الرئيسية > مقالات اليوم

من الحي اللاتيني إلى الحي الفرنسي


د. مشاري النعيم

في زيارة لمدينة نيو اورلينز في ولاية لويزيانا الأمريكية قبل عدة سنوات (1999م) شاء القدر أن اسكن وزميل لي في أحد شوارع تلك المدينة المثيرة، وكان ذلك بالصدفة لأننا لم نجد مكانا نسكن فيه في الفندق الذي سيعقد فيه المؤتمر الذي ذهبنا إلى هذه المدينة من أجله وكان هذا الشارع لا يبعد كثيرا عن مكان المؤتمر، وكان يدعى "بوربون" والفندق الذي سكناه يحمل نفس الاسم ولعل القارئ الذي يعرف هذا المكان سيعود بمخيلته كيف يتحول الشارع إلى ملهى ليلي مفتوح في المساء، فقد فوجئت فعلا كيف يمكن أن يتحول شارع بأكمله إلى ساحة للترفيه وكيف تتفتح تلك الواجهات المغلقة طوال اليوم وتصبح جزءا من الشارع. من نافذة غرفتي المطلة على الشارع اثارتني بعض التحولات عند غروب الشمس فقد لاحظت أن الشرطة اغلقت الشارع امام السيارات وظننت ان هناك حادثا أو حريقا لكن الأمر استمر في هدوء ثم ان الناس بدأوا يتكاثرون فقررت النزول إلى الشارع ورأيت ان المكان برمته تحول إلى ملهى ليلي. عند الصباح حاولت ان اكتشف المكان الذي اسكنه، وقبل الذهاب إلى مكان المؤتمر تجولت في الحي ورأيت شيئا عن المدينة فاكتشفت أني اسكن في الحي الفرنسي وأن هذه المدينة اسسها الفرنسيون وسموها على اسم مدينة "اورلينز" الفرنسية. لقد زادني ذلك إثارة لأني مغرم بتفاصيل عمارة البحر الأبيض المتوسط المنفتحة على الخارج، والتفاصيل المعمارية في ذلك الحي تنثر اسرار المباني على الأرصفة لا تخفي شيئا فلم اترك جزءا من الحي الا ومررت به وحاولت ان اقارنه بما شاهدته وقرأته عن احياء باريس وخصوصا الحي اللاتيني الذي طالما أثار مخيلتي، فهو المكان الأشهر الذي يصعب ان نجد مكانا له نفس الحضور في كتابات كثير من الادباء والمفكرين، ثم اني قررت أن اكتب مقالا (تقليدا لأولئك الذين قرأت لهم عن الحي الباريسي) عن الحي "النيو اورلينزي" وكتبت العنوان الذي وضعته لهذا المقال ولم أضف كلمة أخرى منذ ذلك الوقت حتى قررت كتابته مرة أخرى.

أتذكر هنا رواية سهيل إدريس (الحي اللاتيني) فقد قرأتها في النصف الأول من ثمانينيات القرن الماضي (وقد كنت في السنة النهائية في الثانوية العامة، وأذكر أنني تأثرت بتلك الرواية حتى أنني اعتبرتها أهم رواية قرأتها في حياتي فقد كانت تضج بالامكنة وشعرت أنني أعيش مع الناس هناك وأذهب معهم إلى المقاهي، صرت استشعر باريس دون أن أراها، ويبدو أن الحضور المكاني كان سمة مهمة بالنسبة لي جعلتني أقرأ الرواية عدة مرات حتى أنه عندما توفي سهيل إدريس قبل عدة سنوات شعرت بحزن شديد لكني شعرت بالحي اللاتيني يعود مرة أخرى، فقد زرت حي (سان ميشيل) (الحي اللاتيني) عدة مرات بعد ذلك ولم أجد ما ذكره إدريس ابدا، لم أشعر بتلك الحياة الفاقعة التي صورها الروائي ولم أجد تلك الامكنة الحميمية. بحثت عن المقاهي ولم أجدها لكني فوجئت بمكان سياحي مثل كثير من الأمكنة التي زرتها في حياتي. قلت في نفسي لا نستطيع أن نكتشف المكان إلا بعد أن نصبر عليه. يجب أن نعيشه أولا كي يكشف لنا عن أسراره.

لقد مر وقت طويل على تلك الزيارة ولا اعلم لماذا عاودتني الرغبة في الكتابة عن ذلك الحي (النيو اورلينزي)، لقد ثارت في نفسي تلك الذكريات واعادت لي الرغبة في التحدث مرة اخرى عن ذلك الشارع الرصين نهارا و"المراهق" ليلا، فذلك الخليط من "مزاجية الانسان" و "تشكل الأمكنة" يجعل من المدينة كيانا حيا ويجعل للصورة معنى. فقد كنت في وسط الرياض قبل عدة أيام وقابلت هنا أحد الزملاء لم اره منذ سنوات وكان معه وفد من المصممين المعماريين من كندا (ويبدو أن لديهم مشروعا جديدا في مدينة الرياض ووسط الرياض هو المدرسة الدائمة والحية التي تعبر عن شخصية هذه المدينة)، لقد استغربت تلك المصادفة خصوصا وأنها في احدى ساحات قصر الحكم وكان برفقتي صديق وقلت له يبدو أن الرياض تجمع الاصدقاء ثم استأذنته وتوجهت إلى عمق المدينة القديمة وإلى المنطقة الواقعة جنوب القصر ومررت بشارع الثميري وكنت مشككا أنه نفس الشارع فسألت أحد المارة، وأكد لي أنه شارع الثميري. توجهت نحو الحارات الطينية فراعني ما شاهدت من تدهور لكني شعرت ببعض الراحة وأنا أرى بعض الأسر السعودية التي مازالت تسكن تلك الحارات فقد أعطاني هذا شعوراً بأنه يمكن استعادة الحياة الاقتصادية والاجتماعية لوسط الرياض لأن المدن العظيمة لا تبقى إلا ببقاء قلبها والحقيقة أنني تذكرت في نفس الوقت مشروعا لتصنيف ودراسة وسط الرياض بدأته الهيئة منذ سنوات ولا أعلم أين انتهى. والذي يبدو لي أن بعض مشاريعنا المدينية / الثقافية تبدأ من نقطة وتتوه في بحر من النقاط على عكس المشاريع الراسمالية الاستثمارية التي سرعان ما امتلأت بها سماء الرياض.

تذكرت كل الشوارع المهمة التي مررت بها في حياتي وعندما مررت بشارع الثميري قلت يمكن لهذا الشارع أن يكون "شارعاً ثقافياً" فهو يفصل بين منطقة قصر الحكم بمبانيها العملاقة وحضورها الثقافي العميق وساحتها المرحبة بالزوار (والخالية منهم في نفس الوقت) وبين الحارات القديمة جنوب القصر التي تئن وتترنح. شارع يمثل عتبة من عتبات الرياض المهمة التي تحتاج أن تبقى وتتطور وتتحول إلى ما يشبه "البينالي المعماري" مثل (سوق واقف) في العاصمة القطرية الدوحة. أعتقد أن هناك فرصة كبيرة لتحويل هذا الشارع إلى مسار حركي / ثقافي يتغلغل في الحارات الجنوبية ويعيد إحياءها بشكلها الطيني البسيط وبحياتها الاجتماعية الفاقعة لكنها يبث فيها روح اقتصادية جديدة تجعل من وسط الرياض مكانا للجميع يحمل الرمزية السياسية والثقافية والاجتماعية ولعل هذا ما تحتاجه الرياض في المستقبل إنها بحاجة إلى لمسة إنسانية ومكان يخرج الناس من ضيق المدينة الكبيرة إلى رحابة المكان العبقري البسيط.

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 9

  • 1
    نحتاج لمثل هذه الرؤية الثقافية لنستطيع تحويل بعض مرافقنا المتجمدة لأماكن حية تتنفس عبير تاريخنا ويتضوع منها شذى ثقافتنا فمن يستطيع أن يبعث لها الحياة من جديد

    علي بن عواجي محمد مهجري - زائر

    08:13 صباحاً 2009/06/06


  • 2
    أسعد الله صباحك يا دكتور،المشكله أن معظم من يقوم علي تطوير المدن هم شباب (ومرحبا بالشباب) لم يعيشوا تلك الحقبه التي عشتها أنت وأنا وبعض منا،وما أصعب أن يدافع ويحيي أناس حقبه من الزمن بتراثها ومبانيها وعاداتها وهم لم يعيشوها وما أصعب الشاب الوطني أن يستعين بمن لم يعش تلك الفتره من الإخوه المتعاقدين

    ياسر الشمري - زائر

    09:20 صباحاً 2009/06/06


  • 3
    من باب عدم جواز كتم العلم
    < قل شاء الله ولا تقل شاء القدر >

    (عبدالله*) - زائر

    10:21 صباحاً 2009/06/06


  • 4
    مرحبا دكتور
    لا ادري لماذا أصبح عندي إعتقادا خاطئا عن كل من يتكلم من بعيد ويطالب ويرى ويعتقد ويتخيل دون أن يصول أو يجول.
    سهل هو الكلام الذي تمتلئ به الصحف ولكن بعيدة هي عن واقع كاتبيها. في الحقيقة لم نرى سوى المحبرة والقلم شاهدا لما تقول.
    صبرا فلا نعلم أي موعد ينتظرنا

    هند صالح - زائر

    04:11 مساءً 2009/06/06


  • 5
    دكتور،
    لا تطالب بما هو أمس ولو كان جميلا
    فالحياة تتغير،ولابد للأنسان ان يتكيف ولو أصبح ماديا بحتا
    فلا نطلب شارعا أدبيا، ولو وفرناه لن تجد من يملاؤه
    تلك هي الحقيقة

    أبو منيرة - زائر

    04:50 مساءً 2009/06/06


  • 6
    بارك الله في جهودكم

    sarah - زائر

    05:21 مساءً 2009/06/06


  • 7
    ياسلام يادكتور مشارى ذكرتنا الفرنش كوارتر وطربه وأكلاته الفرنسيه الشهيه
    ولباس النوادل والمطربين المزركشه وآلاتهم المسيقيه والزوار من جميع اصقاع
    الدنيا منظر لا ينسى مع مرور السنين. شكرا لبعث الذاكره.

    صالح رشيد الأبراهيم - عضو

    05:36 مساءً 2009/06/06


  • 8
    لم يكذب د. أدريس، الحي الاتيني، رأيته في أوخر الستينيات وأوائل السبعينات كان حيا رائعا، كل اللغات كل الناس كل الألعاب والمقاهي والأطعمة وخاصة الشمال الأفريقية. حتى الحيطان كانت تتخرك بالحي. زرته في نهاية الثمانينان وجدته تغيركثيرا.

    سعاد أحمد - زائر

    07:47 مساءً 2009/06/06


  • 9
    اما واني اتنفس الحي اللاتيني الان،
    بالفعل لا تعرف قيمه الحي الا بعد ان تعيش فيه، انا اسكن باريس، وفي البدايه كنت اسكن في الحي اللاتيني، وقد انتقلت منه لمكان اخر في باريس ليس بالبعيد، وقد احسست بكبر الجرم الذي اقترفته، فكيف رحلت عن الحي اللاتيني. لذلك اذهب له دائما، لتعيش العالم كله في مكان واحد.

    الباريسي - زائر

    03:08 صباحاً 2009/06/07



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة