الرئيسية > مقالات اليوم

أمن الخليج وتطوّرات الوضع في باكستان


عبدالجليل زيد المرهون

تسارعت الأحداث في باكستان على نحو بات يثير قلق العديد من دول المنطقة، وفي المقدمة منها أقطار مجلس التعاون الخليجي.

وقد شهدت دول الخليج، في الشهرين الماضيين، الكثير من النقاش حول ماهية تأثير الحدث الباكستاني على مستقبل الأمن في المنطقة، في ظل إجماع على ضرورة النظر إلى التطورات الجارية بكثير من العناية والاهتمام.

هناك وحدة ربط على مستوى الحاسة الاستراتيجية بين تفاعلات الأمن في جنوب آسيا وتلك السائدة في منطقة الخليج العربي. وهذا يلامس على الخصوص تفاعلات الوضع في الخليج مع خمس دول جنوب آسيوية هي الهند وباكستان وسريلانكا وجزر المالديف وبنغلادش، وتربط هذه الأخيرة جنوب القارة بجنوبها الشرقي عبر بورما. ويضاف إلى ذلك أفغانستان،التي ترمي التطورات فيها بتداعياتها المباشرة على الأوضاع في الهند وباكستان، وعلى علاقاتهما البينية، واستتباعاً علاقاتهما الخارجية، وذلك على النحو الذي نشاهده اليوم.

وبمعيار التوصيف الجيوسياسي، تعتبر باكستان دولة مجاورة للخليج العربي. بل يصعب فصل حالة الأمن في هرمز عن الظروف السائدة في بلوشستان، وهذا ما أثبتته بشكل خاص أحداث العقدين السابع والثامن من القرن الماضي، بل إن الروس سعوا في ثمانينيات القرن العشرين للتأثير على مجريات الأمن في هرمز وبحر العرب عبر دعم الحركة الانفصالية في بلوشستان،حيث قدموا لها مختلف أنواع الدعم المادي والسياسي،بمؤازرة هندية صريحة.

وبصفة عامة، ثمة ترابط وثيق على مستوى الممرات البحرية الدولية بين الخليج وبحر العرب، وحيث تقع كل من صلالة العمانية وكراتشي الباكستانية وبومباي الهندية على ذات الامتداد. وحيث ان جنوب آسيا منطقة ملاصقة لشبه الجزيرة العربية وبحر العرب، فهي معنية بأمن الممرات الحيوية للمنطقة، كما تمثل منطقة جنوب آسيا نقطة التقاء بين الخليج وجنوب شرق آسيا وأستراليا، وبالتالي تمر عبر جنوب آسيا الكثير من السلع والخامات الحيوية المتحركة بين المنطقة والشرق الأقصى. وإنّ حالة الأمن في الجنوب الآسيوي تعكس نفسها بالضرورة على أمن الممرات الدولية المعنية بالتجارة والنفط الخليجي، وأي اضطراب في هذه الحالة من شأنه أن يعكس نفسه على شكل أضرار مباشرة على تجارة الخليج الدولية.

وفي التأصيل الاستراتيجي، يمكن القول إن ما يحدث اليوم في باكستان، يُعد في أحد أبعاده نتاجاً لمتغير دولي وإقليمي كبير، ربما فاق في تداعياته ومفاعيله على الداخل الباكستاني الاجتياح السوفياتي الدموي لأفغانستان في العام 1979.

إن ما يحدث اليوم هو أحد إفرازات أحداث الحادي عشر من أيلول سبتمبر 2001 ، واستتباعاً الحرب الأميركية على أفغانستان، وسقوط حركة طالبان، ودخول هذه الحركة بعد ذلك في صدام صريح مع السياسة الأميركية، وسياسة الدولة الباكستانية.

كذلك، كانت نهاية الحرب الباردة إيذانا بتحوّل كبير في الوظيفة الجيوبوليتيكية للدولة الباكستانية، وذلك على الرغم من أن هذا التحوّل قد جاء على مستوى الاتجاه وليس من حيث الوزن أو الثقل الجيوبوليتيكي. بيد أن إحدى خلاصات هذا التحوّل كانت الحد من مكانة باكستان في المدرك الاستراتيجي الأميركي، وذلك على النقيض مما آلت إليه الأمور بالنسبة للهند، التي بدت أكثر حضوراً في الحسابات الأميركية. وهذا الشق الأخير من المعادلة لم يكن نتاجاً لتحول في الوظيفة الجيوبوليتيكية للهند، بل كان إفرازاً لتحولات جيوستراتيجية كونية أفادت منها الهند من دون أن تكون طرفاً في صياغتها. وهنا نصل إلى متغير محوري آخر من متغيرات الأمن الآسيوي ، ذات الصلة بوضع الأمن في الخليج.

وباندماج المتغير الثاني والثالث بمتغير البعد النووي في البيئة الأمنية لجنوب آسيا، تكون هذه البيئة قد سارت باتجاه تحول تاريخي بالغ في دلالاته، حاد في إفرازاته على المحيط الذي يضمنا نحن هنا في الخليج العربي.

لقد شكلت المقاربة الأميركية للعلاقة مع الهند في مرحلة ما بعد الحرب الباردة ما يمكن اعتباره عامل ضغط على مناخ العلاقات الأميركية الباكستانية، فقد تغيّر موقع باكستان في حسابات الولايات المتحدة، ولكن من دون أن يتغير منسوب التحديات التي تواجه الأمن القومي الباكستاني، فالباكستانيون يرون أن الهند لا تزال تمثل مصدر تهديد لأمنهم القومي، ويرون أنها سوف تستمر كذلك على المدى المنظور، بفعل استمرار الخلاف حول كشمير، وتعّقد بيئة الأمن الإقليمي، المستند إلى توازن غير مستقر على مستوى الردع النووي.

وبصفة عامة، دفع انتهاء الحرب الباردة باتجاه إعادة صَوغ كبير لموقع الهند في البيئة الدولية. وفي إعادة الصوغ هذه، برزت نيودلهي كحليف للغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة، ولكن من دون أن تخسر موقعها المحوري في السياسة الروسية، أو لنقل في حسابات الروس الكبرى.

وأياً تكن السياقات، فإن الأميركيين باتوا يؤكدون اليوم على أن لا حل للمعضلة الأفغانية إلا عبر مقاربة فاعلة للوضع في باكستان، وخاصة في مناطق الحدود الباكستانية الأفغانية. وأن ليس ثمة حل عسكري للتحديات الماثلة في هذه المناطق. وإن تسريع خطى الدبلوماسية وجهود التنمية هناك سيكون ضرورياً، ولا غنى عنه.

وتبحث إدارة الرئيس أوباما حالياً في تغيير سياستها الخاصة بباكستان، "بما هي قوة نووية وحيدة في العالم الإسلامي، وموطن لقيادة القاعدة" – كما تقول صحيفة كريستيان ساينس مونيتور. وتبحث واشنطن- حسب الصحيفة- في زيادة المساعدات غير العسكرية للدولة الباكستانية، وخاصة للمناطق المتاخمة لأفغانستان. ورأت الصحيفة، في عددها الصادر في الثاني من آذار مارس الماضي، أن اثنين من كبار أعضاء مجلس الشيوخ يتوقعان تقديم تشريع في "الأيام القادمة" لرفع حجم المساعدات غير العسكرية لباكستان من مليار ونصف المليار دولار إلى خمسة مليارات دولار.

وقد أقرت لجنة الاعتمادات في مجلس النواب الأميركي، في أيار مايو الجاري، مشروع قانون مالي بقيمة 96.7 مليار دولار، لتمويل الحرب في العراق وأفغانستان، إلى جانب مساعدات للدولة الباكستانية.ويمول مشروع القانون تكاليف الحربين حتى 30 سبتمبر المقبل. ويقدم مساعدة اقتصادية وأمنية إلى إسلام آباد قدرها 1.4 مليار دولار.

وإذا كانت الولايات المتحدة معنية باستقرار باكستان، فإننا في الخليج معنيون بدعم التوّجه الأميركي الجديد، والنظر إلى استقرار الدولة الباكستانية باعتباره ضرورة لا غنى عنها لأمننا الإقليمي.

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 3

  • 1
    الله يعطيكم العافيه ويجعلها في ميزان حسناتكم

    om sultan - زائر

    09:29 صباحاً 2009/05/29


  • 2
    يعطيكم العافية

    om sultan - زائر

    04:55 مساءً 2009/05/29


  • 3
    لقد أجتمع الروئسا دول باكستان وأفغانستان و إيران ضد ما يسمى الإهارب وهم في الأصل ينشأون ارهاب ضد الخليج العربي ومن المتوقع أن تحكم أمريكا السيطرة على باكستان وهذا موأشر خطير يعني أدراة الطائفية من
    أربع مواقع من باكستان وأفغانستان وأيران و العراق والمعروف أن المستفيد
    الأكبر هو ايران من هذه الدعم الأمريكي لباكستان أرجو الأ يقف الروئسا
    الخليج كما وقفوا أمما العراق أقل شي أبقى القوة الطالبانية في وجه
    التحالف الشيعي قد تشكل القوة النامية في أفغانستان خطر على الخليج
    ولكن خطر الأكبر ايران

    الحياة - عضو

    05:21 مساءً 2009/05/29



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة