الرئيسية > مقالات اليوم

مرحباً بالتوجهات الأمريكية الجديدة


د. حمد بن عبدالله اللحيدان

مما لاشك فيه أن العلاقة بين الدول المختلفة تحكمها المصالح المشتركة.. وإذا تم تبادل تلك المصالح على أساس الاحترام المتبادل فإن ذلك يؤدي إلى تعميق تلك العلاقة حتى تصل إلى درجة الصداقة مما يضمن لها الاستمرار والتجذر.. والصداقة بين الدول تتم على مستويين فمنها صداقة على مستوى الحكومات ومنها صداقة على مستوى الشعوب.. وعلى العموم فإن الصداقة على مستوى الحكومات لا تكفي وحدها بل لابد من تعزيزها بالصداقة على مستوى الشعوب لأن الأولى متغيرة والثانية ثابتة من ناحية ولأن الثانية تكمل الأولى من ناحية ثانية.

إن الصداقة بين الشعوب وكذلك الحكومات مربوطة دائماً بعدم وجود قوى ولوبيات ديدنها التحريض وإلصاق التهم وتشويه السمعة والوقوف حجر عثرة ضد مصالح الشعوب الأخرى ومعتقداتها وثقافتها وكذلك في حقها في الدفاع عن نفسها واستقلالها.

وإذا أخذنا العلاقات العربية الأمريكية كمثال نجد أنها تتأرجح بين مد وجزر على الرغم من أن كلاً من الشعوب العربية والشعب الأمريكي لهما طموحات وغايات متشابهة فكل منهما يقدر الحرية والرفاه ويتمنى مزيداً من التقدم والمحافظة على الأمن والسلام الدوليين.

إن الشعب الأمريكي العظيم ينتمي بحكم التكوين إلى كافة شعوب العالم وفسيفسائه وأعراقه وثقافاته.. هذا وقد انصهرت فوارق ذلك التكوين في بوتقة الولاء والانتماء وعزز ذلك سيادة القانون وممارسة الديمقراطية والتطور المستمر نحو المساواة وتكافؤ الفرص.. وبسبب ذلك أصبح لذلك الشعب انجازات عظيمة في جميع المجالات حتى أصبحت أمريكا رائدة التقدم والقوة الاقتصادية والعسكرية.

بالطبع لم يأت ذلك على طبق من ذهب بل مر ذلك الإنجاز بمراحل وجهاد ومعاناة عانى خلالها كثير من أبناء الشعب الأمريكي من الحرمان والتفرقة العنصرية خصوصاً الأمريكيين الأفارقة.. وقد مرت المطالبة بالحقوق المدنية بعدة مراحل توجت ببزوغ الفجر وانتصار الحق وسيادة الدستور حيث نال كثير من هؤلاء حقوقهم ليس هذا وحسب بل انهم تولوا بعض المناصب القيادية وتوج ذلك أيضاً بوصول باراك أوباما إلى البيت الأبيض حيث أصبح أول رئيس أمريكي من أصول افريقية.

أما مكونات الشعب الأمريكي فإن الغالبية هم من البيض ذوي الأصول الأوروبية يليهم في العدد السود ذوو الأصول الافريقية وبعد ذلك تأتي مجموعة من الأقليات ذات الأصول الأخرى مثل الهسبانك والصينيين والهنود واليهود والعرب والمسلمين.

ولكن الملفت للنظر هو أن اليهود لا يشكلون سوى نسبة ٢٪ من مجموع الشعب الأمريكي فعددهم لا يتجاوز ستة ملايين نسمة هناك يعيشون وسط (٣٠٠) مليون أمريكي إلا أنهم يسيطرون على نسبة كبرى من رأس المال والمناصب القيادية وحكام الولايات والسفراء وعضوية مجلس الشيوخ والكونجرس الأمريكي وكذلك كثير من المناصب القيادية في كل من وزارة الخارجية والدفاع والأمن القومي ووكالة الاستخبارات المركزية ناهيك عن تغلغلهم أو امتلاكهم لوسائل الإعلام وسيطرتهم على هوليوود بالإضافة إلى كثير من مراكز الدراسات الاستراتيجية ومراكز التفكير ذات الدور الفاعل والمؤثر في توجهات الحكومات الأمريكية المختلفة.

وعند الحديث عن اليهود يجب ألا يغيب عن البال انهم قسمان أحدهما ذو توجهات صهيونية وهؤلاء من يملك المقومات السابقة الذكر وهم من يجيرون ولاءهم الأول لإسرائيل على حساب الأرض والشعب الأمريكي الذين آواهم..أما القسم الآخر فهم من اليهود المعتدلين الذين يشبهون غيرهم من أبناء الشعب الأمريكي من حيث الولاء لأمريكا وحبهم للعدل والسلام والمصلحة العامة.

نعم إن عدد المنظمات اليهودية الصهيونية أكثر من أن تعد وهي تسيطر على كثير من الأمور هناك وتشكل بتحالفها مع رأس المال الصهيوني والإعلام الصهيوني وبدعم من المراكز المؤثرة على صنع القرار بحكم العضوية أو المنصب أو المشورة أو الولاء أو الضغوط ما يسمى باللوبي الصهيوني الذي يشكل أخطبوطاً له أذرعة طويلة وعديدة تطيح بكل من يمانع أو لا يقبل المساومة معه.

قد يقول قائل إن ذلك حصل من خلال ممارسة الديمقراطية وهذا صحيح إذا مورست الديمقراطية على علاتها.. لكن الديمقراطية تعني المساواة وإذا كان ذلك صحيحاً فإن الديمقراطية التي تنادي فيها الولايات المتحدة خارج حدودها تتطلب أن تمثل جميع الأقليات والفئات والطوائف في الحكم وفي البرلمانات وغيرها من المواقع والفعاليات..

لذلك فإن الديمقراطية في أمريكا سوف تصبح أكثر وهجاً وأكثر عدالة لو أنها اتجهت إلى تطبيق المساواة بين مكونات الشعب الأمريكي بحيث يصبح لكل فئة نسبة محددة في عضوية مجلس الشيوخ والكونجرس ومجالس الولايات وهذه النسبة يجب ان تتناسب مع نسبة هذه الفئة أو تلك من تعداد الشعب الأمريكي. وكذلك في المراكز القيادية. ومثل هذا التوجه سوف يمنع احتكار الاقلية الكثير من الفعاليات والتوجهات والقرارات التي لا تصب في مصلحة الشعب الأمريكي.

إن مثل تلك الضمانات الديمقراطية هي التي سوف تجعل قرارات الحكومات الأمريكية صائبة من ناحية وصادقة من ناحية ثانية وتمثل رأي الشعب الأمريكي من ناحية ثالثة كما ان ذلك يضمن ان لا يحدث تحالف بين اللوبي اليهودي الصهيوني واليمين المسيحي الصهيوني المتطرف والذي سيطر على مجريات الأمور إبان حكم الرئيس جورج دبليو بوش الابن والذي كان من نتائج حكمه خوض حربين كبيرتين في كل من العراق وأفغانستان في نفس الوقت بدعم وتحريض من إسرائيل وعلى حساب الشعب الأمريكي، ناهيك عن الدعم اللامحدود لاسرائيل وتفجير خلافات كثيرة مع مختلف دول العالم مما ادى الى تشويه سمعة أمريكا ومصداقيتها والتشكيك في ديمقراطيتها ومبادئها وانجازاتها في مجال حقوق الإنسان ليس هذا فحسب بل ان فترتي ولايته ختمتا بانهيار اقتصادي ومالي أسود طال معظم شرائح الشعب الأمريكي ومؤسساته الاقتصادية والمالية قبل ان يطال بقية حكومات وشعوب العالم ومؤسساتها الاقتصادية والمالية.

وبالرغم من كل ذلك يمكن القول إن الشعوب العربية والإسلامية ترحب بالتوجهات الأمريكية الجديدة والتي افصح عنها الرئيس باراك أوباما خلال زيارته القصيرة لكل من المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية. كما انها تمد يد الصداقة دائماً وأبداً الى الشعب الأمريكي العظيم وتتمنى تحجيم دور المحرضين على الكراهية والعدوان هناك.

لا أحد يشك في توجهات الرئيس باراك أوباما كما لا أحد يشك في طيبة ونزعة وتوجهات الشعب الأمريكي العظيم وحبه للعدل والسلام.. ولكن تلك التوجهات والوعود الجديدة والجميلة مرهونة بالقدرة على التنفيذ في ظل قدرة اللوبيات الصهيونية على التأثير على مراكز اتخاذ القرار من خلال العضوية كما في الكونجرس ومجلس الشيوخ أو من خلال الوظيفة كما في الخارجية والدفاع ووكالة المخابرات المركزية أو من خلال العوامل المؤثرة سواء كانت من خلال وسائل الإعلام أو مراكز المال والأعمال أو من خلال ممارسة الضغوط بأنواعها المختلفة أو من خلال المشورة التي تقدمها مراكز الدراسات الاستراتيجية ومراكز التفكير هناك.

إن الذي يدفع إلى التشكيك في القدرة على التنفيذ أن الشعوب العربية والإسلامية قد وصل الملل لديها إلى مداه وذلك فيما يتعلق بالوعود السابقة الكثيرة التي لم تصدق وقرارات مجلس الأمن والأمم المتحدة العديدة التي لم ترَ النور، والاتفاقيات والمعاهدات التي يتم التنكر لها وذلك مثل اتفاقيات أوسلو ومدريد وخارطة الطريق وكذلك المبادرات العديدة التي قدمها الجانب العربي مثل مبادرة الملك عبدالله حفظه الله والتي اصبحت فيما بعد المبادرة العربية والتي لم تقبل بها إسرائيل، وكذلك كثرة تردد المبعوثين من كل من أمريكا وأوروبا والذين لم يتوصلوا الى أي نتيجة وكل ذلك بسبب التعنت الإسرائيلي ووقوف القوى الكبرى وراءها.

ليس هذا وحسب بل ان هناك كثيراً من المناطق الملتهبة في كل من العالم العربي والإسلامي، فالحرب في أفغانستان وباكستان والعراق والصومال ودارفور وانتشار الإرهاب كل ذلك يشكل هاجساً يؤرق مضجع الشعوب العربية والإسلامية ويولد ردود فعل متناقضة لا يمكن اعادتها الى مسارها الصحيح إلا بالعدل والسلم والمساواة واعادة الحقوق.. فإسرائيل تحاصر الشعب الفلسطيني وتقتل نساءه وشيوخه وأطفاله وتحاصره من البر والبحر والسماء وتصادر أراضيه وتنتهك المقدسات الإسلامية.. نعم كل ذلك يحتاج الى تصحيح وهذا التصحيح هو العربون الذي سوف يسكت كل الأفواه المعارضة لأمريكا في المنطقة.

أما بالنسبة لمصداقية التوجهات والمواقف التي تنتهجها الحكومة الديمقراطية الجديدة والتي يقودها الرئيس باراك أوباما فيصعب الحكم عليها منذ الآن وربما يعبر الشاعر عن ذلك بقوله:

ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا

ويأتيك بالاخبار من لم تزودي

لذلك فإن مصداقية تلك التوجهات تكمن في القدرة على الإجابة على كل من الأسئلة الآتية:

هل تستطيع أمريكا ممارسة الضغط على إسرائيل لتنفيذ قرارات الشرعية الدولية والالتزام بالاتفاقيات الموقعة؟

هل تستطيع أمريكا الضغط على إسرائيل لقبول المبادرة العربية؟

هل تستطيع أمريكا الحد من دعمها اللامحدود لإسرائيل مادياً ومعنوياً وهل تستطيع الامتناع عن استخدام حق الفيتو في مجلس الأمن لمنع القرارات التي تدين العربدة، والصلف والحرب المفتوحة التي تقوم بها إسرائيل ضد الفلسطينيين؟

هل تتمكن أمريكا من اخماد الحروب والفتن في أنحاء العالم العربي والإسلامي؟ مستخدمة تفوقها الاستخباراتي والمالي والعسكري ومكانتها الدولية.

نعم العرب والمسلمون يمدون أيديهم الى كل من يمد إليهم يد الصداقة وفي مقدمة ذلك أمريكا الدولة العظمى التي يجب أن يكون دورها بناءً ومثالياً طبقاً لما تمليه عليها مبادئها المدونة في دستورها وطبقاً لمبادئ الديمقراطية والعدل والمساواة التي تؤمن بها والله المستعان.

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 5

  • 1
    لا يلدغ المؤمن من الجحر مرتين

    الخليجي - زائر

    05:06 صباحاً 2009/06/05


  • 2
    مهما حاولو يرضونكم بافواههم فالله اعلم بصدورهم لكن زيارة اوباما ولا اوبامه
    لها مغزى ثاني مثل حرب طالبان مع الروس عندما اخذت مصالحها قلبت عليهم
    واليوم يريدونا فى حربهم الجايه مع ايران ولا ادافع عن الفرس الجبابره
    بس ما تقنعني بحبي لامري(ولن ترضى عنكم اليهود والنصارى حتى تتبع ملتهم)الحذررر

    ابو عبدالسلام - زائر

    06:20 صباحاً 2009/06/05


  • 3
    السؤال : ما الحد الذي يمكن لرئيس أمريكا مساندتنا أمام الإحتلال الصهيوني؟ إغتصاب فلسطين، 48، 67 أو ماذا ؟ قرارات الأمم المتحدة ؟؟
    هل نتنازل وننسي القرارات الدولية؟؟ ÷ل سيضغط علينا أكثر أم على المحتلين؟؟ نتابع خطته.

    علي الرضي - زائر

    08:57 صباحاً 2009/06/05


  • 4
    يعطيكم العافية

    ام خالد - زائر

    10:39 صباحاً 2009/06/05


  • 5
    من المؤسف أن يذكرنا أوباما بما عجز عن تطبيقه معظم قادة المسلمين وهو عندنا منذ 14 قرناّ. لقد رأيت في خطابه اسلام أكثر منا.

    أبو منصور - زائر

    10:53 صباحاً 2009/06/05



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة