الرئيسية > مقالات اليوم

أبعاد التسلح النووي وتداعياته


د. حمد بن عبدالله اللحيدان

مما لا شك فيه أن تعاظم القدرات العسكرية لأية دولة من الدول يجعل الدول المجاورة لها تتوجس وتتخوف من ترعرع وتزايد تلك الإمكانيات. ولاشك أن الخوف والتوجس يصبح أعظم وأشد إذا كانت تلك القدرات العسكرية مشمولة بالقدرات النووية أو احتمال امتلاكها. وعليه فإن توجس دول الخليج وتخوفها من نمو القدرات النووية والعسكرية الإيرانية في محله وليس عليه غبار خصوصاً أن إيران تملك البعد المكاني والسكاني ومعزز ذلك بطموحات وأهداف تسعى إيران إلى تحقيقها من خلال عدة محاور يأتي في مقدمتها نشر النفوذ الإيراني من خلال الدعم المادي لحركة التشييع في عدد كبير من الدول مثل المغرب ومصر وسوريا ولبنان وجزر القمر وعدد كبير من الدول الافريقية والآسيوية. وقد سبقهم في ذلك كل قادة الانقلابات العربية. ومازالت هذه القضية محل مزايدة الجميع.

الحراك الإسرائيلي والغربي ضد البرنامج النووي الإيراني يتسم بالمد والجزر فهم يعرفون ومنذ البدايات بالتوجهات النووية الإيرانية ولم يحركوا ساكناً بل ربما سهلوا المهمة. فالقدرات غير العادية في مجال تخصيب اليورانيوم وإنتاجه لا يمكن أن يتم إلا بالحصول على تلك التقنيات من مصادر مؤهلة وقادرة.

وهذا القول ينطبق على كوريا الشمالية التي أجرت هذا الأسبوع تجارب اطلاق ثلاثة صواريخ قريبة المدى في نفس اليوم الذي جرت فيه تجربة نووية صريحة تحت الأرض وقد قدرت قوة التفجير بنحو (٢٠) كيلو طن (والكيلو طن عبارة عن ١٠٠٠) طن من مادة (تي. إن. تي) الشديدة الانفجار. ومع أن التسلح النووي الكوري الشمالي صريح ومعلن إلا أن الحراك ضده ظل على استحياء. وعندما وافقت كوريا الشمالية على إنهاء برنامجها النووي مقابل معونات من الدول الست وفي مقدمتها أمريكا لم يتم الالتزام بذلك الاتفاق.

إسرائيل لديها قدرات نووية كبيرة جداً وقد بدأ برنامجها النووي بمساعدة غربية رسمية منذ عام (١٩٥٦م) ولم نسمع يوماً من الأيام أياً من الدول الغربية وفي مقدمتها أمريكا تنبس ببنت شفة حيال ذلك البرنامج. حتى أنهم لا يخجلون عندما يتحدثون عن القدرات النووية للدول الأخرى ووجب حظرها ان يشيروا إلى القوة النووية الإسرائيلية حتى من باب حفظ ماء الوجه.

باكستان تعتبر دولة نووية مثلها مثل الهند والصين. وقد تمكنت من تطوير قدراتها النووية أيام الحرب الباردة عندما كان هناك معسكران يتنازعان مراكز النفوذ في العالم. ونستطيع أن نقول انها أفلتت من تحكم القطب الواحد الذي ظل يتحكم في العالم منذ سقوط المعسكر الشيوعي قبل عشرين عاماً تقريباً. ومع ذلك فإن الإسرائيليين لم ينسوا أو يغفلوا عن القوة النووية الباكستانية على الرغم من حيادية الأخيرة وبعدها الجغرافي عن إسرائيل.

وعندما أقول إسرائيل فإنني أقصد إسرائيل كدولة وإسرائيل الممتدة من خلال المنتمين إليها من اليهود الذين يسيطرون على كثير من مقدرات الشعوب في الدول المتقدمة خصوصاً أمريكا وأوروبا. فعدد اليهود في أمريكا على سبيل المثال يشكل (٢٪) من عدد سكان أمريكا ولكن عددهم في كل من الكونجرس الأمريكي ومجلس الشيوخ قد يصل إلى (٣٠٪) ناهيك عن امتلاكهم لرؤوس الأموال ومراكز النفوذ ووسائل الإعلام وسيطرتهم على معظم مراكز الدراسات الاستراتيجية وتغلغلهم وتأثيرهم على مراكز اتخاذ القرار هناك. أما غض النظر عن التسلح الإيراني فيمكن القول انه كان يهدف إلى ضرب عدة عصافير بحجر واحد هذا إذا كانت الأمور تسير حسب الظاهر. أما إذا كانت هناك أجندة سرية تم أو يتم الاتفاق عليها من خلف الكواليس مع ايران فالموضوع يصبح له أبعاد أوسع وأشمل وأفظع.

على أية حال لنفترض أن الخلاف القائم حقيقي وليس استعراضياً في هذه الحالة يجب أن ننظر إلى أن التشدد الإيراني غير منطقي ذلك أنهم يواجهون قوة جبارة تتمثل في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا وإسرائيل وكل هذه الأطراف بعيدة كل البعد عن الأراضي الإيرانية أي أنها لن تتضرر من أي انتقام إيراني عدا بعض الصواريخ التي قد تصل إلى إسرائيل وهي شبيهة بصواريخ صدام حسين التي وصلت إلى هناك، نعم الإيرانيون قد ينفعلون إذا قامت الحرب، ويضربون دول الخليج اعتقاداً منهم أنهم ينتقمون من أمريكا وأوروبا بضرب مراكز إنتاج وتصدير البترول في الخليج، بينما الحقيقة ان إقامة الحرب أساساً قائم على هذا الافتراض ومن أجل تحقيقه وهذا يعني أن إيران لو قامت بمثل ذلك فهي تسدي خدمة العمر لكل من إسرائيل وشركات البترول الاحتكارية. بالنسبة لإسرائيل هي صاحبة المصلحة الأولى بضرب الاقتصاديات الخليجية بيد غيرها. أما الشركات الاحتكارية فهي التي سوف تفوز بعقود إعادة الإعمار والبناء لما تهدم. كما أن الخاسر الآخر هو إيران ذاتها ذلك أن قيام حرب كهذه سوف تقضي على الأخضر واليابس هناك.

وعلى اية حال فإن اختلال ميزان القوى في منطقة الخليج لصالح ايران يهدف في حده الأدنى الى خلق توجس وقلق لدى الدول المجاورة لايران، وذلك لضمان لجوئها الى التسلح من الدول ذات المصلحة، كما انه يضمن توثيق العلاقة مع الدول الكبرى واستمرار الحاجة اليها.

اما القوة النووية الباكستانية فإن الراغبين في زوالها كثر ويأتي في مقدمتهم اسرائيل التي تخطط وتحرض وتسلح وتدعم كل قوى الانشقاق والإرهاب في العالمين العربي والإسلامي. فالحرب في أفغان استان ووجود قوات حلف الشمال الاطلسي لا يمكن ان يكون الغرض من وجودها هناك فقط القضاء على طالبان بل لابد أن يكون هناك هدف ابعد من ذلك. كما ان الهند عدو باكستان اللدود قد خاضت مع باكستان حربين كبيرتين منذ الاستقلال والتوتر قائم بينهما باستمرار سواء بسبب مشكلة كشمير أو لأسباب أخرى يعمل الآخرون على استغلالها لاشعال الموقف.

ان ما يجري في باكستان من حرب أهلية ومن توسيع لرقعة المواجهة، وخلق استقطاب طائفي الغرض منه تدمير باكستان وتهيئة الفرصة لتدمير القدرات النووية لها أو وضع اليد عليها.

كما أن خلق خلاف بين ايران وباكستان يتم على نار هادئة، ويتطور عبر مراحل وهذا يشكل جبهة اخرى ضد كل من البلدين.

أما فيما يتعلق بإيران وقدراتها العسكرية فإن هناك تخوفاً من ان يكون الماء يجري تحت التبن كما يقول المثل أي ان الامكانية قائمة لأن تلتقي المصالح الإيرانية والاسرائيلية ان لم تكن قد تلاقت فعلاً رغم الصخب والتهديد المتبادل وفي هذه الحالة لابد أن يكون الخاسر الأكبر الدول العربية التي لم تع اللعبة حتى الآن على الرغم من تكرار الأزمات والأخطار التي جرت بها خلال السنين والعقود القليلة الماضية.

إن الدول العربية بصورة عامة ودول الخليج بصورة خاصة مندوبة بأن تتحرك باتجاه خلق توازن في القوى في منطقة الخليج وان تبحث عن حل أو حلول للأزمات والصراعات على مستوى العالم العربي والإسلامي سواء في باكستان أو أفغان استان أو الصومال أو دارفور أو العراق: تلك البؤر التي أصبحت مناطق تفريخ للإرهاب والتطرف وسوق سوداء لبيع السلاح وتهريبه وكذلك بؤر للتدريب والاستقطاب والتجنيد.

نعم إن من يدعون الحرب على الإرهاب يجب عليهم اخماد المناطق الملتهبة التي تصدر الإرهاب وتنميه ان كانت حربهم على الإرهاب حقيقية وليست وسيلة لغاية في نفس يعقوب. وعلى أية حال اسرائيل موجودة بكل ثقلها في دارفور وفي الصومال ولا يمكن استبعاد وجودها في أفغان استان وباكستان كما أن المواجهة الظاهرية مع إيران هي حديث الساعة، ليس هذا وحسب بل إن إسرائيل مازالت تعربد وتقفل وتدمر وتحاصر آلاف الفلسطينيين من الأطفال والعزل وتتنكر لكل الالتزامات السابقة واللاحقة، ويتربع على قيادتها متطرفون وكأن وجودهم ووصولهم الى السلطة هذه الأيام الغرض منه تحدي التوجهات الأمريكية الجديدة والاستمرار في انتهاج طريق العنف والإرهاب والتمييز العنصري ولاشك من تلك الممارسات الاسرائيلية تولد ردة فعل مضادة ومبررة تسميها العدالة مقاومة ويسميها الاغتصاب إرهاب.

أما في أمريكا فإن المؤشرات حتى الآن تشير الى أن هناك توجهاً جديداً تقوده الادارة الأمريكية الجديدة بقيادة الرئيس باراك أوباما الذي يتوجه الى المنطقة العربية هذا الأسبوع والذي سوف يستهل هذه الرحلة بزيارة للمملكة العربية السعودية. ولاشك أن الرئيس الأمريكي باراك أوباما سوف يلقى كل الترحيب على المستويين الرسمي والشعبي.

نعم إن أمريكا دولة عظمى لها مكانتها الدولية المرموقة التي قد شوهتها الادارة الأمريكية السابقة وتسعى الادارة الجديدة بقيادة الرئيس اوباما الى إعادتها الى وهجها وجعلها اكثر مصداقية وعدالة من خلال انتهاج سياسات جديدة تعترف بالآخر ولا تلغيه تتبادل المصالح معه ولا تؤذيه.. وذلك انطلاقا من المبادئ الأمريكية وممارستها للديمقراطية الحقة وتنوع ثقافة واعراق شعبها الذي صهرته العرقة وتكافؤ الفرص ونبذ العنصرية وممارسة الديمقراطية في بوتقة واحدة جعلته في مقدمة شعوب العالم رفاهية وديمقراطية ورقياً وذلك على الرغم من بعض البثور التي مازالت تتواجد هناك والتي تتمثل في سيطرة العناصر والمنظمات الصهيونية على بعض مقدرات وتوجهات الشعب الأمريكي العظيم.

إن العالم العربي والإسلامي بامتداده وتعداده يرغبان بالصداقة مع امريكا الا انهما يتوقان الى ان تلزم امريكا الحياد والوقوف مع الحق واقامة العدل والسلام في الشرق الأوسط من خلال المبادرات المطروحة وفي مقدمتها المبادرة العربية وكذلك المساعدة على اخماد نار الفتن التي تمزق كثيراً من البلاد والتي أصبح لها مخرجات وآثار سيئة على السلام والأمن العالميين وذلك كما هو حادث في العراق والصومال ودارفور وأفغان استان وباكستان، واذا تحقق ذلك سوف يعلم الجميع ان امريكا قائدة للعالم الحر بحق وحقيقة. والله المستعان.

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 6

  • 1
    الله يعطيكم العافيه ويجعلها في ميزان حسناتكم

    om sultan - زائر

    09:30 صباحاً 2009/05/29


  • 2
    بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ومن إهتدى بهداه، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
    بارك الله بك أستاذنا الفاضل على أطرحواتك القيمه البعيدة كل البعد عن مخاطبه الذات إلى مخاطبة الأمه. لقد مل الإمريكيين والأوربيين من خداع ونفاق وغش وتدليس اليهود وتدميرهم لحضارتهم و كشفوا زيفهم.

    أبو عبد الرحمن الشافعي - زائر

    10:10 صباحاً 2009/05/29


  • 3
    حرب قد لاحت بوادرها بدون أدنى شك
    ربي احفظ وطني

    ديدالوس - زائر

    10:18 صباحاً 2009/05/29


  • 4
    يعطيكم العافية

    sarah - زائر

    04:58 مساءً 2009/05/29


  • 5
    كل ذالك العمق والموضوعيه لاياتي الا من مركزدراسات استراتيجيه انا لم اقراء يقه مقالاتكم ولكني سوف احاول الاطلاع عليها لعل في الامر نابغه

    hani - زائر

    09:57 مساءً 2009/05/29


  • 6
    كفو يالشمري بنآخي على مقالك بس أخالفك الرأي يابعد طوايف هلي لماذا نعمل نكذب ونصدق أنفسنا على قوة أيران الحمد لله في العراق بلد صغير قدر أن يركعهم والمملكة ماشاء الله رجالهم يغطون عين الشمس ليش ماتتسلح بالنووي ولو ماقدرتم تتسلحون النووي يمكن عمل تحالف مع أيران مهما نختلف معهم في المذهب

    المهندس جاسم الشمري - زائر

    12:51 صباحاً 2009/05/30



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة