كل المؤسسات والأطر تتطلع إلى أهداف وغايات ، وتطمح إلى تحقيقها ، وتصبو إلى إنجازها ولكن القليل من المؤسسات والأطر الذي يبلور برامج عملية وخطط تنفيذية متواصلة للوصول إلى التطلع ، وتحقيق الأهداف والغايات المنشودة..
وباختلاف نوعية وطبيعة المؤسسات والأطر ، تختلف غاياتها وأهدافها . فإذا كانت المؤسسات ذات طبيعة اقتصادية أو تجارية ، فإن أهدافها وغاياتها ستكون من سنخ طبيعتها. والمؤسسات الثقافية والأدبية ، ستكون بطبيعة الحال ، ذات أهداف وغايات ثقافية وأدبية . وتركيزنا في هذا المقال سيكون عن المؤسسات الثقافية والأدبية في وطننا ، ومسؤوليتها في إنجاز تطلعاتها ، والوصول إلى غاياتها المرسومة..
وعليه فإن الخلاف والتمايز الجوهري بين المؤسسات ، ليس في وجود الأهداف والغايات والتطلعات والآمال ، لأن كل المؤسسات تمتلك ذلك ، ويمكن أن تزايد مع بعضها البعض في حجم الأهداف والتطلعات.
وإنما التمايز الجوهري يكمن في توفر الإرادة الحقيقية للوصول إلى الأهداف والتطلعات والغايات .. فالمؤسسات الناجحة والمتميزة ، هي التي لا تكتفي بصياغة أهدافها وبلورة أحلامها وتطلعاتها ، وإنما في عملها المتواصل لتحقيق تلك الأهداف والتطلعات . فهذه المؤسسات لا تنام على أحلامها وتطلعاتها ، وإنما تعمل ليل نهار ووفق إمكاناتها المتاحة لإنجاز أهدافها ونيل الغايات المرسومة..
فالنجاح هو ثمرة العمل الجدي المتواصل ، وليس ثمرة التطلعات المجردة.
أما المؤسسات الفاشلة ، هي التي تحلم كثيرا وتتطلع بعيدا ، دون أن تكون هناك إرادة حقيقية للوصول إلى تلك الأحلام والتطلعات..
أسوق هذه المقدمة ، لكي تتضح حقيقة الفروق الجوهرية بين مؤسساتنا الثقافية والأدبية على امتداد الوطن كله ، ومدى سعي هذه المؤسسات في خدمة الثقافة وتطوير الواقع الثقافي على الصعيد الوطني .. فكل هذه المؤسسات تعيش في بيئة اجتماعية واحدة أو متشابهة ، وكلها رسمت لنفسها أحلاما كثيرة وتطلعات بعيدة ، وكلها تم توفير الدعم المالي اللازم لها . ولكن الفرق الجوهري بينها يكمن في أن بعض هذه المؤسسات الثقافية الوطنية اكتفى بالكلام الكثير والعمل القليل . ومؤسسات أخرى عملت على الاستفادة من كل إمكاناتها من أجل تحقيق أهدافها وغاياتها ، وعملت عبر وسائل عديدة لتوفير إمكانات إضافية من أجل القيام بأعمال ثقافية وإبداعية جديدة . لذلك نجد أن بعض الأندية الثقافية والأدبية على المستوى الوطني ، يزخر بالعديد من الفعاليات والأنشطة والإنجازات والمبادرات الحيوية ، وبعضها الآخر يكتفي بأنشطة الحدود الدنيا ، وهي أنشطة موسمية وضيقة وذات تأثير اجتماعي ووطني محدود..
فالأندية الثقافية والأدبية في الرياض وحائل وجدة لديها الكثير من المشروعات الثقافية والأدبية والإبداعية الجديدة والمتميزة ، وهي تعمل على تنمية أوضاع مناطقها ثقافيا وأدبيا ، وتسعى في كل عام للقيام بمبادرات ثقافية جديدة . بينما الأندية الأخرى تكتفي ببعض الأنشطة المنبرية والإصدارية المحدودة .. وعليه فإننا اليوم بحاجة إلى معايير رقابية ومحاسبية ثابتة ، لتحديد مدى فعالية كل مؤسسة ثقافية على المستوى الوطني..
لأنه لم يعد مقبولا أن مؤسسة ثقافية ، تمتلك إمكانات مادية وقاعدة بشرية واجتماعية ، إلا أن أنشطتها وفعالياتها محدودة . وفي المقابل مؤسسات أخرى نشطة وحيوية ، وتسعى نحو الحصول على إمكانات جديدة من فعاليات المنطقة لزيادة وتيرة العمل الثقافي والأدبي بكل مستوياته..
فالفشل ليس قدرا مقدرا على بعض المؤسسات والفعاليات . كما أن النجاح ليس ادعاء يدعى ، أو تقرره الأحلام الكبيرة..
إن الفشل هو وليد الخضوع لبعض الظروف المضادة للعمل الثقافي المتميز ، أو بفعل غياب الإرادة التي تمكن المؤسسة من الاستفادة القصوى من كل الإمكانات المادية والبشرية المتاحة لديها..
كما أن النجاح هو وليد التخطيط الجيد والإرادة المستديمة للعمل والإنجاز والقيام بالكثير من المبادرات التي تستهدف تحويل التطلعات إلى حقائق شاخصة في الفضاء الاجتماعي والثقافي للوطن..
وعليه فإننا نعتقد أن الفارق الجوهري بين أنديتنا الثقافية والأدبية ، ليس فارقا كميا وإنما نوعي. ويتجسد هذا الفارق النوعي في الطاقات البشرية التي تسير شؤون الأندية والمؤسسات الثقافية الوطنية..
فالثقافة ليست نشاطا منبريا أسبوعيا أو شهريا فحسب ، مع أهمية هذا العمل لأي مؤسسة ثقافية . كما أن العمل الأدبي لا يختصر في تكريم بعض الأدباء والشعراء ، مع أهمية فعل التكريم في الحياة الثقافية والأدبية.
إن الثقافة كعمل مؤسسي ، هي قبل كل هذا ، تخطيط متواصل لتطوير الواقع الثقافي ، وإرادة وعزيمة راسخة لتوفير كل الإمكانات والأسباب المؤدية إلى تحقيق كل التطلعات والأهداف..
لهذا كله فإننا ندعو أنديتنا الثقافية والأدبية ، إلى معاودة النظر في بعض آليات عملها ، وتوسيع دائرة الحامل البشري لأنشطتها وفعالياتها ، ونسج علاقات متميزة مع رجال الأعمال وأصحاب المؤسسات الاقتصادية والتجارية لدعم وإسناد بعض مشروعات هذه الأندية ذات الطابع المؤسسي والدائم..
إن وطننا اليوم من أقصاه إلى أقصاه ، ينتظر من الأندية الثقافية والأدبية ، الكثير من الأعمال والأنشطة والفعاليات ، التي تساهم في تطوير حياتنا الثقافية والأدبية وإثراء واقعنا المعرفي والارتقاء بالمشهد الثقافي ، واحتضان أكثر حيوية لكل المثقفين والأدباء ، لكي يشكلوا معا كتلة بشرية قادرة على تحقيق الكثير من تطلعات الوطن والمواطنين على الصعيد الثقافي والأدبي والمعرفي..
1
مقال رائع كعادة قلمك :)
دمت بود
حمزة مشرف - عضو
08:50 صباحاً 2009/05/26