الرئيسية > مقالات اليوم

ديمقراطية الطوائف (2)


د. يوسف أباالخيل

هل الديمقراطية تؤدي بالضرورة إلى الليبرالية,أم أن الليبرالية مقدمة ضرورية لتدشين الديمقراطية؟. بمعنى أوضح: هل يمكن توطين الديمقراطية في مجتمع غير ليبرالي, أم أن المجتمع الليبرالي يشكل الأرضية الوحيدة الصالحة لاستزراع الديمقراطية؟. هذا هو التساؤل المحوري الذي تضمنه كتاب:(فريد زكريا) الذي استصحبنا بعضاً من آرائه وشواهده التاريخية في الجزء الأول من هذا المقال, كدليل على عدم التلازم بين الديمقراطية والحرية. وفي هذا الجزء الثاني, نحاول أن

بعد أن استعرض تجربة الآباء المؤسسين للولايات المتحدة الأمريكية مع مشكلة تأييد الرق من قبل سكان الولايات الجنوبية, وكيف أنها كانت مانعة لهم من تنظيم انتخابات ديمقراطية حرة في تلك الولايات, يعود فيُذكِّر بشهادة المبعوث الأمريكي إلى يوغوسلافيا السابقة:(ريتشارد هولبروك),والذي يعد أحد أبرز مهندسي اتفاقية(دايتون) للسلام التي وضعت حداً لحرب البوسنة والهرسك في عام 1995م,والتي قال فيها:" إننا لو نظمنا انتخابات حرة ونزيهة في كل أنحاء يوغوسلافيا لانتخب الشعب نواباً عنصريين وفاشيين وانفصاليين وطائفيين بلا شك". وهي شهادة تؤكدها أحداث التاريخ الأوروبي القريب,إذا تذكرنا أن الزعيمين:النازي:(أودولف هتلر)والفاشي:(بينيتو موسوليني), اللذين قادا العالم إلى حرب مدمرة قضت على أكثر من ستين مليوناً من الأنام, كانا منتخبين من قبل الشعبين الألماني والإيطالي بواسطة انتخابات حرة ونزيهة.

لكن إذا كانت مشاهد"الديمقراطية"العالمية, التي استُزرِعت في مجتمعات غير ليبرالية,لم تؤد إلى الحرية المنشودة,فإن مشاهد وأحداث "الديمقراطية" العربية والإسلامية لا تؤكد عدم التلازم الضروري بين الديمقراطية والحرية فحسب, بل إنها,بالإضافة إلى ذلك,تقود لأوضاع سياسية استبدادية أسوأ بكثير من الأوضاع التي كانت سائدة قبلها, وما أفرزته نتائج الانتخابات"الديمقراطية" في العراق من محاصصة طائفية فسيفسائية, وفي فلسطين عقب فوز حركة حماس"ديمقراطياً" بالسلطة, شاهد حي على ما نزعمه هنا. بل إني لا أجد حرجاً من الزعم بأن تلك النتائج الكارثية ل"ديمقراطية"ذانك البلدين صالحة لأن تؤخذ كعينة عشوائية تعمم نتائجها على كافة المجتمعات الإسلامية التي ربما تنوي الدخول,مستقبلا, في مغامرة تنظيم انتخابات"ديمقراطية" على غرار تلك"الديمقراطيات" التي زُرعت في مجتمعات لم تُهيأ لها الأرضية الليبرالية المناسبة.

بالإضافة إلى تلك الشواهد الحية التي تمخضت عن تجارب "ديمقراطية" عربية حقيقية, أثمرت عن إيصال حركات وأحزاب دينية متشددة إلى قمة السلطة من قبل مجتمعات غامرت ب"دمقرطة" سياستها قبل"لبرلة" ثقافتها,فثمة شهادات أخرى ممهورة بإمضاء جماعات الإسلام السياسي حولنا,سواءً منها تلك التي كانت قاب قوسين أو أدنى من اعتلاء كرسي السلطة,أو تلك التي تهيئ نفسها الآن للنزو على ظهر السلطة متى ما أعطيت الحرية للشعوب الرازحة تحت مخدر أيديولوجياتها لأن تختار من يمثلها"ديمقراطيا"!. وكلها شواهد تؤكد أن ثمة تلازماً عضوياً بين"الديمقراطية" غير الليبرالية, والاستبداد بأجلى مظاهره,خاصة في بيئتنا الإسلامية. دونكم,أدناه, بعضاً من تلك الشواهد.

في أواخر عام 1991م نظمت الجزائر انتخابات تشريعية تعددية, حرة ونزيهة,لم تكد تبدأ حتى فازت بها الجبهة الإسلامية للإنقاذ بأكثرية ساحقة. وبينما كانت الجبهة تنتظر الإعلان النهائي عن فوزها, فاجأ نائب الرئيس فيها الشيخ:( علي بلحاج) الجميع بقوله,في خطاب عام,:" بأن الديمقراطية كفر، وأن هذه الانتخابات سوف تكون الأخيرة في الجزائر, وأن الحكم في الجزائر سوف يكون إسلامياً بمجرد فوز الجبهة في الانتخابات"!. وهو موقف مشوب بانتهازية فريدة من نوعها,فالجبهة,حالها حال كافة جماعات الإسلام السياسي, لا تمانع من الاستفادة من الآليات المستوردة من"الكفار",أو أن تتحالف, حتى, مع الشيطان!, لضمان الوصول إلى الحكم,وما أن تنزو على كرسيه الوثير حتى يبادر شيوخها إلى إلغاء التعددية والديمقراطية والحرية بصفتها مظاهر"كفرية" لا يجوز توطينها في بلاد المسلمين!.

من جهتها,لا تختلف حركة الإخوان المسلمين,في موقفها من الديمقراطية, عن الموقف الطائفي الانتهازي الذي يطبع سلوك كافة جماعات الإسلام السياسي, فهذا المرشد العام للإخوان المسلمين في مصر يؤكد أنهم سيتعاملون مع الأقباط,في حال فوزهم بأية انتخابات قادمة, بموجب فقه أهل الذمة!. كما أن الحركة تنتهج موقفاً يحرم عليهم أي الأقباط تولي المناصب الرئيسية للدولة, لماذا؟. الإجابة نجدها عند النائب الأول للمرشد العام للجماعة بقوله:"إن الأغلبية الساحقة من الشعب المصري مسلمون, ونحن نستهدف تطبيق الشريعة الإسلامية, ومن ثم نقول إن رئاسة الدولة عبارة عن رمز, وأن هذا الرمز منوط به متابعة كافة الأجهزة ومدى التزامها بتطبيق الشريعة الإسلامية من عدمه!. ومن غير المعقول أن نكلف إنسانا بما لا يعتقد فيه".

من جانبهم,حاول سلفيو الكويت القفز على الحياة البرلمانية الكويتية بتجيير مخرجاتها لصالح أفكارهم التراثية التي عفا عليها الزمن!,وكانوا سبباً في اضطرار أمير الكويت إلى حل مجلس الأمة أكثر من مرة نتيجة لاستجواباتهم العبثية تجاه أمور لا تمت إلى واقع حياة المواطن الكويتي بصلة.بعد أن فرغ (فريد زكريا) من استعراض الشواهد التاريخية التي تؤكد عدم التلازم بين الديمقراطية والحرية, عاد فاستعرض موقف بعض الأنظمة العربية مع الأحزاب والحركات المنافسة لها,ليصل إلى نتيجة مفزعة مفادها أنه لو جرت انتخابات حرة في الأردن,مثلاً, لفاز بها أتباع ابن لادن على حساب أتباع الملك الليبرالي عبدالله الثاني!. مثلما لاحظنا,عندما نادى أمير الكويت بإعطاء حق التصويت للنساء الكويتيات, أن البرلمان المشكل من أغلبية أصولية هو الذي رفض ذلك. وبالتالي فالأمير كان أكثر تقدمية من ممثلي الشعب!. من جانبه,فالملك المغربي: (محمد السادس), والكلام لا يزال ل"فريد زكريا", أكثر تقدمية من أغلبية الشعب المغربي المأخوذين بصخب الخطاب الأصولي الرافض لقيم الحداثة. والدليل على ذلك كما يقول المؤلف أن مدونة حقوق المرأة التي أصدرها الملك محمد السادس لم تُقبل من طرف الشعب المغربي بسهولة. ويختتم المؤلف كتابه بآهة حزينة,لكنها معبرة,قائلا:"إن الحرية,ويا للمفارقة الكبرى,أصبحت مهددة من قبل (الديمقراطية),التي يصل من خلالها الأصوليون المتزمتون والمتطرفون إلى سدة الحكم. وهو ما ينبغي التنبه له إذا ما أردنا المحافظة على دولة الحق والقانون التي تؤمن الحريات الأساسية للإنسان. وبالتالي فالأهم هو تحقيق المجتمع الليبرالي الدستوري أولاً".

يقول الدكتور هاشم صالح في كتابه:( معضلة الأصولية الإسلامية) ما نصه:" لكي تعرف فيما إذا كانوا أي جماعات الإسلام السياسي ديمقراطيين بالفعل أم لا, ينبغي أن تطرح عليهم الأسئلة التالية:هل سيقبلون,بعد وصولهم إلى السلطة, بتعددية الأحزاب والأفكار وحرية الصحافة؟. هل سيطبقون على المسيحي العربي فقه أهل الذمة, أم قانون حقوق الإنسان الذي صوتت عليه الأمم المتحدة منذ عام 1948م؟. هل سيعتبرونه مواطناً أم نصف مواطن؟. هل سيقبلون بتفسير آخر للإسلام غير تفسيرهم الإكراهي القسري,أم أنهم سوف يفرضون فهمهم المتزمت والقمعي على كل المجتمع؟. هل سيعترفون بحرية الضمير والمعتقد أم لا؟. هل سيمنعون تدريس النظريات العلمية الحديثة كنظرية التطور ل(تشارلز داروين)؟. هل سيساوون بين جميع المواطنين أمام القانون, أم أنهم سيقسمونهم إلى مؤمنين وكفار؟ هل سيحاربون الطائفية والمذهبية,أم أنهم سيكرسونهما تكريسا؟".إنها أسئلة من النوع الثقيل الذي سترسب في الإجابة عليها,لا محالة,كافة حركات وجماعات الإسلام السياسي التي تقود الجماهير الدوغمائية بالضرب على وتر الطائفية البغيضة في طول العالم الإسلامي وعرضه!.

إن الديمقراطية,قبل أن تكون نظام حكم, فهي نظام شامل للحياة, تستعاد بواسطته قيمة الإنسان المفقودة وسط صخب التيارات المذهبية والطائفية التي ترهنه وحياته لأيديولوجياتها. أخيرا نؤكد,مرة أخرى, على أنه لا يمكن"دمقرطة" السياسة قبل"لبرلة"الثقافة, ولا يمكن "لبرلة" الثقافة ما لم تكن حقوق الإنسان والمواطن التي دشنتها الثورة الفرنسية في مفاصل العصور الحديثة,وأقرتها الأمم المتحدة عام 1948م مصانة بشكل كاف.أو أن تعتبر,على الأقل, بمثابة معيار تقاس به درجة القرب والبعد من الحفاظ على كرامة الإنسان في أي مجتمع من المجتمعات.أما أن يكون الإئتلاف بين الأحزاب"السياسية", أو الدستور في الدولة,أية دولة, قائماً على محاصصة طائفية يكون فيها رئيس الدولة من طائفة أو ديانة معينة, ورئيس الوزراء من طائفة أو ديانة مخالفة لها, فلا مناص من التأكيد على أن المجتمع الذي تتموضع على أرضه تلك المحاصصة,ربما يكون قابلاً لاستزراع أية قيم أخرى ما عدا قيم الحداثة, وعلى رأسها قيمة الديمقراطية.

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 4

  • 1
    لقد رميت حين قلت عن الاحزاب الاسلامية :هل سيقبلون,بعد وصولهم إلى السلطة, بتعددية الأحزاب والأفكار وحرية الصحافة؟. هل سيطبقون على المسيحي العربي فقه أهل الذمة, أم قانون حقوق الإنسان الذي صوتت عليه الأمم المتحدة منذ عام 1948م؟. هل سيعتبرونه مواطناً أم نصف مواطن؟
    ما رايت ذلك الا في تركيا!!

    احرار - زائر

    09:18 صباحاً 2009/06/06


  • 2
    شكرا ايها المبدع وشكرا لجريدة تقدر امثالك

    ابومحمد- الرياض - زائر

    10:24 صباحاً 2009/06/06


  • 3
    اشكرك دكتور يوسف على هذا النص الرائع، والنتيجة أن الإسلام نظم حياة المواطن المسلم عندما يعتلي على منبر الحكم والعلاقات الدولية، والخلل في تطبيق ذلك بين سلفي وحداثي.

    حمد الدوسري - زائر

    02:07 مساءً 2009/06/06


  • 4
    بارك الله في جهودكم

    ام خالد - زائر

    05:20 مساءً 2009/06/06



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة