تذكرت جوزيف جرانت طيار الملك عبدالعزيز. تذكرت قصة حياته، وهي من أروع القصص، وهي تدل على عصامية، وقد حقق لنفسه وعائلته الصغيرة الحب والسعادة والتعليم الراقي، وسعادته تكمن كما قال في كلمتين: العمل والاستمتاع به، والتصالح مع الواقع.
تذكرت جوزيف جرانت ورأيته وهو يتقلد وسام الملك عبدالعزيز من لدن خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله. قصته قادتني إلى قصة مشابهة جداً هي قصة حياة اللواء الطيار عبدالله السعدون. تكاد قصتاهما تتطابقان، بدايتهما متشابهة لدرجة كبيرة، عرفا اليتم والفقر والبؤس، تعلما في مدارس، لكن تعليمهما الذاتي هو المحك الواسع، اعتمدا على نفسيهما منذ الصغر ولا زالا مع فارق السن والبيئة. أحبا عملهما وأخلصا له، تصالحا مع الواقع. كلاهما انتقل من الدراجة على الطائرة دون المرور بوسيلة أخرى كالسيارة. بعد تقاعدهما لم يتوقفا عن العمل. الأول افتتح مصنعاً للخواتم والنقش عليها. والثاني أصبح عضواً في مجلس الشورى.
أعجبتني السيرة الذاتية للطيار السعدون، قرأتها منكباً عليها، بسبب أسلوبها البسيط غير المتكلف، أكاد اسمعه يحدثني وهو يكتب، لا يتصنع أو يزوق الكلام، أعجبتني سيرته، لأنه يتحدث من القلب، ولأنه ينقل صورة تكاد تكون بانورامية، لو لم أعرفه شخصياً، لقلت إنه غير عربي، أسلوبه يتسم بصفتين العفوية المتناهية، والثقافة الواسعة. لا تمر صفحة دون أن ينقل مثلاً سائراً من مخزون ثقافته العربية أو الأجنبية، وهو لا يورد الأمثال النثرية أو الشعرية من باب التحلية، أو من باب الاستشهاد كما درج عليه كتاب الدواوين. وهو يأخذك من صفحة إلى أخرى ومن فصل إلى آخر، وكأنه ينقلك من حي إلى آخر أو من حارة إلى أخرى في بلدته: الغاط أو في الرياض أو في تبوك أو في الظهران أو في بعض المدن الأمريكية أو البريطانية. وكلها مواقع عرفته وعرفها بحكم المولد والنشأة والدراسة أو العمل.
أصدر السعدون سيرته الذاتية في كتاب سماه: عشت سعيداً: من الدراجة إلى الطائرة. وصدر الكتاب عن: المركز الثقافي العربي عام2009م. جاء الكتاب في 447 صفحة من القطع المتوسط. هذه من المرات القليلة التي يصرح فيها كاتب أنه سعيد. لا أحد يقول أنه سعيد، لا أحد يتصالح مع عمله وبيئته ومعاشه، إلاّ من رحم ربي. أضحت السعادة اليوم عملة صعبة، السعداء إما قليلون أو أنهم متذمرون. ما سر سعادة السعدون من وجهة نظره. هو يقول: ( قاربت الستين عاماً ومع هذا استمتع بحيوية الشباب ونشاطه، لا اشتكي من أمراض العصر. أعيش أسعد الأوقات واستثمرها حباً ومرحاً، وتمر بي أصعبها وازداد عزيمة وقوة. أسهمت بما استطيع فصرت من أسعد سكان هذا الكوكب الواسع )
قرأت مئات السير الذاتية العربية والأجنبية، ولم يقل أصحابها أنهم من أسعد خلق الله. لابد من الغوص للبحث عن أسباب سعادة صاحب هذه السيرة. لا نحتاج إلى جهد، لأن صاحب السيرة كفانا النصب. وهو يقول أنه يكتب خواطر ذاتية، ورسائل موجهة أكثر مما يدون سيرة ذاتية. حسناً إذن نحن أمام خواطر حياتية واقعة. ثم هو يرسل خواطره وتأملاته ورحيق تجاربه تترى إلى الجيل الحالي. وهو يهدف إلى تعريفهم بالماضي القاسي وتجارب حياته وعمله، وفوق هذا هو يهدف إلى بث روح النشاط وحب العلم، والإخلاص في العمل، وتطليق الكسل الروحي والنفسي والجسدي. هذه إذن مفاتيح السعادة.
ميزة هذا الكتاب الماتع أن مؤلفه لا يدعك تبحث عن إجابات، بل هو يقدمها لك، الكتاب ليس كتاب فلسفة، وبالتالي يجد القارىء إجابات كثيرة عن أسئلة حياتية وعملية كثيرة أيضا. وهو يسأل مثلاً: عن أسباب النجاح: ويقول: هل هو الحظ. ويجيب: لا. أسباب النجاح عنده خلطة من: الاستقامة، ورضا الوالدين، والتخطيط، وبذل الجهد وسعة الاطلاع. هذا أنموذج لطريقة تناوله سؤال فلسفي أعيا الفلاسفة، وسودوا له آلاف الصفحات. ومع هذا فقد حاز على الرضا النفسي، وحاز على القناعة، وحاز على قبول المجتمع. وهذا في نظره مفتاح النجاح والسعادة.
لكن يبدو لي أن مفتاح سعادته هو تعويد النفس على الشعور بالسعادة. لأنني رأيته يستشهد بقول مأثور وهو: تعودوا الخير فإن الخير عادة، والشر لجاجة. ويبدو لي أن مفتاح تعلمه هو تأسيه بقصص الناجحين لا محالة. وهو يستظهر قولاً منسوباً لبسمارك، رجل ألمانيا وموحد الأمة الألمانية: (الأغبياء فقط هم من يتعلمون من تجاربهم، أما أنا فسأحاول جاهداً أن أتعلم من تجارب الآخرين)
لم تكن بلدة الغاط مسقط رأس مؤلف كتاب: عشت سعيداً استثناءً. كانت في منتصف القرن الهجري الفارط بلدة وادعة حالمة، مثلها مثل معظم بلدات نجد. كانت الحياة فيها شاقة، والسبل غير ميسورة. والتعليم في بداياته، والعيش صعب. والبقاء للصالح والقوى. وكان الأمر مدعاة إلى العمل الشاق. وهو ما عرفه صاحبنا السعدون. عاش عيشة غير مواتية، ولكنه تعلم الدروس المفيدة. وهو لم يتدرج في الحياة، بل كان عليه أن يقفز ليختصر المرحلة. فاز في طفولته ربما بأول دراجة تدخل بلدته، وبقي معها مخلصاً سعيداً، ولم يتطلع إلى ما فوقها، واختصر المرحلة: من الدراجة إلى قيادة طائرة حربية. ما أوسع الشقة بين الدراجة والطائرة. إنهما يلخصان مرحلتين متباعدتين، وبينهما مراحل. أزعم أن كتاب: عشت سعيداً من أمتع الكتب وأجودها. وأنا أوصي أن يقتنيه كل أب وكل أم، فهو سفر يعلم الحياة، ويعلم مفاتيح السعادة.
1
الكل يبحث عن السعادة ذلك الكنز المفقود... شكري وتقديري لكم
سلوى عبدالله آل الشيخ - عضو
07:03 صباحاً 2009/06/03
2
مفاتيح السعادة في طاعة الله اسأل الله ان يفتحها لي مفتاحاً مفتاحا
خاصة الصلاة ورضا الوالدين
اللهم آمين ياارحم الراحمين
مسلم السبيعي - زائر
07:39 صباحاً 2009/06/03
3
عرض جميل لكتاب مشوق وتجربة قد تكون فريدة ما أحوجنا لمثل تجارب هؤلاء
علي بن عواجي محمد مهجري - زائر
08:23 صباحاً 2009/06/03
4
بارك الله في جهودكم
Om Faisal - زائر
10:20 صباحاً 2009/06/03
5
مفاتيح السعادة بطاعة الله سبحانه وتعالى واتباع سنة نبيه صلى الله عليه وسلم الله يهديك... وليس ما استشهدت به (جوزيف جرانت).
ابوناصر - زائر
12:31 مساءً 2009/06/03
6
صحيح...مفتاح السعادة هو تعويد النفس على السعادة... والتفائل والنظرة الايجابية للامور.
شكرا للكاتب على الشرح المميز وندعوا الله ان يرزقنا السعادة في الدنيا والاخرة.
مبارك الدوسري - زائر
12:36 مساءً 2009/06/03
7
أخطأ من بحث عن السعادة في غير نفسه ,دائما ً ما أكرر لعقلي الباطني إن السعادة لن أجدها إلا بي مع الثقة التامة بإن لا أمل إلا بالله العلي القدير , عندما قرأت مقالك لآخر سطر كتبته ُ فإني ألتفت للخلف في حياتي أجد أني سعيد جدا ً فلم أ ُعاني كثيرا ً في إكتشافي لسر السعادة وأنها جوهرة مفقودة بدواخلنا ,وشكر
مرتضى يوسف - زائر
03:46 مساءً 2009/06/03
8
ونعم الرجل
يستاهل اللواء / عبدالله السعدون كل خير
وأتمنى له التوفيق والنجاح بعمله الجديد في مجلس الشورى
ولابنائه نايف وثامر
محمد إبراهيم العمرو - زائر
07:20 مساءً 2009/06/03
الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة