جاءت نتائج الانتخابات البرلمانية الكويتية الأخيرة على غير المتوقع منها,إذ عبرت عن توجه جديد لدى الناخب الكويتي، مضمونه حسم خياراته الانتخابية باتجاه واقعه البحت الذي يبحث له عن حلول لمشاكله الآنية، بعيداً عن توسل الأيديولوجيات والتيارات ذات المضمون الشعاراتي، الرافعة للواء المذهبية والطائفية، والداعية، وفقاً لمنهجيتها التي تمارس من خلالها السياسة بالدين، إلى التدخل في أدق تفاصيل علاقة الإنسان الروحية بربه تعالى .
سيجدني القارئ هنا غير عابئ كثيراً بوصول أربع سيدات كويتيات إلى قبة مجلس الأمة:(البرلمان)لأول مرة منذ انطلاق الحياة البرلمانية هناك في بداية ستينيات القرن الماضي،ليس لأني غير محتف بتقدم المرأة على جبهة"انتزاع"حقوقها،بل لأني أعتقد أن وصول أو إيصال امرأة إلى البرلمان، أو تسنمها منصب القضاء أو الفتيا، أو غيرهما من مناصب الولايات العامة،في مجتمعات لا تستطيع فيه إنقاذ نفسها من عضل وليها إذا قرر عضلها،مثلما لا تستطيع فيه، وهي الثيب التي قاربت تخوم العقد السادس من عمرها، تزويج نفسها انتظاراً لإرادة وليها الذي ربما يصغرها بسنوات، يمثل عندي، حرقاً لمراحل تاريخية لا يمكن القفز عليها في أي توجه تحديثي، سواء أكان خاصاً بوضع المرأة أو بغيره من الأوضاع الاجتماعية. لماذا؟. لأن الحداثة عملية تراكمية، ينبني لاحقها على سابقها، وما من شيء أضر عليها من حرق مراحل تاريخية ضرورية لتأسيسها في السياق الاجتماعي.
إن التطور اللافت في مشهد الانتخابات الكويتية الأخيرة إنما يتمثل في أفول نجم تيار الإسلام السياسي بشكل عام، والمتشدد منه بشكل خاص، والذي كان نوابه سبباً رئيسياً في قرار أمير الكويت حل المجلس السابق في الثامن عشر من مارس الماضي،بافتعالهم الأزمة تلو الأزمة، نتيجة استجواباتهم العبثية في أمور لا تمس حياة المواطن الكويتي المباشرة ولا قضاياه المصيرية، بقدر ما تمس أموراً هامشية ليست،أو هكذا يُفترض، من قبيل مهماتهم النيابية من الأساس.
لقد كان ذلك التيار ذو المنهجية الإخوانية، بارعاً في ممارسته للسياسة بالدين، وقد تمثلت آخر ممارساته تلك في موقفه من ترشح المرأة والتصويت لها في الانتخابات الأخيرة. ففيما يخص ترشح المرأة للانتخابات، أكد مدير المكتب(السياسي!) للحركة السلفية الكويتية:" أن المكتب الشرعي(...) للحركة انطلاقاً من حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) ارتأى أن هذا الأمر ينطبق على ترشح الأخوات الفاضلات لمجلس الأمة، حيث إن عملية التصويت لهن تجعل من المحتمل وصول إحداهن لعضوية مجلس الأمة الكويتي".وبالنسبة لعملية التصويت نفسها، وجهت الحركة نداءً إلى الناخبين أكدت فيه على أن"ما هو محرم غاية فهو محرم أيضاً وسيلة، فوسيلة عضوية البرلمان (المحرمة!) بالنسبة للنساء هي التصويت، وبالتالي فإن التصويت للمرأة لا يجوز، ونخشى أن (يأثم!) الناخب الكويتي إن صوت للمرأة".(لاحظ النفََس الوصائي الفج ). وفي نرجسية مفرطة لم تُعهد من قبلُ على مستوى ممارسة السياسة بالدين،أكدت الحركة على أن "تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، وهذا هو وقت الحاجة لإبانة مشروعية التصويت من عدمه". والكلام عن" عدم جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة" مما اعتاد الفقهاء رحمهم الله ذكره في حق النبي صلى الله عليه وسلم لوحده عندما يريدون ربط النص بالظرف التاريخي الذي أنتجه:( سبب النزول). لكن منتسبي الحركة،انطلاقاً من أيديولوجية الوصاية على المجتمع،كما هي عادة كل التيارات الدينية التي تمارس السياسة بالدين، رأوا أنه لا يجوز لهم تأخير "البيان" الأيديولوجي/الوصائي عن وقت "الحاجة" السياسية!. يأتي ذلك في وقت نعلم فيه جميعاً أن ولاية المرأة،بما فيها الولاية العامة، هي مسألة"فقهية" خلافية ولا قطع فيها لأي من الآراء التي تناولتها بالتحريم. وقد ناقشتُ هذه المسألة باستفاضة في مقال لي في هذا المنبر بتاريخ 22/4/2007م فليرجع إليه من شاء الاستزادة. ولذا لم يكن ثمة مفاجأة في تناغم الموقف الإخواني الكويتي مع الموقف الإخواني المصري الذي قاد ممثلوه حملة شعواء في البرلمان المصري،لا لمواجهة أزمة واقعية حياتية يواجهها المواطن المصري، بل لمواجهة تصريح لوزير الأوقاف، رأى فيه أن الحجاب عادة وليس عبادة!. هكذا هي التيارات الدينية التي تمارس السياسة بالدين، لا تحرك أشجانها طوابير الأزمات التي يعايشها ناخبوها لحظة بلحظ، بقدر ما تلتقط، بقرون استشعار غاية في التحسس، أية مخالفة لرأي فقهي سائد يدعم وصايتها على المجتمع. ومن هنا لم تكن استجوابات نواب الحركة السلفية الكويتية،طوال الدورة البرلمانية السابقة، موجهة نحو تحقيق مطالب المواطن البسيط المتمثلة في تحسين وضعه الحياتي بشكل عام، بقدر ما تركزت على أمور لا تقدم ولا تؤخر في الهم الحياتي الأساسي، كما حصل عندما أصروا على استجواب رئيس الوزراء لمجرد هدم مسجد على طريق صحراوي!.
هذا،ولم يقتصر تطور وعي الناخب الكويتي على معاقبة تيار الحركة السلفية الإخوانية فقط،بل إنه تعدى ذلك إلى معاقبة تيارات دينية أخرى،مارست أجندتها السياسية ضداً على المصالح الوطنية،أبرزها موقفه من مرشَّحَيْ"التحالف الوطني الإسلامي" الشيعي الذيْنِ خسر أحدهما مقعده، فيما تبوأ الآخر المركز الأخير في الدائرة التي شارك فيها. ومن المعلوم أن هذا التحالف،أو بعض نوابه على الأقل، كانوا قد تكفلوا بإقامة حفل تأبين ل"عماد مغنية" عضو حزب الله اللبناني الذي اغتيل في دمشق في الثاني عشر من فبراير عام 2008م،كتعبير عن تضامنهم مع الحزب. ولا يمكن لأي مرشح أو تيار أو حزب يتبنى خيارات حزب الله، إلا وهو يضع خيارات ذلك الحزب، بما فيها من تصعيد طائفي وتوتير سياسي، فوق الخيارات الوطنية مهما ادعى خلاف ذلك. ولذلك فقد جاءت رسالة الناخب الكويتي واضحة وجلية بأن لا مكان لأي محسوب على حزب الله في أية خيارات انتخابية، فمصلحة الوطن والمواطن مقدمة على مصلحة الأحزاب الطائفية التي تمارس العربدة وإشاعة العنف والتوترات الدينية لحساب قوى إقليمية تعهدت بنشر الطائفية وفق نموذج مذهبي يخدم مصالحها السياسية!.
نعم إن رسالة الناخب الكويتي تعبر،ربما لأول مرة على المستوى الإسلامي والعربي، عن وعي جديد بدأ يدرك أن المهمات البرلمانية هي مهمات دنيوية بامتياز تتكئ على قاعدة"أنتم أعلم بشؤون دنياكم"، وأنها، من ثم، يجب أن تعمل على ما يمكن أن يوفر للناخب ما يحتاجه من مطالب حياتية دنيوية، من جهة، وعلى ما يحافظ على وحدة الوطن وتعزيز أسس المواطنة فيه من جهة أخرى. بعيداً عن إثارة المشاكل وافتعال
الأزمات حول كتاب ترى أنه،وفقاً لمنطق الوصاية، يمكن أن "يؤثر"على عقائد الناشئة!.أو اعتراضاً على زيارة مثقف يخشى أن "يؤثر" سلبا ،ببضع كلمات يلقيها،على تدين العامة!. إن لسان حال الناخب الكويتي لمرشحيه ليقول: أنتم مسؤولون عن تأمين مستقبل أفضل لي ولأولادي وللمواطنين أمثالي في هذه الحياة الدنيا التي قام الاجتماع البشري من أجل تنظيم المشاركة في مواردها المحدودة،أما تديني وعقيدتي فهما مظهران لعلاقتي الروحية بربي تعالى وأنا كفيل بها دونكم. وهي رسالة نتمنى أن تمتد آثارها إلى الناخبين في كافة البلاد الإسلامية لينتخبوا من هم قادرون على ربطهم بواقعهم، بمشكلاته وعقباته وحلوله، بدل أن ينتخبوا من يتاجر بدمائهم بافتعال الأزمات مع أعدائه ليصبوا فوق رأسه حمم العذاب والجحيم، وإن التفتوا إلى الداخل فلن يتعد اهتمامهم تحديد شكل وتفاصيل حجاب المرأة، وما يناظرها من اهتمامات شكلية يجب أن يتكفل بها الوعاظ،لا ممثلو الشعب في البرلمان!.
1
ها نحنُ ندخُلُ في التخلّفِ.. والوَضَاعةِ..
بعدَ ان جعلُوا المرأة تَعتلِي بِفَضَاعةِ
وحرروها من الدين والعشيرَةْ
لكنْ..
على العَرَبِ السلامْ
شُكْرَاً لِلكاتِب على المَقالِ والفكرِ النيرِ الواعي
برونزاااج(كاتبة المستقبل) - زائر
04:04 صباحاً 2009/05/23
2
تغير الزمن و أصبحت القاعدة أن تختار نائبا صادقا فهذا يوقف النماء و لا يصنع لك مستشفيات و يوقف البنية التحتية لذا يجب أن تختار نائبا حراميا يأكل و يوكل
الداب ( أبو خالد ). - زائر
04:53 صباحاً 2009/05/23
3
"نعم إن رسالة الناخب الكويتي تعبر،ربما لأول مرة على المستوى الإسلامي والعربي، "
يعني هي الكويت اول مره تسوي انتخابات ؟؟ والا فقط لانك مبسوط بالنتائج.
محمد العمري - زائر
08:41 صباحاً 2009/05/23
4
ما شاء الله عليك كلما قرأت لك تذكرت المذيع فيصل الدويسان الله يزيدك من فضله
إنتفاض فارس السعدي - زائر
08:44 صباحاً 2009/05/23
5
لا أعتقد أن الكويت وضعت مجلس الأمة والخيار الديمقراطي لكي يقوم أعضاء مجلس الأمة بمديح الحكومة والثناء عليها وتبجيلها والنفاق معها والسكوت عن الفساد المستشري !!!
كبقية الدول العربية !!
أعتقد مايحدث في الكويت ديمقراطية حقيقة وأعضاء مخلصين يهمهم المواطن وليس المناصب !!
محمد عبد الله الرويلي - زائر
09:58 صباحاً 2009/05/23
6
السياسة والدين وجهان لعملة واحدة لايمكن الفصل بينهما بل ان الدين يدخل في كل شئون الحياة،اما لوم الكاتب للمسلمين بسبب غضبهم على التصريح بأن الحجاب عادة فهذا لوم في غير محله فالحجاب ورد فيه نص من القرآن على وجوبه، ارجوا من الكاتب عدم الخوض في المسائل الفقهية وتركها لإصحاب الإختصاص من العلماءوالمشائخ
ابوحمد - زائر
11:04 صباحاً 2009/05/23
7
بارك الله في جهودكم
الله يعطيكم العافيه
sarah - زائر
11:36 صباحاً 2009/05/23
8
النائبات اتيات.والنائبات عند العرب هن صروف الدهر.وهن المصائب...والعرب يعرفون النائبات بالبواقع التي لاتبقي ولاتذر.ومااكثر الاخوان...حين تعدهم ولكنهم في النائبات قليل.
صالح سعيد - زائر
11:38 صباحاً 2009/05/23
9
الأستاذ يوسف
انتخابات الكويت تجد فيها إفرازات قبلية و مذهبية و إيديولوجية. العنصرية تتجلى بوضوح بالمنتديات و بالتصويت من أجل القبيلة أو المذهب و ليس من أجل الوطن.
أجمل شي انتخاب المرأة على أساس الكفاءة و ليس على أساس الإيديولوجيا او المذهب.
ابو هادي - زائر
11:58 صباحاً 2009/05/23
10
أظن كما يعرفه الكويتيون تحالف بين الليبرالين والشيعة
لابعاد من يقدسون القيم..
الكرة الآن في مرماهم.. لنرى كيف تتطور الكويت..
والابتعاد عن فرد العضلات...والصياح.
علي العفالق - زائر
12:14 مساءً 2009/05/23
11
مقال ممتاز جداً ومن يتابع البرلمان الكويتي ولم يلاحظ ما ورد في المقال فنظرته قاصرة..
أحسنت أستاذ يوسف
أبو مشعل - عضو
03:07 مساءً 2009/05/23
12
تغير الزمن و أصبحت القاعدة أن تختار نائبا يشدلك وتقطعلو
حمزة مشرف - عضو
03:58 مساءً 2009/05/23
13
أولا: كانت المشاركة في الإنتخابات متواضعة جداً ونزلت إلى النصف.
ثانياً: لو قرأنا نتائج الإنتخابات لوجدنا أن التنظيمات الطائفية كان لها ترتيب منظم واضح.
ثالثا: الديموقراطية في الكويت لم تنظر إلى تكرارية تعيين الحكومة لخمس مرات على التوالي على أنها دائرة تعود لنقطة المشكلة التي أصطنعت.
عمر الدعجاني - زائر
04:35 مساءً 2009/05/23
14
رابعاً : الوعي الأنتخابي لا يكون من تجربة واحده، فنحن لا نعرف الخلفيات التي تبناها المنتخب الكويتي.
خامساً: هناك طائفية موجودة حتى وإن أرتدت رداء الوطنية.
سادساً : تقول أن هنالك وعي رغم أن نصف المجلس أتى من القبائلية، ولكن فصلها الإعلام!!! عن الأسلاميين، رغم توافق الأراء والتوجهات.
عمر الدعجاني - زائر
04:39 مساءً 2009/05/23
15
يوسف ابا الخيل
من قال ان التيار الاسلامي قد تراجع الامر هذا غير صحيح
ابناء القبائل عددهم 21 عضو ومعروف لدى اهل الكويت ان ابناء القبائل
اصحاب نهج شرعي ويدعمون التيار السلفي لماذا تدعون المنهجية وتخالفونها
بمعنى ان اكثر من نصف المجلس اسلامي
كلمة اخيرة اتق الله وسوف تسئل عن حروفك
فيصل الرياض - زائر
05:36 مساءً 2009/05/23
الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة