأخوة والأخوات ذكورا وإناثا ، ويختلف حجم الأسرة من حيث عدد أفرادها ، كما يختلف مستواها الاقتصادي والثقافي تبعا لعمل الأب والأم ومستواهما العلمي والثقافي . وتمثل الأسرة الوحدة الاجتماعية الأساسية في المجتمع ، وهي المؤسسة التربوية الأولى فيه التي ترعى أبناءها وتعمل على تنشئتهم اجتماعيا ، وكلما كانت العلاقات الأسرية جيدة والتماسك الأسري قويا انعكس ذلك على الأسرة وعلى تعاملها ووضعها في المجتمع . ومن هنا كانت الأسرة أولى المؤسسات الاجتماعية ذات الدور الفعال في تنشئة أفرادها تنشئة اجتماعية متوافقة أو غير متوافقة مع الأنظمة العامة للمجتمع .

يفتقد أفراد الأسرة للأمن عندما تتزايد المشاكل والأمراض النفسية والعصبية بسبب انفصال الزوجين ، وهذا يؤدي إلى ترسّخ الإحساس بالخوف وعدم الأمان لدى الأطفال ، إذ يشعرون دوما بالتهديد والخطر المحدق بهم ، وقد أثبتت الدراسات أن جذور الأمراض النفسية والاضطرابات السلوكية ، ومنها ممارسة العنف تعود لفترة الطفولة في الأجواء الأسرية والاجتماعية غير السوية ، كما أن أساليب التربية التي تلقاها الأبناء في طفولتهم من والديهم كالضرب والسب والقسوة تجعلهم يمارسون ذلك في الكبر ضد زوجاتهم وأبنائهم ، أي إعادة إنتاج العنف الذي يعني تداوله عبر الأجيال ، وانتشاره خارج حدود المجموعة التي أفرزته أو وقع عليها ليشمل المجتمع بأسره ، فالأسرة في المجتمع العنيف تمارس العنف ضد أعضائها مما يؤدي إلى خلق أشكال مشوهة من العلاقات ، وأنماط مضطربة من الشخصيات كفيلة بإعادة العنف خارج حدود الأسرة .

وتؤدي الظروف الاقتصادية الصعبة والضغوط المعيشية التي يمر بها بعض الرجال ، وإحساسهم بالعجز عن تلبية احتياجات أسرهم ، وبالقهر الذي يمارسه المجتمع ضدهم عندما لا يحقق لهم الأمن المعيشي ، وشعورهم بعدم العدالة والمساواة في الحقوق المادية والفرص الوظيفية ، إلى تزايد وتيرة العنف ، كما لا ننسى الإدمان على الخمور والمخدرات والانحرافات السلوكية ، والثقافة الذكورية السائدة في المجتمع ، وهذا العامل تشاركنا فيه كثير من المجتمعات العربية والإسلامية المعاصرة ، فالرجل هو الحاكم وهو رب الأسرة وأعلى سلطة فيها ، وكثير ممن يمارسون العنف يستغلون مفهوم السلطة والقوامة استغلالا بشعا ! وكل ذلك يجعل صاحبها عنيفا تجاه أهل بيته .

ولكلمة ( الأسرة ) إيحاءات تتعلق بالمحبة والحنان والدفء والحماية والرعاية والإنفاق والمسؤولية ، وكل هذا يحقق الأمن الذي هو ضد الخوف ( وآمنهم من خوف ) ! وعندما تتلازم كلمتا الأمان والأسرة عن طريق التركيب ، فهذا يعني الرغبة في تحقيق وتأكيد مزيد من المعاني التي يولدها هذا الترابط ( الأمان الأسري ) !

فمتى بدأ التفكير في مجتمعنا بإشاعة الأمان الأسري ، والأسرة نفسها كما قلنا هي منبع الأمان وما يتولد عنه من معان وقيم سامية ؟ لا ريب أن ظاهرة العنف الأسري وما يترتب عليه من مخاطر ومآس ٍهي الباعث على هذا ، وهو من الظواهر الاجتماعية الأكثر وضوحاً وانتشاراً في المجتمعات الإنسانية بمختلف ثقافاتها وبناها الاجتماعية ، وتفاقم هذه الظاهرة يهدد الكيان الأسري والبناء الاجتماعي في أي مجتمع ، وقد ( برزت في الآونة الأخيرة عدد من الظواهر الاجتماعية السلبية التي لم تكن معروفة في مجتمعنا خلال العقود الماضية ، ومن أبرز هذه الظواهر التي أخذت بعداً إعلامياً كبيراً ظاهرة العنف الأسري ضد الفئات المستضعفة من نساء وأطفال ومسنين ، وكان هذا داعيا لإنشاء برنامج الأمان الأسري الوطني، بالأمر السامي رقم 11471/م ب وتاريخ 16/10/1426 ه الموافق 18/11/2005 م ، وهو برنامج وطني لحماية الأسرة من العنف ، ويأخذ على عاتقه إرساء أسس مجتمع واع وآمن يحمي أفراده ويدافع عن حقوقهم ، ويرعى ضحايا العنف الأسري ، ويهدف إلى إيجاد بيئة اجتماعية آمنة ومتضامنة تتصدى للعنف الأسري ، من خلال تفعيل ثقافة وطنية تحترم حقوق الأفراد وخصوصا الفئات الأكثر عرضة للعنف كالأطفال والنساء وكبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة ، وذلك عن طريق التوعية الشاملة عبر قنوات مختلفة تشمل كافة شرائح المجتمع ، مع توفير الرعاية الطبية والنفسية والاجتماعية لضحايا العنف الأسري وإيذاء الأطفال أو إهمالهم ، إضافة إلى تدريب العاملين في هذا المجال وتأهيلهم للتعامل الأمثل مع هذه الفئات المستضعفة ، ويعتمد البرنامج في ذلك على الخبرات الوطنية بالتعاون مع كافة الجهات الحكومية والأهلية المعنية بهذا المجال ) . ومما يلفت النظر في اختيار اسم البرنامج كلمة ( الأمان ) التي هي أكثر شمولا من الحماية التي تكون نتيجة للأذى الذي نتوقع حدوثه لأحد أحد أفراد الأسرة أو جميعهم ، أما الأمان فيعني إشاعة جو من الطمأنينة والهدوء والسكون النفسي لجميع الأفراد ؛ عن طريق التوعية وإيجاد بيئة اجتماعية آمنة من خلال تفعيل جميع أهداف البرنامج ، وهذا يحول دون تعرض أفراد الأسرة للاعتداء أو العنف ، ومتى تحقق الأمان لا نعود بحاجة إلى الحماية .

يعتبر الفرد كبيرا كان أم صغيرا غير آمن عندما تنتهك حقوقه ، ويستغل استغلالا سيئا تحت أي ذريعة ، وإذا كان بعض الكبار يستطيعون تمييز ما يتعرضون له ، ويتفهمون دوافع من يمارس العنف بكل أشكاله ضدهم ، فإن الأطفال لا يستطيعون ذلك ، وبما أن التحرش الجنسي شكل من أشكال العنف الذي يتعرض له بعض الأطفال وغير البالغين باعتباره انتهاكا لأجسادهم واعتداءً صارخاً على براءتهم ، فقد قام برنامج الأمان الأسري بإصدار كتيب توعوي ( لتعليم الأطفال كيفية مقاومة لمسة لا يرتاحون لها بعنوان : إنه جسدي ) ولا شك أن اختيار العنوان لم يأت من فراغ ، بل جاء نتيجة حرص القائمين على البرنامج على مراعاة فهم الطفل الذي لا يعي معنى التحرش ، ولا يمكن إفهامه ذلك بطريقة صادمة ، فكان العنوان ( إنه جسدي ) مدخلاً مناسباً لتوعية الطفل بالتحرش بصورة غير مباشرة لا تسبب صدمة له ، وقدم ذلك له بلغة سهلة ميسرة ، وصور ملونة تقرّب مفهوم التحرش له ؛ بتأكيد خصوصية الجسد الذي لا يحق للآخرين لمسه إلا متى كانوا أفرادا مقربين جدا للطفل كالأم والأب والجدين ، يبدأ الكتيب بصورة لطفل تشع منه هالة ضياء وابتسام وهو يقول : " لديّ شيء يميزني ، هو ملكي أنا وحدي ، ثم تأتي صورة تشير للطفل وهو وليد ، كتب تحتها : إنه معي منذ ولادتي ! وفي الصفحة التالية تظهر عدة صور تبرز مراحل نمو الطفل كتب بعدها : إنه جسدي ! بعد ذلك يأخذ الكتيب في تعريف الطفل معنى أن يشاركه الآخرون جسده من خلال الصور ، وذلك : عندما تمسك أخته أو زميلته يده ، وعندما يعانق والده ، وعندما يجلس في حضن جدته ، وعندما يمسك بيد طفل صغير. وعندما يسمح لطفل في مثل عمره أن يداعبه . ومع هذا يؤكد الكتيب للطفل أن جسده ملك له وحده :

( حتى عندما أشارك الآخرين جسدي فهو شيء خاص بي أنا وحدي ) !

يتولى الكتيب بعد ذلك شرح مفهوم آخر للأطفال وهو ، عدم الرغبة في أن يشارك الآخرون الطفل جسده بالقول :( أحيانا لا أحب أن أشارك الآخرين جسدي ) ، وذلك عندما : ( يدغدغه ) شخص ما بقوة ، وعندما يقبله أحد ما بحرارة تترك لعاباً على خده ، وعندما يمسك به شخص ويجلسه في حضنه بقوة ، وعندما يلمس شخص ما مكانا ما في جسده بطريقة تزعجه ! أما ما يجب أن يقوله الطفل لمن يفعل له ذلك فهو : ( إليكم ما أقول : لا تلمسني أنا لا أحب ذلك ) ! ثم يسترسل الكتيب في تقريب مفهوم التحرش للأطفال قائلا : ( عندما يطلب مني أحدهم أن ألمسه في مكان ما بشكل لا يريحني ، فإني لن أشاركه جسدي ) ، ويبدو الطفل في الصورة ومعه رجل في هيئة عامل أو سائق يحاول إمساكه ! أما ما يجب أن يقوله الطفل في هذه الحالة فهو : ( لا لن ألمسك ، أنا لا أحب ذلك ، الآن ردد معي بصوت عال ٍ : لا تلمسني ! فأنا لا أحب ذلك : قل لا ، لن ألمسك ! فأنا لا أحب ذلك ) !

لا شك أن الكتيب جديد في موضوعه وجاد في رسالته ، إذ يقدم جرعة توعوية لصغار الأطفال حماية لهم من التحرشات التي تعرض لها غيرهم كما ينشر في الصحف ، وفيما أعلم لا توجد لدينا كتيبات من هذا النوع ، حتى مناهجنا الدراسية لا نكاد نجد فيها موضوعات تهدف إلى توعية الصغار وتحذيرهم من السلوكيات المنحرفة التي تشكل خطرا كبيرا على نموهم العقلي وصحتهم النفسية والجسدية ، بل إن بعض تلك التحرشات يشكل خطرا كبيرا على حياتهم إذ يتعرضون للموت جراء الإصابات ، أو للقتل من قبل المعتدين خوفا من افتضاح أمرهم .

كنت أتمنى لو أن الكتيب ركز أيضا على أن التحرش لا يقع من الأغراب ، بل قد يقع من بعض أفراد الأسرة كالأب أو العم أو الشقيق أو أحد الأقارب الذين تثق بهم الأسرة ، وعندها ينبغي على الطفل أن يسارع لإخبار أمه ، فالأم محل ثقته وهي وحدها التي يمكنها فهمه وحمايته ، كما أنها الوحيدة التي لا يمكن أن يصدر منها سلوك منحرف تجاهه .

وأخيرا تشهد بلادنا في الآونة الأخيرة حراكا يتمثل في قيام عدد من البرامج والجمعيات والمؤسسات غير الرسمية ، التي يتولاها بعض أبناء الوطن الراغبين في معالجة الاختلالات والانحرافات السلوكية التي ساهم في ظهورها التشدد والانغلاق وذهنية التحريم والادعاء بطهورية المجتمع ونظافته ، الأمر الذي حال دون مناقشتها وطرحها على بساط البحث لإيجاد علاج لها ، مما ساهم في تضخمها وزيادة رقعة انتشارها في طول الوطن وعرضه !