الرئيسية > مقالات اليوم

لبنان والسياسة الأميركية الجديدة


منح الصلح

"وتحسب أنّك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر"… لكأن هذا البيت من الشعر الذي قاله أبو العلاء المعري متوجها به للانسان الفرد ينطبق أيضا بين البلدان على لبنان الوطن الصغير المحدود الحجم في قياس المادة ولكن شاغل البعيد والقريب منذ زمن بمشاكله المستعصية.

ان لبنان بجغرافيته السياسية يكاد يكون أحد الأوطان القليلة في هذه المنطقة من العالم الذي فصّلت خريطته بالأصل تفصيلا ليكون دار تسامح وتواصل وأمن. فهو وطن الطوائف والوظائف والمصارف يأتيها رزقها حصرا من أمنها وهنائها ومن متعة العمل والانجاز عند أهلها.

هكذا نظر الى لبنان البعيد والقريب منذ قيامه بجغرافيته الحالية بعد الحرب العالمية الأولى. وعندما أنشئت جامعة الدول العربية ازداد اللبنانيون مع الحرب العالمية الثانية اطمئنانا على أن استقلالهم وعروبتهم سيكونان خير ضامنين لنوعية الحياة اللبنانية العربية التي بها يستمتعون.

وصحيح أن لبنان يعاني كثيرا في الوقت الحاضر من استمرار الشجار السياسي الحار بين جماعة 14 آذار و 8 آذار بحيث يبدو الوطن مقسوما بين مستعجل ومعطّل، الا أن كثيرين من اللبنانيين وغير اللبنانيين المتحمسين لقيامة لبنان واستمراره يرون أنه قد يكون أضمن لحيويته واستقراره معا، استمرار مشهد ثنائي للحياة السياسية اللبنانية ولو متشاجر لأن ذلك يدحض على المدى البعيد كل محاولة لتصوير لبنان بأنّه وطن أحادي الصوت غير تعددي، ورب شجار مزعج كان أقل ضررا من وضع اللون الواحد الرافض لاختلاف الآراء في وطن عرف عنه الجميع في معظم فترات حياته بأنّه يتنفس من خلال التعدد، وصولا الى التنوّع في اطار الوحدة.

لقد كان مجيء نائب الرئيس الاميركي جوزيف بايدن الى لبنان نصرا دوليا للرئيس ميشال سليمان في وطن يعرف الغربيون عنه جيدا أنّه، وان كان كثير الخلافات والتناقضات معظم الأوقات وأمام العديد من المشكلات، الا أن هذه التعددية تبقى الوجه الآخر لعباءة الديموقراطية اللبنانية في منطقة عربية متّهمة أحيانا بالانصياع المبالغ فيه للرأي الواحد والاجماع السياسي.

ان كل الدلائل تدل على أن النظرة الدولية الى لبنان هي ايجابية في العمق وما مجيء بايدن الى بيروت في هذه الظروف الا تأكيدا دوليا قاطعا على الثقة الدولية بقيادة لبنان السياسية الرشيدة ممثلة بالرئيس سليمان الذي تعددت المؤشرات عند القريب والبعيد اللبناني والعربي والدولي على أنه المؤمن بالديموقراطية والمتمسّك بها العارف في الوقت نفسه أنّه في بلاد الشرق يبقى من الضروري أن تقترن الرئاسة الأولى ببعض الصفات الادبية التي لا غنى عنها للانجاز المدني والسياسي، ذلك أن لبنان وان كان له وجه غربي فإنّه وطن شرقي أولا والشرقيون ومنهم العرب واللبنانيون تحديدا يعرفون أن المجتمعات ليست غبارا من الأفراد بل كلا متماسكا من العلاقات والانتماءات الاجتماعية المتفاعلة والمتماسكة والمتعاونة بقيادة الرئيس.

ان زيارة بايدن للبنان وللرئاسة اللبنانية وقوله امام الرئيس سليمان ان لبنان البلد الصغير سيكون صاحب دور كبير في المستقبل القريب، ينمان عن ارتياح دولي لمسيرة الحياة السياسية الديموقراطية في وطن هو لبنان كانت النظرية الدولية اليه دائما أنّه الوطن العربي المستسيغ للخير النافع من حضارة الغرب والذي على تقديره لما عند الغرب من تقدم لا يتنكّر أيضا لأصالة الشرق. ولعل الرئيس سليمان كان أحد الرؤساء اللبنانيين الذين نجحوا في اقناع اللبنانيين والعرب أنّهم يملكون جيدا حس المقادير فهو لم ينجرف في مفهومه لواجبات الرئاسة الى التنظير الجاف الذي لا يأخذ بالاعتبار أن لبنان كائنة ما كانت صلته قوية بالغرب، لا ينسى أنّه بلد شرقي وان الحاكم في الشرق هو أب لا رئيس فقط ولا ديموقراطي فقط. ولعل هذا ما يجعل الكثيرين من اللبنانيين يرون في الرئيس ميشال سليمان صورة للرجل الأول الذي يريدونه رئيسا للبنان ديموقراطيا كامل الديموقراطية، ولكنّه لا ينسى أنّه في بلاد الشرق لا غنى للرئيس عن ان يكون أيضا أبا لشعبه. ولعل الزعيم اللبناني الأبرع والأسرع الى فهم هذه الحقيقة هو وليد جنبلاط الاوضح بين الزعماء اللبنانيين في ادراك ضرورة تدوير الزوايا على طريق استعادة لبنان الواحد.

المتشائمون التقليديون بالسياسة الاميركية وهم لا يزالون كثرة في لبنان يتحدثون الان عن أن وزير خارجية لبنان في عهد الرئيس كميل شمعون الدكتور شارل مالك وان لم ينجح بالمعنى الصحيح في اقناع غالبية اللبنانيين بالوصفة الانقاذية التي هي مماشاة السياسة الأميركية دائما وفي كل أمر الا أنه نجح عند بعضهم في زرع ما يشبه أن يكون مركبا نفسيا عند كثيرين من اللبنانيين فحواه أن ثمة علاقة لا يمكن أن تنعدم بين أكبر دولة في العالم أي أميركا، والدولة الأصغر في العالم اي لبنان.

واقع الأمر أن أميركا تبحث عن انجازات في المنطقة من أجل تعزيز الصورة المتألقة لرئيسها باراك أوباما. فهل يكون الاهتمام الأميركي بلبنان لصرف الأنظار عن الفشل الأميركي في العراق وفلسطين؟

ان النجاح في لبنان يتطلب النجاح مع الشيعة والسنة والمسيحيين. ولا فائدة من نجاح مع واحد دون الآخرين، بل لعله يفاقم الأمور أكثر مما يعالجها. فالموضوع هو معالجة صبورة للتعددية كلها حيثما كانت بقيام ديموقراطية فعّالة مكتملة الشروط وهي وحدها تستطيع الانتقال بلبنان الى وضع جدي قابل للدوام مستعصٍ على الانتكاس في أي وقت.

الخطير الذي تكشف عنه التجارب في هذا الموضوع هو أن كل حل لأي مشكلة دون الأخرى من مشاكل التعدد ومواجهة موضوع الديموقراطية وكأنه البداية والنهاية معا يبقينا حيث نحن أو لعله يعيدنا الى وراء.

وتأتي زيارة بايدن الى لبنان لا لأن أميركا كما كان المرحوم شارل مالك يصورها عاشقة للبنان، بل لأن أميركا تعيش عدة أولويات تبدأ بأوضحها وهي اقتراب موعد زيارة الرئيس الأميركي باراك أوباما للمنطقة الشرق أوسطية التي يعلّق الأخير أملا كبيرا على نجاحها كاطلالة مباشرة له على منطقة هامة لاميركا فيها مختلف أنواع المصالح والصداقات مع بلدان متخاصمة فيما بينها.

الأسئلة والتحديات كثيرة في المنطقة التي اختار اوباما زيارتها تكبيرا لحجمه السياسي وبرهانا عن تفهمه لخصوصيات هامة في منطقة استراتيجية غنية بالثروات المادية والروحية والسياسية.

ليست الديموقراطية نظام تأجيل الحلول كما يتصورها جمهور كبير من الساسة بل هي نظام استيعاب التعدد وتفعيله ايجابيا وبشكل مستمر. وما لم نفهمها على أنّها كذلك، ونلتزم بممارستها وفقا لأصولها ومناهجها وروحها فاننا نبقى حيث نحن وأمامنا المشاكل نفسها التي واجهها آباؤنا ودول العالم تتفرج علينا ونحن لا نتقدم ولا نتاخر وهو التأخر بعينه.

ان الديموقراطية هي نقيض الاستبداد ولكنها بعيدة أيضا ويجب أن تبقى بعيدة عن الليبرالية المنفلتة بل هي البديل المطلوب عنهما. لا ننسى أن الكثيرين من اللبنانيين يتعامل مع الديموقراطية وبنفسه رشوة الذات، وبعض أهل الحكم لا يتوقف عن الترداد: عندكم ديموقراطية فماذا تريدون أكثر؟ ولكن هذا يظل عند جمهور واسع من الناس نقداً غير قابل للصرف، هذا مع العلم ان استمرار جمهور واسع من اللبنانيين بالتمسّك بالحاكم ذي الثوب العسكري. كما لا تخلو الساحة اللبنانية من ذاكرين عهد الرئيس فؤاد شهاب، فكانوا يمتدحونه على بعض ما فعل ويعذرونه فيما لمَ فعل.

لقد لعب الجنرال ديغول دورا في بناء الديموقراطية الفرنسية والحؤول دون تسلّم الديكتاتورية الحكم في فرنسا، ولعب الجنرال ايرنهاور دورا مجيدا في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية وكان أسلوب كل من الرجلين مدخلا دما جديدا للديموقراطية في دولتين لعلهما مع بريطانيا الأبرز في عالم الديموقراطيات الغربية.

ان العالم كله وليس العرب واللبنانيون فقط، تلقوا بترحيب كبير تولي العماد ميشال سليمان الرئاسة اللبنانية ورأوا في ثوبه العسكري اضافة الى بهاء الديموقراطية اللبنانية على الرغم من كثرة الانتقادات الموجّهة بحق أو بغير حق لسلفه الرئيس الجنرال لحود.

كل هؤلاء وآخرهم الرئيس الحالي، جاؤوا الى السلطة لسد حاجة الديموقراطية اللبنانية، وليس اعجابا أعمى بالثوب العسكري.

وسام الامتحان وسحر الانتخاب عنصران اذا لم يتوفرا معا في رجل السياسة فهو لا يكون بعد قد أخذ البيعة الكاملة من بني قومه ولا أصبح في عيونهم وعقولهم مكتمل الاطلالة المشروعة.

لقد كان على رئيس الحكومة فؤاد السنيورة أن ينجح في الأمرين معا لتهدأ على كتفيه عباءة القيادة، ذلك أنّه على الرغم مما كان قد احتل من مكانة واضحة عند القريب والبعيد فإن حسّه السليم وقماشته كرجل دولة قد دفعاه الى ترشيح نفسه عن صيدا طالبا البيعة من أهل مدينته غير مكتفٍ بكل ما قدّم لها وأنجز.

العالم كله يسأل ولا يجاب عن شؤون الشرق الأوسط: هل النجاح في لبنان يمكن ان يعني حاليا غير البدء باعتماد الدولة ورئاسة الحكومة المنطق في عملية استكمال بناء الدولة وترك مكان لرئاسة المجلس يكتمل بها عامود السلطة... فيكون لبنان الدولة قد اكتمل ولم يبقَ أحد خارجه وقد طال انتظار اللبنانيين للعمل الجماعي بين قادته الشرعيين جميعا بعد طول غياب ولو بعد طول فرقة أيضا.

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة