• انت الآن تتصفح عدد نشر قبل 286 أيام

برنامج الأمان الأسريّ !

د. حسناء عبد العزيز القنيعير

    تمثل الأسرة مجموعة الأفراد الذين تربطهم صلة الدم , عن طريق الأب والأم أو أحدهما ، ويتكون أفرادها من الأب والأم والأخوة والأخوات ذكورا وإناثا ، ويختلف حجم الأسرة من حيث عدد أفرادها ، كما يختلف مستواها الاقتصادي والثقافي تبعا لعمل الأب والأم ومستواهما العلمي والثقافي . وتمثل الأسرة الوحدة الاجتماعية الأساسية في المجتمع ، وهي المؤسسة التربوية الأولى فيه التي ترعى أبناءها وتعمل على تنشئتهم اجتماعيا ، وكلما كانت العلاقات الأسرية جيدة والتماسك الأسري قويا انعكس ذلك على الأسرة وعلى تعاملها ووضعها في المجتمع . ومن هنا كانت الأسرة أولى المؤسسات الاجتماعية ذات الدور الفعال في تنشئة أفرادها تنشئة اجتماعية متوافقة أو غير متوافقة مع الأنظمة العامة للمجتمع .

يفتقد أفراد الأسرة للأمن عندما تتزايد المشاكل والأمراض النفسية والعصبية بسبب انفصال الزوجين ، وهذا يؤدي إلى ترسّخ الإحساس بالخوف وعدم الأمان لدى الأطفال ، إذ يشعرون دوما بالتهديد والخطر المحدق بهم ، وقد أثبتت الدراسات أن جذور الأمراض النفسية والاضطرابات السلوكية ، ومنها ممارسة العنف تعود لفترة الطفولة في الأجواء الأسرية والاجتماعية غير السوية ، كما أن أساليب التربية التي تلقاها الأبناء في طفولتهم من والديهم كالضرب والسب والقسوة تجعلهم يمارسون ذلك في الكبر ضد زوجاتهم وأبنائهم ، أي إعادة إنتاج العنف الذي يعني تداوله عبر الأجيال ، وانتشاره خارج حدود المجموعة التي أفرزته أو وقع عليها ليشمل المجتمع بأسره ، فالأسرة في المجتمع العنيف تمارس العنف ضد أعضائها مما يؤدي إلى خلق أشكال مشوهة من العلاقات ، وأنماط مضطربة من الشخصيات كفيلة بإعادة العنف خارج حدود الأسرة .

وتؤدي الظروف الاقتصادية الصعبة والضغوط المعيشية التي يمر بها بعض الرجال ، وإحساسهم بالعجز عن تلبية احتياجات أسرهم ، وبالقهر الذي يمارسه المجتمع ضدهم عندما لا يحقق لهم الأمن المعيشي ، وشعورهم بعدم العدالة والمساواة في الحقوق المادية والفرص الوظيفية ، إلى تزايد وتيرة العنف ، كما لا ننسى الإدمان على الخمور والمخدرات والانحرافات السلوكية ، والثقافة الذكورية السائدة في المجتمع ، وهذا العامل تشاركنا فيه كثير من المجتمعات العربية والإسلامية المعاصرة ، فالرجل هو الحاكم وهو رب الأسرة وأعلى سلطة فيها ، وكثير ممن يمارسون العنف يستغلون مفهوم السلطة والقوامة استغلالا بشعا ! وكل ذلك يجعل صاحبها عنيفا تجاه أهل بيته .

ولكلمة ( الأسرة ) إيحاءات تتعلق بالمحبة والحنان والدفء والحماية والرعاية والإنفاق والمسؤولية ، وكل هذا يحقق الأمن الذي هو ضد الخوف ( وآمنهم من خوف ) ! وعندما تتلازم كلمتا الأمان والأسرة عن طريق التركيب ، فهذا يعني الرغبة في تحقيق وتأكيد مزيد من المعاني التي يولدها هذا الترابط ( الأمان الأسري ) !

فمتى بدأ التفكير في مجتمعنا بإشاعة الأمان الأسري ، والأسرة نفسها كما قلنا هي منبع الأمان وما يتولد عنه من معان وقيم سامية ؟ لا ريب أن ظاهرة العنف الأسري وما يترتب عليه من مخاطر ومآس ٍهي الباعث على هذا ، وهو من الظواهر الاجتماعية الأكثر وضوحاً وانتشاراً في المجتمعات الإنسانية بمختلف ثقافاتها وبناها الاجتماعية ، وتفاقم هذه الظاهرة يهدد الكيان الأسري والبناء الاجتماعي في أي مجتمع ، وقد ( برزت في الآونة الأخيرة عدد من الظواهر الاجتماعية السلبية التي لم تكن معروفة في مجتمعنا خلال العقود الماضية ، ومن أبرز هذه الظواهر التي أخذت بعداً إعلامياً كبيراً ظاهرة العنف الأسري ضد الفئات المستضعفة من نساء وأطفال ومسنين ، وكان هذا داعيا لإنشاء برنامج الأمان الأسري الوطني، بالأمر السامي رقم 11471/م ب وتاريخ 16/10/1426 ه الموافق 18/11/2005 م ، وهو برنامج وطني لحماية الأسرة من العنف ، ويأخذ على عاتقه إرساء أسس مجتمع واع وآمن يحمي أفراده ويدافع عن حقوقهم ، ويرعى ضحايا العنف الأسري ، ويهدف إلى إيجاد بيئة اجتماعية آمنة ومتضامنة تتصدى للعنف الأسري ، من خلال تفعيل ثقافة وطنية تحترم حقوق الأفراد وخصوصا الفئات الأكثر عرضة للعنف كالأطفال والنساء وكبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة ، وذلك عن طريق التوعية الشاملة عبر قنوات مختلفة تشمل كافة شرائح المجتمع ، مع توفير الرعاية الطبية والنفسية والاجتماعية لضحايا العنف الأسري وإيذاء الأطفال أو إهمالهم ، إضافة إلى تدريب العاملين في هذا المجال وتأهيلهم للتعامل الأمثل مع هذه الفئات المستضعفة ، ويعتمد البرنامج في ذلك على الخبرات الوطنية بالتعاون مع كافة الجهات الحكومية والأهلية المعنية بهذا المجال ) . ومما يلفت النظر في اختيار اسم البرنامج كلمة ( الأمان ) التي هي أكثر شمولا من الحماية التي تكون نتيجة للأذى الذي نتوقع حدوثه لأحد أحد أفراد الأسرة أو جميعهم ، أما الأمان فيعني إشاعة جو من الطمأنينة والهدوء والسكون النفسي لجميع الأفراد ؛ عن طريق التوعية وإيجاد بيئة اجتماعية آمنة من خلال تفعيل جميع أهداف البرنامج ، وهذا يحول دون تعرض أفراد الأسرة للاعتداء أو العنف ، ومتى تحقق الأمان لا نعود بحاجة إلى الحماية .

يعتبر الفرد كبيرا كان أم صغيرا غير آمن عندما تنتهك حقوقه ، ويستغل استغلالا سيئا تحت أي ذريعة ، وإذا كان بعض الكبار يستطيعون تمييز ما يتعرضون له ، ويتفهمون دوافع من يمارس العنف بكل أشكاله ضدهم ، فإن الأطفال لا يستطيعون ذلك ، وبما أن التحرش الجنسي شكل من أشكال العنف الذي يتعرض له بعض الأطفال وغير البالغين باعتباره انتهاكا لأجسادهم واعتداءً صارخاً على براءتهم ، فقد قام برنامج الأمان الأسري بإصدار كتيب توعوي ( لتعليم الأطفال كيفية مقاومة لمسة لا يرتاحون لها بعنوان : إنه جسدي ) ولا شك أن اختيار العنوان لم يأت من فراغ ، بل جاء نتيجة حرص القائمين على البرنامج على مراعاة فهم الطفل الذي لا يعي معنى التحرش ، ولا يمكن إفهامه ذلك بطريقة صادمة ، فكان العنوان ( إنه جسدي ) مدخلاً مناسباً لتوعية الطفل بالتحرش بصورة غير مباشرة لا تسبب صدمة له ، وقدم ذلك له بلغة سهلة ميسرة ، وصور ملونة تقرّب مفهوم التحرش له ؛ بتأكيد خصوصية الجسد الذي لا يحق للآخرين لمسه إلا متى كانوا أفرادا مقربين جدا للطفل كالأم والأب والجدين ، يبدأ الكتيب بصورة لطفل تشع منه هالة ضياء وابتسام وهو يقول : " لديّ شيء يميزني ، هو ملكي أنا وحدي ، ثم تأتي صورة تشير للطفل وهو وليد ، كتب تحتها : إنه معي منذ ولادتي ! وفي الصفحة التالية تظهر عدة صور تبرز مراحل نمو الطفل كتب بعدها : إنه جسدي ! بعد ذلك يأخذ الكتيب في تعريف الطفل معنى أن يشاركه الآخرون جسده من خلال الصور ، وذلك : عندما تمسك أخته أو زميلته يده ، وعندما يعانق والده ، وعندما يجلس في حضن جدته ، وعندما يمسك بيد طفل صغير. وعندما يسمح لطفل في مثل عمره أن يداعبه . ومع هذا يؤكد الكتيب للطفل أن جسده ملك له وحده :

( حتى عندما أشارك الآخرين جسدي فهو شيء خاص بي أنا وحدي ) !

يتولى الكتيب بعد ذلك شرح مفهوم آخر للأطفال وهو ، عدم الرغبة في أن يشارك الآخرون الطفل جسده بالقول :( أحيانا لا أحب أن أشارك الآخرين جسدي ) ، وذلك عندما : ( يدغدغه ) شخص ما بقوة ، وعندما يقبله أحد ما بحرارة تترك لعاباً على خده ، وعندما يمسك به شخص ويجلسه في حضنه بقوة ، وعندما يلمس شخص ما مكانا ما في جسده بطريقة تزعجه ! أما ما يجب أن يقوله الطفل لمن يفعل له ذلك فهو : ( إليكم ما أقول : لا تلمسني أنا لا أحب ذلك ) ! ثم يسترسل الكتيب في تقريب مفهوم التحرش للأطفال قائلا : ( عندما يطلب مني أحدهم أن ألمسه في مكان ما بشكل لا يريحني ، فإني لن أشاركه جسدي ) ، ويبدو الطفل في الصورة ومعه رجل في هيئة عامل أو سائق يحاول إمساكه ! أما ما يجب أن يقوله الطفل في هذه الحالة فهو : ( لا لن ألمسك ، أنا لا أحب ذلك ، الآن ردد معي بصوت عال ٍ : لا تلمسني ! فأنا لا أحب ذلك : قل لا ، لن ألمسك ! فأنا لا أحب ذلك ) !

لا شك أن الكتيب جديد في موضوعه وجاد في رسالته ، إذ يقدم جرعة توعوية لصغار الأطفال حماية لهم من التحرشات التي تعرض لها غيرهم كما ينشر في الصحف ، وفيما أعلم لا توجد لدينا كتيبات من هذا النوع ، حتى مناهجنا الدراسية لا نكاد نجد فيها موضوعات تهدف إلى توعية الصغار وتحذيرهم من السلوكيات المنحرفة التي تشكل خطرا كبيرا على نموهم العقلي وصحتهم النفسية والجسدية ، بل إن بعض تلك التحرشات يشكل خطرا كبيرا على حياتهم إذ يتعرضون للموت جراء الإصابات ، أو للقتل من قبل المعتدين خوفا من افتضاح أمرهم .

كنت أتمنى لو أن الكتيب ركز أيضا على أن التحرش لا يقع من الأغراب ، بل قد يقع من بعض أفراد الأسرة كالأب أو العم أو الشقيق أو أحد الأقارب الذين تثق بهم الأسرة ، وعندها ينبغي على الطفل أن يسارع لإخبار أمه ، فالأم محل ثقته وهي وحدها التي يمكنها فهمه وحمايته ، كما أنها الوحيدة التي لا يمكن أن يصدر منها سلوك منحرف تجاهه .

وأخيرا تشهد بلادنا في الآونة الأخيرة حراكا يتمثل في قيام عدد من البرامج والجمعيات والمؤسسات غير الرسمية ، التي يتولاها بعض أبناء الوطن الراغبين في معالجة الاختلالات والانحرافات السلوكية التي ساهم في ظهورها التشدد والانغلاق وذهنية التحريم والادعاء بطهورية المجتمع ونظافته ، الأمر الذي حال دون مناقشتها وطرحها على بساط البحث لإيجاد علاج لها ، مما ساهم في تضخمها وزيادة رقعة انتشارها في طول الوطن وعرضه !


قيّم هذا الموضوع
 

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "الرياض" الإلكتروني ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر، وللإبلاغ عن أي تعليق مخالف يرجى الضغط على زر "التنبيه" أسفل كل تعليق

عدد التعليقات : 8
  • 1

    وفقك الله يادكتورة حسناء، وأتمنى أن تنضمي لهيئة (الأمان الأسري )فعلاً
    نحن بحاجة ماسة لمثل هذه البرامج حمى الله الجميع من كل شر ومكروه
    خاصة الأطفال والضعفاء

    مراويح السحاب (زائر)

    UP 0 DOWN

    06:04 صباحاً 2009/06/07

  • 2

    مقال يحتاج لا ستخلاص توصيات اجتماعية تتوافق والواقع الذي نعيشه
    تحياتي لكل قلم يحمل هم المجتمع ولا يتوارى من مشاكله وهمومه

    علي بن عواجي محمد مهجري (زائر)

    UP 0 DOWN

    08:33 صباحاً 2009/06/07

  • 3

    بارك الله فيك

    عا بد (زائر)

    UP 0 DOWN

    08:53 صباحاً 2009/06/07

  • 4

    د.حسناء...... ألمس في كتاباتك اخلاصك وحرصك الشديد لكل ما هو خير لهذا الوطن وشعبه. وفقك الله في الدنيا والاخرة

    أم محمد (زائر)

    UP 0 DOWN

    12:56 مساءً 2009/06/07

  • 5

    وهذا هو الامن الفكري الحقيقي » وهذه هي مشاكل المجتمع الحقيقية » وحلولها موجودة ومتوفرة من الدولة » وكم كنت اتمنى » حسب الموضة الاخيرة » ان يكون لديك » كرسي بحث » فعال» باسمك » باحد الجامعات » لتكون الابحاث باشراف مباشر منك » لنخرج بحلول » للمعوقات التي تقابل المجتمع » بدل ان يكون كرسي للاسم فقط «

    »»» عبدالله ««« (زائر)

    UP 0 DOWN

    02:22 مساءً 2009/06/07

  • 6

    مرحبا دكتورة وشكرا جزيلا لك على المقال وشكرا ثانيا للقائمات على البرنامج الذي يحمي الصغار من الوحوش التي تترصدهم. دمت يا دكتورة ودام قلمك الذي ينبض بالوطنية.

    رزان أحمد (زائر)

    UP 0 DOWN

    04:02 مساءً 2009/06/07

  • 7

    دكتورة حسناء،، أتحرى مواضيعك دوما، وتفاجئني بمحتواها دوما،، جزاك الله كل خير عنا نحن النساء والأطفال أيضا،،

    أم كنان (زائر)

    UP 0 DOWN

    07:56 مساءً 2009/06/07

  • 8

    -فالاستعارة يستخدمها المحامون لتقريب حقيقة ما،أماأن يستخدمهاالقضاة فبينهم بصفتهم.تتكون الاسرة من الاب والام و الاخوة ثم تداخلت بالعائلة.كلا دون المثنى والثلاث والرباع يبقى الاب رب الاسرة والعم كما ترين منها.

    ع/عطاالله (زائر)

    UP 0 DOWN

    10:51 مساءً 2009/06/07




التعليق مقفل لانتهاء الفترة المحددة له

 

إعلانات




حروف وأفكار

حسناء القنيعير

الخيارات

إعلانات خيرية