الرئيسية > مقالات اليوم

(السياحة والآثار) المنظور الاجتماعي في الثروة الحضارية..


د. علي بن حمد الخشيبان

الهيئة العامة للسياحة والآثار تعمل منذ إنشائها على تأسيس تجربة فريدة للسياحة والآثار في المملكة بمعطيات متعددة منها الاقتصادي والاجتماعي والحضاري والتنموي والحضاري عبر طرح فلسفة دقيقة لهذا المشروع الاقتصادي الواعد.

هذه الرؤية واضحة في خطاب سمو الأمير سلطان بن سلمان رئيس الهيئة وهو يراهن وبشكل دائم على معادلة تضمن نجاح السياحة في بلد مثل المملكة العربية السعودية، بل يؤكد وبشكل دائم أن هذه الرؤية يستمدها من دعم القيادة لهذا القطاع الاقتصادي الواعد.

قبل سنوات بدت هذه الرؤية غريبة للكثير من الاقتصاديين والسياسيين على حد سواء في الداخل أو الخارج، حيث كانت المراهنة على سياحة داخلية قضية ترفع أمامها الكثير من الأسئلة المحيرة. ولكن بعد سنوات قليلة على إنشاء الهيئة أصبحت مفردة السياحة تتكرر في جميع وسائل الإعلام على مدار العام وتتحدث هذه المفردة وفق سياقها في وسائل الإعلام عن السياحة الداخلية والآثار والاقتصاد والخدمات وعن المجتمع السعودي ونشوء مفهوم جديد في ثقافة المجتمع يضع السياحة وخصوصا الداخلية ضمن أهم أولوياته.

الثقافة في المجتمع السعودي وبمفهومها الاجتماعي ومع بداية ظهور السياحة والآثار ضمن منظومة حكومية، لم تكن مطمئنة للوجهة التي سوف تقود السياحة المجتمع إليها، فمفهوم السياحة كثقافة لم يكن قبل سنوات سوى مفهوم ضبابي يعكس ممارسات مخالفة للقيم المجتمعية.

هذا المفهوم لم يصمد طويلا فبعد ثلاث أو أربع سنوات من إنشاء هذه الهيئة الخاصة بالسياحة بدا أنها سوف تعاني كثيراً من اللحاق بمتطلبات المجتمع لهذه الصناعة وسجّلت الأرقام انقلاباً لمعادلة الطلب على السياحة الداخلية في المجتمع السعودي. وظهر على موقع مركز (ماس) وهو الموقع المتخصص في البحوث والإحصاءات السياحية: أن الطلب على السياحة والطلب على خدماتها يحقق زيادة غير طبيعية في المجتمع ، كما أصبحت الحملات التسويقية في الصحف السعودية والتي يديرها قطاع التسويق في الهيئة تواجه المجتمع مع كل المناسبات خلال العام.

أسئلة كانت ترفع حول مستقبل الثقافة المحلية في حال انتشر مفهوم السياحة كثقافة وكممارسة هذه الأسئلة وجدت في منظومة السياحة إجابات كثيرة على تساؤلاتها بدلا من أن تبحث عن ثغرات تحاول أن تسدها في مفهوم السياحة.

بلغة أخرى أصبح من الواضح أن مؤسسة السياحة استطاعت أن تجيب على كل الأسئلة التي رفعتها الثقافة المجتمعية، بل بددت كل الشكوك حول السياحة كمفهوم وصارت السياحة الداخلية استشهاداً أصيلاً للخطاب المجتمعي من حيث الاستمتاع وقضاء وقت الفراغ في إطار المجتمع وثقافته وقيمه.

هذه المرحلة من قبول السياحة غطت الجزء الأكبر من المجتمع السعودي وان كان هناك بعض المواقع في الثقافة تحتاج إلى الكثير من العمل من الهيئة العامة للسياحة والآثار وخاصة الاعتراضات الشخصية والاجتهادات الفردية على بعض أنشطة السياحة.

بعد هذه المرحلة أصبحت هيئة السياحة في منتصف الطريق وبدا أن خدماتها لابد وان تتقاطع مع مؤسسات حكومية أخرى فالسياحة مؤسسة اقتصادية تعمل من خلال منظومة القيم الاقتصادية وليس من خلال منظومة القيم الخدمية وهنا كانت أزمة أخرى تتطلب مشاركة حكومية مكتملة لبناء منظومة سياحية ذات عائد اقتصادي. المشروعات التنموية وخاصة في مجال السياحة هي مشروعات تعتمد على عنصرين أساسيين العنصر الاقتصادي وهو الركيزة الأساسية في قضية السياحة والعنصر الآخر مرتبط بمنظومة اكتمال البنية التحتية في الوجهات السياحية، وهذا السؤال هو الذي ينتظر المجتمع الإجابة عليه من الهيئة العامة للسياحة والآثار وقد يكون التحدي الأكبر في مشروع السياحة الاقتصادي.

التحدي الآخر وهو تشكيل منظومة جديدة لرسم البعد الحضاري للآثار في المملكة، وما تشمله من تراث عمراني وثقافي، فالمملكة العربية السعودية تشكلت وفق ركائز سياسية واقتصادية وتنموية واجتماعية وتاريخية جعلت منها صامدة وقوية وصاعدة إلى مصاف الدول الأكثر تأثيرا في العالم.

كل هذه الأبعاد واضحة وجلية في المنظومة الإعلامية والاجتماعية، ولكن تظل الآثار ببعدها التاريخي والحضاري مصدر فخر وطني يحتاج إلى تكريس في الثقافة المجتمعية والى غرس في عقول الأجيال والى تجلية في الموقف الحقيقي للثقافة من الكنز الحضاري الذي يحتاجه المجتمع لتفسير الكثير من الزوايا الحضارية والتاريخية الصلبة في وطنه .

المملكة كما هو معروف تقع على مساحة جغرافية قدمها من قدم التاريخ البشري ولذلك فهي ارض وطبقات تاريخية تحكي قصصاً كثيرة من قصص هذا الكون، ولذلك لا تكاد تخلو بقعة في المملكة من آثار قائمة تاريخية وحديثة يمكن مشاهدتها بوضوح فما بالك بتلك التي تحتاج إلى تنقيب وبحث فهي تكاد تملأ مساحة الوطن بأكمله.

في حدث تاريخي إسلامي عظيم جاء في كتاب (المدهش) لأبو الفرج الجوزي المتوفى عام 597ه ،وصف تاريخي قصصي مختصر ورائع لقصة اختفاء الرسول صلى الله عليه وسلم ومعه الصدّيق أبو بكر، في غار ثور عندما أرادت قريش منعه من الهجرة إلى المدينة.

هذا الحدث العظيم تمثل أمامي وتذكرت أن هذا الغار موجود وقائم تمتد منه إلى المدينة قصة هجرة وطريق الرسول صلى الله عليه وسلم التي وضعت أسساً لبناء كبير لهذا الدين في المدينة المنورة، هذا الحدث له ما يجسده من حيث المكان والقصة، ولكن السؤال عن كيفية صياغة هذا الحدث سياحياً وثقافياً في عقول أجيالنا والأفراد في المجتمع..؟. على الجانب الآخر وفي تاريخ تأسيس هذا الوطن تذكرت فتح الرياض وتحديداً (المصمك) وكيف كان المشهد بطولياً رائعاً قاده مؤسس هذا الكيان وانتهى بوضع اللبنة الأولى لوحدة هذا الوطن التي انطلقت من الرياض.

لقد كان السؤال كبيراً عن هذين المشهدين وعن منهجية توعوية أصيلة تزرع في أبناء هذا الوطن اعتزازاً تاريخاً وحضارياً ليكمل المشهد الحضاري للمملكة العربية السعودية كدولة لها ميزان دولي وهي تتكئ على ميزان حضاري تعكسه نجاحاتها في كل المجالات.

لقد حان الوقت لتخطي فكرة أن الآثار مجرد بحوث ودراسات وتنقيب يملكه المختصون فقط، يجب أن ندرك أن الآثار منتج سياحي وليست علماً فقط وتنقيباً واكتشافاً، هذا إذا أردنا أن نعزز القيمة الحضارية في مكتسباتنا التاريخية المتمثلة في ثروة حضارية يملكها هذا الوطن فالآثار اليوم هي بعد حضاري وطني ومصدر فخر واعتزاز يجب أن تعاد قراءته من خلال الثقافة والمجتمع بمساهمة هيئة السياحة والآثار.

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 4

  • 1
    حقا إن لنا الفخر بكل المعطيات الحضارية لبلدنا ومنها الاثار والتراث الثقافي والانساني للممكلة، والاجمل ان هيئة السياحة بقيادة الامير المخلص سلطان بن سلمان حرصت على ابراز الاثار الوطنية بشكل حضاري قابل للتطوير لتصبح منتجا سياحيا مكتملا. شكرا للكاتب وهنيئا لنا بوطن كل ذرة من ترابه تحكي قصة لتاريخ مشرف.

    مواطن بسيط - زائر

    09:47 صباحاً 2009/05/25


  • 2
    أتحدث كمواطن يود أن يسيح داخل المملكة، وأستمتع بالسفر برا وأظن كثيرين يشاركونني هذه الرغبة.
    لكن كيف يتمذلك وانا لايمكن أن أجد أعزكم الله دورة مياه نظيفة على الطريق، فكيف باستراحة مناسبة.
    لاألوم أولئك الذي يقضون حاجاته على قارعة الطرق.
    لاحظوا كثير من الدول تجد السائح يتوقف في المحطات
    يتبع

    مللنا طواحين الهواء - زائر

    11:30 صباحاً 2009/05/25


  • 3
    هذه المحطات والاستراحات التي تمثل (جزءا من متعة السياحة) أما عندنا وللأسف فلاتعدوا مكانا للتزود بالوقود وبعض الفصفص منتهي الصلاحية.
    لقد مللنا من حديث المسؤولين عن (النفاق السياحي) الذي يناقضونه في اليوم الأول لإجازاتهم.
    لم لاتمنح الشركات المميزة في هذا المجال حق الاستثمار في الطرق وبأسلوب تنافس

    مللنا طواحين الهواء - زائر

    11:40 صباحاً 2009/05/25


  • 4
    يعطيكم العافية

    sarah - زائر

    01:58 مساءً 2009/05/25



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة