الرئيسية > مقالات اليوم

البحث العلمي.. مرة أخرى


عبدالجليل زيد المرهون

يمكن النظر إلى البحث العلمي باعتباره منطلقاً للتطوير وأداة لقياس التطوّر ذاته. ومن دونه تسير الأمم دون ضوء أو شعاع . والبحث العلمي ليس حاجة ملحّة للدول النامية دون المتقدمة، أو الفقيرة دون الغنية، بل هو ضرورة لكافة الأمم والشعوب، ذلك أن التطوّر لا حدود ولانهاية له. وعلى الرغم من ذلك، فإن الدول الأقل نمواً تبدو حاجتها مضاعفة للبحث العلمي، من أجل أن تردم ما يمكن ردمه من فضاء الفجوة الحضارية التي تفصلها عن الأمم المتقدمة.

ولا يشكل البحث العلمي ضرورة على صعيد العلوم التطبيقية وحدها، بل الاجتماعية أيضاً، ذلك أن التطوّر لا يتحقق استناداً إلى علم دون آخر ؛ فالضرورة تبقى واحدة إن على صعيد التطوير الصناعي أو الزراعي أو السياسي أو العسكري، تماماً كما البناء الاجتماعي، وتنمية أدواته المختلفة، كالإعلام ومؤسسات التربية والتعليم.

إن توطين التكنولوجيا لا يمكن تحقيقه دون مختبرات ومؤسسات بحثية ذات أنظمة متطورة وإمكانات كبيرة وتمويل وافٍ . كذلك، فإن الأمن الغذائي، الذي هو جزء أصيل من الأمن القومي للدول، لا يمكن إنجازه دون سلسلة من مراكز الأبحاث المتخصصة في التربة والمياه والمناخ والنباتات والتصنيع الغذائي واقتصاديات الغذاء.

وفي ميدان العلوم الاجتماعية لا يمكن، على سبيل المثال، بلورة سياسة خارجية قادرة على خدمة المصالح الوطنية دون مجموعة من مراكز الأبحاث، المتخصصة في القانون الدولي، والعلاقات الدولية، وقضايا الجيوبوليتيك، والنزاعات الإقليمية، وانتروبولوجيا الشعوب، وتاريخ الدول، والاقتصاد الدولي.أي أن هناك حاجة لسبعة مراكز أبحاث متخصصة، كحد أدنى، مهمتها رفد السياسة الخارجية للدولة.

أما صيانة الأمن القومي للدولة، في إطاره العسكري، فيجب أن تعنى به سلسلة من مراكز الأبحاث المتخصصة في قضايا التسلّح، والصناعات الدفاعية، وأمن المعلومات، وتحليل القدرات العسكرية، والتوازنات الاستراتيجية، ومقاربة التحالفات القائمة والمحتملة، ودراسة الظواهر الخطرة العابرة للدول والقوميات.

وفي المجمل، إن الدولة، أية دولة، بحاجة إلى مئات المراكز البحثية المتخصصة، التي ترفد مشاريع التنمية والتطوير الوطني في القطاعات المختلفة. ومن دون ذلك تكون البلاد قد أضاعت على نفسها فرص النهوض وتعزيز المكانة الدولية والإقليمية.

وقد يقول قائل إن طرحاً كهذا يعد أمراً مبالغاً فيه، لأنه لن يكون سوى نزف لخزينة الدولة ومواردها المالية. بيد أن هذا القول لا يمكن الأخذ به لسببين رئيسين: الأول، لأن عمل مؤسسات الدولة لا يمكن أن يصل إلى غاياته المرجوة دون الاستناد إلى قاعدة علمية متينة ومتماسكة، وبالتالي تخطيط بعيد المدى. والثاني، أن البحث العلمي الجاد والرصين يُعد بحد ذاته مصدراً مستقلاً للدخل المالي، فالمعرفة باتت اليوم سلعة تسوّق في أنحاء العالم.

وبالنسبة لدول الخليج ، على وجه التحديد، ثمة حاجة لمراكز أبحاث وطنية وأخرى إقليمية على مستوى مجلس التعاون الخليجي، ترتبط فيما بينها بمستوى متقدم من التعاون والتنسيق، ذلك أن مشاريع التكامل الإقليمي التي تنشدها هذه الدول لابد أن ترتكز، حالها حال المشاريع الوطنية، على قاعدة علمية صلبة ومتماسكة، يؤسسها البحث العلمي الجاد والرصين . والأكثر من ذلك ، ثمة حاجة لمراكز أبحاث متخصصة في قضايا التكامل الإقليمي ذاته، والتحديات الإقليمية الطابع، ومسائل الأمن الإقليمي والقضايا الاستراتيجية الكبرى المرتبطة بهذا الأمن.

وقد شهدت المنطقة، في الفترة التالية مباشرة لحرب الخليج، توجهاً نحو البحث العلمي، بدا جديداً من حيث حجمه ودرجة الاعتناء به. ومنذ ذلك الحين ، والبحث جار عن بلورة الصورة المفترضة للمؤسسة البحثية الجامعة، التي تمسك بالأدوات الكلاسيكية للعمل البحثي، دون أن تغيب عن حيوية الواقع ومتطلباته المستجدة والمتغيرة.

ولقد برزت ثلاثة تحديات أساسية على هذا الطريق: تمثل الأول في خطر الوقوع فيما يمكن وصفه بإعادة اختراع العجلة، بمعنى أن نتحرك في إطار مناهج وأدوات بحثية وتحليلية لا تستجيب للقدر المتزايد من خصوصيات بيئتنا الخليجية.

وتمثل الثاني في مدى القدرة على ترسيخ نمط جديد من الاهتمامات، التي بدت غائبة، أو ضعيفة الحضور، طوال السنوات الماضية. وتبرز في مقدمة ذلك الدراسات الجيوبوليتيكية والدفاعية، وتلك المرتبطة بعمل النظم الإقليمية. أما التحدي الثالث، الذي واجه مسيرة البحث العلمي في الخليج، فقد تمثل في مدى القدرة على التنوّع وعدم نسخ المؤسسات لبعضها البعض . وهذا تحد صعب بطبيعة الحال، وليس من الواضح مدى مقاربة المنطقة له . وهناك اليوم مجموعة من المؤسسات البحثية التي تتبنى ذات الاهتمامات، وتعمل وفق آليات متشابهة . وكل يكرر ذات الأعمال التي يقوم بها الآخر، وإن بلمساته الخاصة.

ومن حيث المبدأ، ربما تملك كل مؤسسة ما يبرر وضعها القائم، إلا أن التقسيم الوظيفي لمؤسسات البحث العلمي هو الخيار الأكثر جدوى، الذي يفترض بالمنطقة الذهاب إليه. وهذا هو الأمر السائد في الدول الصغيرة والمتوسطة في مختلف أنحاء العالم.

وحتى اليوم، لا توجد في الخليج مؤسسة بحثية ذات طابع إقليمي بالمعنى النظامي للمصطلح . وبطبيعة الحال، هناك حاجة لمجموعة من مؤسسات البحث العلمي، الإقليمية الإطار، التي يمكن أن تمارس دورها وفق مبدأ التقسيم الوظيفي للعمل. ونحن نستعير المصطلح على نحو جزئي من آدم سميث، بيد أن جوهر الفكرة هنا ليست تلك التي ذهب إليها سميث في نظريته الشهيرة حول التقسيم الدولي للعمل.

وعلى نحو مبدئي، فإن دول مجلس التعاون الخليجي بحاجة إلى تشييد ثلاثة مراكز بحثية إقليمية، كحد أدنى: يُعنى الأول بقضايا الدفاع، والثاني بالعلاقات الدولية، والثالث باقتصاديات الطاقة.ومثل هذه المراكز يُمكن إقامتها برأسمال مشترك من القطاعين الرسمي والخاص . وقد يكون هذا الخيار هو الأكثر واقعية.

وكي لا نقع في إعادة إنتاج المقولات والأفكار، فإن المطلوب هو تطويع الأدوات البحثية والتحليلية، على النحو الذي يؤهلها للتعامل مع الكم المتعاظم من خصوصيات الواقع الخليجي . وهذه مهمة شاقة بطبعها، إلا أن توطين أدوات البحث العلمي ضرورة لا غنى عنها. وهذه مسؤوليتنا جميعاً.

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 3

  • 1
    يعطيكم العافية
    مقال رائع..

    ام خالد - زائر

    10:39 صباحاً 2009/06/05


  • 2
    في مقالك ياأستاذ عبد الجليل وضعت أساسيات توطين التقنية وقلت إن توطين التكنولوجيا لا يمكن تحقيقه دون مختبرات ومؤسسات بحثية ذات أنظمة متطورة وإمكانات كبيرة وتمويل وافٍ. ولكن هناك أساس مهم جدا وهو الفرد المواطن ذو العلم والخبرة فبناءه يحتاج سنوات طويلة أما الباقي فيمكن تحقيقه.

    سعد الباز - زائر

    11:45 صباحاً 2009/06/05


  • 3
    نشأت الجامعات في الاصل كمراكز للبحث العلمي، وبعض الجامعات العربية تعمل منذ قرن تقريبا ولا زالت تمارس التعليم بالتلقين كامتداد للتعليم الابتدائي، وأيا منها لم تخرج ببحث تمت الاستفادة منه أو يستحق النشر عالميا. قبل إنشاء مراكز بحث يجب زرع ذهنية البحث العلمي أولا.

    حسني الملكة - زائر

    02:09 مساءً 2009/06/05



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة