استلقت هيام فوق سريرها المترامي الأطراف، مترامي الترف.. وأخذت تحدق في سقف الغرفة المزركش بكل ألوان الزخارف والبهرجة، ثم أدارت بصرها إلى الحيطان المزينة بلوحات نادرة ومختلفة الأشكال والمناظر فكانت عوالم من الفن المدهش المثير.. ثم ألقت نظرة على تسريحة الغرفة وشاهدت صفوفاً من علب العطر، وقوارير الريحة النادرة الثمينة المجلوبة من الشرق والغرب، وفي مواجهة السرير تقوم خزانة بعرض الغرفة فيها عشرات الفساتين، والمعاطف، والفراء ، والأحذية التي لا تقدر بثمن، وفي الخزانة حقيبة مُلئت برزم من الدولارات والعملات الصعبة، وعشرات التذاكر التي يمكن أن تلف بها الكرة الأرضية مرات.. وقالت لنفسها هذا عالم ما كنت أحلم به.. كانت تحلم، وتحلم، وتتخيل منذ أن بدأت حياة التخيل والتفكير في الترف والحياة الأسطورية.. لكنها مطلقاً لم تفكر في هذا النعيم، أو بالأصح لم يكن خيالها قادراً على أن يصل إلى ما هي فيه الآن، وصارت تتقلب في ضجر وهي شبه مقرورة فتكومت على نفسها وحاولت أن تنام ولكن النوم استعصى عليها.. فجلست وأضاءت منضدة السرير.. وتلمست مفتاح التلفزيون ففتحته، وراحت تتنقل بين القنوات.. وظلت تتنقل ما بين محطة وأخرى فزاد مللها بل زاد قرفها وأرادت أن تطفئ الجهاز ولكن منظراً في إحدى المحطات لفت انتباهها..
تظهر قرية هناك في مكان ما من كوننا الفسيح ضئيلة، بنيت بيوتها بالطين والخشب، اختلط أطفالها بشيوخها، بشياهها، بالأبقار، والحمير، والكلاب، امتزجت أصوات أولئك بحركاتهم تحت وهج شمس صافية.. يذهبون ويعودون، ويتحركون وفقاً لقانون عيشهم اليومي. نساء يحملن حزم الحطب على ظهورهن، وصبايا يحملن جرار الماء فوق رؤوسهن، ورجال يحملون الفؤوس، وآخرون يحرثون الأرض، وأطفال يطاردون العصافير والفراشات، وأطفال يطاردون لا شيء.. ورأت أدخنة مبعثرة تتصاعد من مطابخ البيوت، والأكواخ، وشاهدت أسراباً من الطيور تأتي من هناك، من الأفق البعيد وراء الجبل الشامخ والروابي النائية قد دفعها المساء فتأوي إلى بيوت ومزارع القرية وأشجارها، وشاهدت قطعان الأغنام والأبقار تسوقها جحافل المساء.
ثم أخذت تلوح من الخصص ومن نوافذ البيوت أضواء خافتة وضئيلة شاحبة.. وبعد حين شاهد كيف بدأت تخف الضوضاء رويداً رويدا حتى يخيم السكون، ثم أخذت الأضواء الشاحبة تنطفئ في تتابع حتى أصبحت القرية جزءاً من حلكة الليل، فأدركت أن القرية كلها نامت، بل استسلمت لنوم عميق.
من كل قلبها تشوقت، ومن كل قلبها غبطت، ومن كل قلبها تمنت أن تكون جزءاً من عالم القرية أن تكون شيئاً من مكوناتها .. وهامت «هيام» في عالم القرية النائية البعيدة، وتسرب شيء يشبه الوجد المبهم في حناياها.. وخيل إليها أن ريحاً ذعذاعة هبت إليها من هناك تحمل رائحة الأشجار، والماء والطين، رائحة المراعي والحقول، رائحة الشوارع الترابية، رائحة البهائم والطيور، رائحة الناس والدخان ومواقد الحطب..
وأصغت إلى سمفونية يعزفها القمر فوق تلال الليل فتتراقص الأشجار والأحجار وتموج أشعة القمر في زفيف الريح..
ويدق زوجها الباب فتنهض مذعورة. يدخل ويجلس جلسته العادية ويتحدث حديثه العادي، - لا شيء يستحق الذكر - ينطفئ الضوء ويستسلم زوجها لنوم عميق.. فتتأوه في صمت وتبكي في داخلها، ثم تمد يدها وتخرج من مسلة المنضدة علبة المنوم، وتلتهم ثلاث حبات وتحاول في لهفة أن تغيب..
1
طيب وش تبي.. ؟! كانت هي في حياة بسيطة و لم تستلذ بها وحلمت بالترف وتحقق و لم تستلذ به.. يبدو أنها نسيت أنه مع الحياة البسيطة أو المترفة لن ننعم بدون أن يحيطنا الإحساس بالحب والاحترام ممن حولنا و منا لمن حولنا.. وهنا المشكلة التي يقع فيها الكثير.. أنه لا يعرف ماذا يريد إلا إذا مضى الزمن..
صفية - زائر
04:25 صباحاً 2009/06/05
2
..ثم إن لكل مازق مخرجا..وليس بالضرورة أن نستمر بالخطأ في حق أنفسنا والله قد أباح لنا إعادة صياغة حياتنا.. وخاصة النساء المغلوبات على أمرهن.. فلتحاول أن تقول لا لمن يستعبدها.. وإلا فإن يتفرقا يغني الله كلا من فضله.. و المشاعر لا تحتمل التخدير العمر كله فالأفضل أن يكون تصحيح المسار مبكرا..
وصباح الفج
صفية - زائر
04:34 صباحاً 2009/06/05
3
استاذ عبدالله حبيت اصبح عليك..تعجبني مقالاتك واخص بالذكر انتقاداتك دائماً رائعه..ياليت تتحفنا الاسبوع القادم بمثل ذلك.
مساعد الصالح - زائر
05:17 صباحاً 2009/06/05
4
اخ عبدالله هذي القصة تذكرني بقصة ليلى الحمراء والذيب. بعدين القرية الطينية التي فيها رائحة المراعي والاشجار والماء وينها اكيد في فرنساء.
م.الثروه - زائر
05:22 صباحاً 2009/06/05
5
الحمدلله
اللهم لك الحمد كما ينبغي لوجهك وعظيم سلطانك
لك الحمد حتى ترضى ولك الحمد اذا رضيت ولك الحمد بعد الرضا
سلطان الدوخي - زائر
05:23 صباحاً 2009/06/05
6
يقولون الثراء ليس كل شئ وان اقول صحيح ليس كل شئ لكنه مهم
صحيح بعضهم يفتقد للحب والراحة النفسية والصحة ولايستطيع شراء تلك الاشياء بالمال
ولكن الانسان الذكي يستطيع الجمع بين هذه الاشياء ويعيش حياته كما يجب
اللهم ارزقني وارزق مني
خالد العيسوي - عضو
05:37 صباحاً 2009/06/05
7
رواية هيام قصيره جميله لها معنى كبير في حياتي عندما أقرأها لأنها تذكرني بأشياء مرت على
kady - زائر
06:33 صباحاً 2009/06/05
8
فعلا المال لايخلق السعادة كم مرة رأيت عمالة في صحة وعافية وقوة كالجبال وسعادة وراحة نفسيه وعندما يخلد الواحد منهم للنوم يتوسد قطعة حجر ويخلد في نوم عميق بل ويكفية من النوم سويعات ليعود لحياة الكدح والمشقة الممتعه والله يعدل بين عبادة
حمد الشبوي - زائر
08:04 صباحاً 2009/06/05
9
آآآه منك يا هيام لانك لم تعاني يوما النكد والفقر
بوحمد - زائر
08:16 صباحاً 2009/06/05
10
كان الاجدر بهيام ان كانت مسلمه
تلجأ لله وتقرا القرآن وتصلي
ووتصدق
فسوف تنام وتكون سيعيده
ولن تحتاج لمنوم
قال الله تعالى الا بذكر الله تطمئن القلوب
قصة مدن مخدرات عني مثل هيام
لا ينقصه شيء الا السعاده
وفي احد الايام قرر الانتحار
احد الناس نصحه
بالصلاه والتوبه
تاب فوجد السعاده ونام
حسن اسعد الفيفي - زائر
08:20 صباحاً 2009/06/05
11
حدوته...وتوته توته
بدور - زائر
09:08 صباحاً 2009/06/05
12
خذت ثلاث حبااات منوم خطيره من وين دخلت للبد
شكل ما عندها دوا كحه
عبدالله الدهمش - زائر
09:38 صباحاً 2009/06/05
13
للاسف بعض الناس لديهم كل ما يتمنونه ولكنهم يبحثون عن السعادة الحقيقيه.
أم محمد - زائر
09:54 صباحاً 2009/06/05
14
رائعةالقصة نستفيدمنها ان الانسان يقنع بما عنده ويحمد الله
ام نادر - زائر
10:08 صباحاً 2009/06/05
15
يعطيكم العافية
ام خالد - زائر
10:32 صباحاً 2009/06/05
16
شكراً أبا عبدالعزيز على هذا القصة التي تعتبر رسالة لهولاء الذين يقضون معظم اوقاتهم في الاستراحات وفي الاجتماعات الخارجية ويتركون ازواجهم وابناءهم بدون متابعة ورعاية.
حفظك الله
تحياتي
محمد الوازعي - زائر
10:41 صباحاً 2009/06/05
17
اللهم أرزقني كما رزقت هيام،وأجعلني ممن ينفقون حتى لا تعلم شمالي ماأنفقت يميني فمساعدة الفقراء والمحتاجين ورؤية إبتسامة الفرح على وجههم تجعل الشخص ينام قرير العين لأنه يتملكه شعور لايمكن وصفه ولن تشعر به إلاإذاجربته لأنك أرضيت خالقك وأرضيت نفسك فلاتحرمنا ياالله
أم محمد - زائر
10:48 صباحاً 2009/06/05
18
كل جمعة يجب ان امر هنا.. فقط لقراءة مقالك ,,, وابداعك..
لو لو يكن في الجردية الا مقالك هذا لكفى ,,
أحمد الجبر - زائر
10:50 صباحاً 2009/06/05
19
عالم الأمس أحسن من عالم اليوم رغم الزخرفه ووسائل الراحه والشاعر يقول وليست السعادة جمع مال ولكن التقي هوالسعيد المال عمره ماجاب السعاده لأحد فالسعيد فى هذه الحياة هو الأنسان التقي العابد لله جل جلاله وفي كل خطوة يخطوها يجد سعادة لانظير لها فأجدادنا على بساطة بيوتهم وعيشتهم عاشوا سعداء لتعلقهم بربهم
fars - زائر
11:05 صباحاً 2009/06/05
20
حياك الله أيها الأديب الكبير الأستاذ عبدالله الناصر
نحن ولله الحمد نمتع ذائقتنا الفنية والأدبية كل صبيحة جمعة بفن وابداع عبدالله الناصر الذي أشبهه ب ( الثمر الداني ) أي القريب من مشتهيه...
فباركالله قلمك ونفع به.. وشكرا على هذه القصة الفنية البديعة التي تصور مدى( زئبقية ) النفس البشرية !!!
ابراهيم نويري * الجزائر - زائر
11:32 صباحاً 2009/06/05
الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة