قبل البدء في هذا الجزء الذي يستعيد بعض ملامح علاقة القصيمي باليمن وبشخصية هذا اللقاء على وجه الخصوص، أود أن أقول للقارئ الكريم بعد اطلاعي على التعليقات التي أعقبت الجزء الأول أن القصيمي ليس خفاء على القارئ المتابع. لم يكن هدف هذه السلسلة من المقالات استعادة ما هو معروف بل كشف ما هو غير معروف.
أهمية الحوار مع تلك الشخصيات حول القصيمي مفكرا وإنسانا بقدر ما تكشف من حقائق جديدة. الأمر الآخر أن القصيمي ربطته صداقات بشخصيات يمنية ومصرية ولبنانية وسعودية، لكن هذا الجزء من الحوار تم مع شخصية يمنية لها حضورها وأهميتها ودورها وعلاقتها الوثيقة بالقصيمي، وفي مقالات قادمة سيرى القارئ أيضا "القصيمي والسعوديون.. شهادات وآراء".
في صيف عام 1954 وصل القصيمي إلى بيروت. لم يكن خروج القصيمي من القاهرة انذاك طوعا أو رغبة في زيارة لبنان، كان ترحيلا بأمر من سلطة مجلس قيادة ثورة 23 يوليو المصرية انذاك. اليمن لم يكن بعيدا عن سبب إخراج القصيمي من القاهرة التي عاش فيها منذ عام 1927 ولم يغادرها لأي بلد آخر سوى ذهابه لمكة للحج مرة واحدة في عام 1944م. لقد كان اليمن سببا رئيسيا لترحيل القصيمي لبيروت.
سألت صديق القصيمي والسفير اليمني السابق بالقاهرة الأستاذ حسن السحولي: ما هي قصة إخراج القصيمي من مصر في عام 1954م.
قال لي: "لم أكن شاهدا على خروجه الأول، كنت حينها شابا معتقلا في صنعاء، لكن ما عرفته فيما بعد أن الإمام أحمد حميد الدين هو من طلب من مجلس قيادة الثورة المصرية إخراج الشيخ عبدالله القصيمي من مصر بعد أن تنامى إليه تأثيره على الطلبة اليمنيين في القاهرة".
جاء في دراسة يورغن فازلا عن القصيمي، أن مجلس قيادة الثورة المصرية في عام 1954 مارس نشاطا دبلوماسيا محموما يرمي إلى الحصول على اعتراف دولي بنظام حكم الضباط الأحرار والى تكاتف الدول العربية ضد بريطانيا ونفوذها في العالم العربي. وفي العام نفسه توترت الأوضاع على الحدود بين اليمن الإمامي والمحمية البريطانية في عدن، مما دفع بقيادة مجلس الثورة لإرسال أحد أعضائه "صلاح سالم" للقيام بزيارة رسمية لليمن والالتقاء بالإمام أحمد، الذي طلب رسميا من صلاح سالم خلال الزيارة ترحيل القصيمي عن مصر. في رواية للقصيمي للباحث الالماني يورغن فازلا يقول: "انه في صيف 1954 طلب إليه خطيا الحضور لمركز الشرطة في حلوان، وعند وصوله أُبلغ بأنه موقوف وأن عليه مغادرة مصر على الفور. ولم يسمح له بالاعتراض على قرار طرده أمام أي جهة قضائية أو حكومية. كما رفض السماح له بالذهاب إلى البيت لكي يحضر بعض النقود والأمتعة التي يحتاجها في رحلته، ونقل بدلا من ذلك إلى دار الهجرة بالقاهرة. وزج فيه بسجن التوقيف لبضعة ايام حتى رُحل الى بيروت".
هناك رواية أخرى تحمل تفاصيل مختلفة عن رواية يورغن فازلا سمعتها من الأستاذ يعقوب الرشيد أحد أصدقاء القصيمي السعوديين يرويها عنه شخصيا. ولعل شهادة الأستاذ يعقوب الرشيد يكون لها حيز أوسع في جزء آخر من هذه المقالات.
لم يكن هذا الطلب من إمام اليمن أمرا يمكن تسويغه لولا تنامى تأثير عبدالله القصيمي على طلبة البعثة اليمنية في القاهرة. لقد تواصلت المعلومات لدى الإمام بأن عبدالله القصيمي أفسد عقول الطلبة اليمنيين، وصار مصدرا لبث الأفكار النقدية لحكم الإمامية!!. ويمكن هنا اكتشاف الدور الذي بلغه تأثير القصيمي لدرجة أن يصبح شرطا لتحسين شروط علاقة بين دولتين. ولم يكن إخراج القصيمي عملية سهلة على نفسه، وهو الذي لا يعرف أحدا في بيروت، ولم يزرها من قبل، ولا يملك من المال ما يمكنه من الحياة فيها .. لكن مرحلة لبنان يمكن اعتبارها منعطفا آخر في حياة القصيمي الفكرية، وانهماكا متزايدا في الكتابة السياسية التي عرفتها هذه المرحلة في حياة القصيمي، وإذا كان إخراجه تم بقرار من قيادة مجلس الثورة المصرية، فالسماح بعودته تم بقرار آخر من قيادة الثورة المصرية ولأسباب سياسية أيضاً، وهذه قصة أخرى.
عدت مرة أخرى للأستاذ حسن السحولي لأسأله وكيف بدأت علاقتك بالقصيمي؟
توقف الأستاذ السحولي لبرهة يستدعي في ذاكرته ذلك المشهد الأثير إلى نفسه "لقد بدأت تلك العلاقة منذ سجن "حجة" باليمن في نهاية عام 1956. كنا في مطلع الشباب مفعمين بالحيوية ومتأثرين لحد بعيد بحركة الضباط الأحرار في مصر، والناصرية على وجه الخصوص. لقد بدأنا نتآمر على الإمام احمد في تعز، فسجنت مع بقية المتورطين في قلعة صنعاء وخرجت منها بعد 3 سنوات، لأعود لسجن حجة حيث بقيت هناك أربعة أعوام أخرى بعد أن عدنا للتآمر على النظام القائم انذاك".
"كانت أحلامنا كبيرة ولكنها تحمل من الطيش والانفعال الثوري أكثر مما تحمل من قدرة على تجسيدها قيمة وعلواً وأحقية على أرض الواقع. إنها جزء من تاريخ مرحلة لا أقوى اليوم سوى على استعادته وتأمل الخلل الكبير الذي صاحبه. لم يكن اليمن بحاجة لا لثورة ولا ثوار كان بحاجة للتعليم والعلم وإضاءة العقل... وكان المجال متاحا لو شئنا العمل في هذا الاتجاه. لقد كان الأولى إضاءة العقول بالمعرفة والقيم الكبرى للإنسان قبل اللجوء إلى الهدم والتقويض بلا مقومات البناء".
"في سجن حجة وقعت بيدي مجلة الأحد التي تصدر في بيروت ويرأس تحريرها الأستاذ رياض طه، وفيها مقال بعنوان (احذروا عصر الأبطال). لكاتبه عبدالله القصيمي. كان المقال تعريضا بالناصرية والثورة المصرية، وكان حشدا للتحذير من عصر الأبطال الذين صنعتهم آلة عبدالناصر الإعلامية، وكان بطلها عبدالناصر الذي تألق في سماء الثورية العربية خصوصا بعد حرب قناة السويس عام 1956. كان القصيمي يرى كارثة الانسياق خلف هذه الآلة الكبيرة والكاسحة لتمرير عصر الأبطال لعقل الشارع العربي. كان يحذر من العواقب المترتبة على المنطقة العربية من هذه اللغة التي تستعيد أبطالا بلا بطولات حقيقية.. وقتها كنت مملوءا إيمانا بالناصرية ومتأثراً بالثورة المصرية لأبعد الحدود. أخذت قلمي وكتبت مقالا جعلت عنوانه ( أرفعوا أقلامكم عن محاربة عصر الأبطال) . وأرسلته للأستاذ رياض طه ردا على مقال المذكور القصيمي. ووقعته باسم علي الحرازي اليمني. وفوجئت بعد فترة قصيرة بنشره في مجلة الأحد".
"تمكنت من الهروب من سجن حجة إلى عدن ووصلت القاهرة في عام 1961، وهناك ذهبت للأستاذ الكبير أحمد محمد النعمان. وفي أحد الأيام رغب الأستاذ النعمان صحبته لزيارة صديقه عبدالله القصيمي. وعندما التقينا لأول مرة، قلت له أنت صاحب (احذروا عصر الأبطال) فقال لي على الفور وأنت (علي الحرازي اليمني). وعلمت منه حينها انه هو من طلب من الأستاذ طه رياض أن ينشر الرد بعد أن عرضه عليه، وقال بما يشبه التهكم الجميل قلت له انشره حتى يبحث القراء عن الأصل !! ومنذ تلك الساعة كانت بداية علاقة دامت وامتدت وتوطدت وأثمرت حتى رحل عبدالله القصيمي".
سألته ماذا كان يغريك بعبدالله القصيمي؟
قال: "نظرته الثاقبة للأمور. وقدرته على تحليل الوقائع واستشراف المستقبل كان لديه رؤية لا تخيب، ونظر لا يمكن تجاوزه بسهولة فيما يتعلق بالأحداث التي كانت تعصف بنا حينها. لقد كنا جيلا شابا مفعماً بالحيوية والحركة والرغبة الجامحة بالتغيير. الأمر الآخر والأكثر أهمية بالنسبة لي إنسانيته ورقته وأدبه وخلقه التي لم أعهدها إلا في الندرة من البشر".
"إن الجانب غير المعروف في شخصية عبدالله القصيمي تلك الإنسانية في أرق حالاتها وشعورها، والتي طالما سببت له عذابات وآلاما كبيرة. لقد كان الجميع موضع اهتمامه إلا أن يهتم بنفسه. كان يوزع مشاعره وأحاسيسه الراقية والنقية على أصدقائه، ويقلقه مشهد الألم من حوله، ويشعر بألم العجز القاتل عندما لا يقوى على مساعدة الآخرين" .
"لقد عاش عبدالله القصيمي في بيت متواضع جدا، وبأثاث بسيط يعود للخمسينيات حتى رحيله. كان متقللا جدا، زاهدا بكل زخرف، منصرفاً عن كل أمر يتعلق بتحسين شروط حياته اليومية، ولم يكن يسعد بشيء كما كان يسعد بصديق زائر.. بل انه كثيرا ما مشى مسافة طويلة من بيته بالمنيل حتى الدقي ليقول لي: لا اعرف كيف وصلت ولماذا قادتني قدماي إليك!! ...وخلال تلك المسافة تستوقفه مشاهد لا يقوى على المرور عليها دون أن تربك مزاجه، وتقلق حاسته الفائقة وتثير أشجانه.. لقد كان الإنسان عاجزا أو متألما أو متوقفا حائرا هو عذاب القصيمي وقلقه .. وهو أيضا تجسيد لذاته المعذبة".
في كل مرة يستدعي الأستاذ رؤيته للقصيمي الإنسان كنت أحاول جره إلى ميدان السياسة واليمن والثورة والموقف منها وعلاقة القصيمي بتداعياتها. سألته : مع تواصل هذه العلاقة بين القصيمي وتلك الشخصيات اليمنية ألم يكن هناك ردة فعل تجاه مواقف القصيمي من الثورة والثوار؟ ألم تكن تلك الآراء لتجعل القصيمي شخصية أيضا إشكالية وغير مرغوبة في عقل الزعامات التي شاركت فيما بعد في إدارة اليمن وبناء الجمهورية؟
أجاب: هناك فاصل مهم في تاريخ اليمن وعلاقات الشخصيات اليمنية بالقصيمي، العلاقة بدأت بشخصيات تاريخية. إنهم آباء التغيير في اليمن في مقدمتهم الأستاذ احمد النعمان واللواء عبدالله جزيلان وغيرهم.. أما الانتهازيون وطبقة تجار الثورات فلم يكن لهم حضور في عقل القصيمي إلا بقدر هائل من الازدراء، لتأتي عبارة القصيمي في توصيف هذا المشهد بدقة عجيبة وحضور هائل (لم أجد مشهدا يجلد أعصابي كرؤيتي لمشهد الذكاء منطرحا تحت أقدام الغباء، ممجدا له ومثنيا عليه ..).
إنها إذن رؤية القصيمي لحالة العربي، مثقفا أو سياسيا أو موهوبا ينطرح بكل انتهازية بين أقدام الغباء، وهو يوظف ذكاؤه وموهبته لخدمة وتمجيد الغباء الثوري وغير الثوري.
الأسبوع القادم يتواصل الحديث ... ( عبدالله السلال يدعو القصيمي لزيارة اليمن).
1
لعلك تحدثنا في المرة القادمة أيضا عن سبب خروج القصيمي من بلده السعودية وعدم العودة اليها وتكون القصة كاملة يكتمل معها اعجابك الشديد بهذه الشخصية.
ابو ابراهيم - زائر
07:24 صباحاً 2009/06/01
2
القصيمي رحل الى ربه... من أكثر من اختلف الناس حول شخصيته وفكره... وقد قرأت بعضا من كتبه... وعرفت ان لديه فكرا ورؤية للمستقبل عجيبة ,,, وما يعيبه الاسهاب في كتاباته... يعني الفكرة تحتاج الى اربعة اسطر يحررها لك في عشر صفحات... رحم الله اموات المسلمين
أبوهشام - زائر
09:03 صباحاً 2009/06/01
3
ننتظر إلقاء مزيد من الضوء على هذه الشخصية الفريدة.
ابو بكر - زائر
12:49 مساءً 2009/06/01
4
رحم الله القصيمي...هو السعودي الوحيد الذي تسميه مفكرا
عقلاني - زائر
01:33 مساءً 2009/06/01
5
رحم الله موتى المسلمين، المسيئين منهم قبل المحسنين.
القصيمي مبدع تعدى كل الحدود خاصه مع ربه، وكتب عدة كتب منها:"الكون يحاكم الإله" الذي أهداه إلى إبليس الذي عصى خالقه ولم يسجد لآدم. اللهم كما خلقتنا وعلمتنا أفتح بصائرنا. اللهم إنا نعوذ بك وذريتنا أن نعبد الأصنام. والحمد لله على نعمة التي لا تحصى.
أبو عبد الرحمن الشافعي - زائر
02:01 مساءً 2009/06/01
6
جميل يارقم واحد
والقصيمي أفضى إلى ما قدم وبعض الصغار لا يعرف من هو
fahad - زائر
02:08 مساءً 2009/06/01
7
(أنسانيةفي أرق حالاتها وشعورها،والتي طالما سببت له عذابات وآلاما كبيرة)=هذا الأفراط النفسي في التعامل يدل دلاله واضحة على اضطراب ومرض نفسي، انه ربما عذاب الضنك الدنيوي الذي يعانيه كل انسان بعيد عن الله عز وجل.بسبب هذا الفراغ الروحي والعقدي يندفع ليتشبث بما حوله بشكل مفرط.(..ويشعر بألم العجز القاتل)
ممدوح العنزي - زائر
03:00 مساءً 2009/06/01
8
بالتوفيق تحية طيبه
sarah - زائر
04:23 مساءً 2009/06/01
9
+رد7، الاستاذ عبدالله القفاري، شكراً لك على كشف حقيقة حالته النفسية من مجموعة تعد من اقرب المقربين له، الا يدل ذلك على وجود اضطراب او مرض ما في الرجل المفكر! ؟!
نور السعوديه - زائر
05:46 مساءً 2009/06/01
10
( لم اجد مشهدا يجلد أعصابي كرؤيتي لمشهد الذكاء منطرحا تحت أقدام الغباء , ممجد له ومثنيا عليه )
هذا الكلام لا يقوله اي شخص كما هي عادة جمله ومفرداته الجميله
هذا الرجل الوحيد في بلدي الذي تستطيع ان تقول له مفكر وانت مرتاح الضمير , للاسف ان الغربيين والعرب عرفوه وقدروه ونحن لازلنا لانعرف عنه الكثير
بندر الاسمري - زائر
08:12 مساءً 2009/06/01
الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة