الرئيسية > مقالات اليوم

فكر جديد لمشاكل آنية


د.مشاري بن عبدالله النعيم

قال (إلبرت آنشتين) ذات مرة «المشكلات الضخمة التي نواجهها لا يمكن حلها بنفس مستوى الفكر الذي كان سائدا عندما قمنا بصنعها». إنني أفكر الآن، في هذه اللحظة في الحلول التي يجب أن نضعها للتعامل مع المشاكل الكثيرة التي نعاني منها في الوقت الراهن، إذ أنه من المجدي أن نحدث تغييرا في أسلوب التفكير (على الأقل عندما قمنا بصنع المشاكل التي نعاني منها) لا أن نحاول أن نفرض تغييرنا (النمطي التكراري) على الواقع. الفكرة هنا تكمن في البدء بتغيير أنفسنا وطريقتنا في التعامل مع المشاكل لا أن «نلعن الواقع» ونعتبره سبب كل ما نعانيه (نلوم زماننا والعيب فينا...وما لزماننا عيب سوانا). ومع ذلك فإنني لا أريد هنا أن أصعب من الأمر لأن الحديث في العموميات غالبا ما يجعل الأفكار مبهمة ولا تؤدي إلى أي نتيجة، فقد تعلمنا منذ الصغر أنه «كما تكونوا يولي عليكم» ولم نفهم أن المشكلة لا تكمن في الآخر بل فينا، وصرنا نصر على لوم الآخر وتحميله كل الذنوب والخطايا ولم نتوقف كثيرا عند ما اقترفته أيدينا. المشكلة الحقيقية هي أننا لا نرى أو لا نشعر بما نقوم به من أخطاء، وهذا ليس بيت القصيد فقط بل اننا تعودنا كذلك أن لا نسعى للتجديد على مستوى الذات، فنحن نستعيد كل الاخطاء السابقة ونمارسها بدم بارد ونقوم مشاكلنا بنفس الاسلوب الذي عرفتنا التجربة أنه غير مجد. لا نبحث عن الابتكار، لا نحاول بشكل مختلف، لا نمارس الجديد، وهذه والله مشكلة المشاكل. أتذكر هنا انتقاد علماء «الانثربولوجيا» للعقل العربي، فهم يقولون انه عقل «سكوني» لم يبحث عبر التاريخ عن الاخر ولم يحاول أن يكتشفه على عكس العقل الغربي الذي غزا العالم منذ فجر التاريخ وبنى حضارته على ثقافة الابتكار والاكتشاف والتعرف على الآخر. ورغم أنني لست مؤمنا بهذا الرأي كون ثقافتنا تحث على المعرفة والتجديد (وقل سيروا في الارض....هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون...أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت) إلا أن ممارسة العقل العربي للبحث والاكتشاف لم تكن جادة ولم تثمر عن نتائج غيرت تاريخ الانسانية. في الوقت الراهن نحن «تقليديون» نجتر الماضي بكل خيباته ونفرضه على الحاضر، نتعامل معه بخبراتنا السابقة التي خذلتنا كثيرا في وضع كل خططنا المستقبلية. إنه اجترار للفشل، يبعث على الغرابة وأحيانا إلى الحزن والاكتئاب والاستسلام.

ما أود أن أقوله هو أننا نراوح داخل نمط غريب من التفكير يجعلنا نتخوف من التعامل مع الجديد، نرتمي في أحضان «المجرب» (وهذا يخالف القول السائد: «التجربة خير برهان»، فهذا القول يحض على خوض الجديد المجهول لا الركون على المعرفة السابقة) حتى لو كنا متيقنين أنه غير مناسب ولا يصلح لنا (اصبر على مجنونك لا يجي إللي أجن منه)، هذه الثقافة «التكرارية» التي تصنع الاحداث المتشابهة وتعيدها بنمطية محزنة لا تدفعنا إلى حل مشاكلنا بصورة صحيحة وملائمة لما نحتاجه اليوم وبالتأكيد هي بعيدة جدا عن هموم المستقبل ولا تمهد الطريق لصنع أمة يمكن أن تعتمد على نفسها فضلا على أن تساهم في صنع الحضارة الانسانية. ثقافة «التكرار» هنا هي ثقافة خوف من المجهول الذي يدفعنا إلى التقوقع والاكتفاء بالمجرب رغم أن المجرب نفسه كان في يوم ما جديدا، لكن مارسه غيرنا، فنحن نخاف من التجربة ومن الابتكار لكننا لا نرى أي حرج في أن نجرب ما جربه الآخرون الأمر الذي يجعلنا «مقلدين» من الدرجة الأولى، نكره أي محاولة للتجديد لأنها محاولة غير مأمونة العواقب.

يقول (كارل بوبر) ان تقدم المعرفة ليس بالاثبات بل بالنفي، وهو يقصد هنا أن أي معرفة لا يمكن أن تتطور عبر تأكد ثوابتها بل بمحاولة نفيها وتحديها، فهذا هو الذي يصنع الأسئلة المعرفية الكبرى. سكونية المعرفة تعني جمود العقل، والتعامل مع كل المشاكل بعقلية سكونية جامدة يعني «تسكين» المشاكل لا حلها وتعني تكرار الاجيال لا تطورها. وفي اعتقادي الشخصي أن الأمة العربية تعاني في الوقت الحاضر من هذا السكون المميت وهذا التكرار للأجيال الذي يمارس نفس الإخفاقات بعيدا عن أي محاولات للتغير وبالتالي نشعر أننا نقف في نفس المكان وكأننا لا نتحرك. وأحيانا نتمنى أننا لا نتحرك لأن حركتنا دائما للوراء، فنحن لا نتقدم، نشعر بأننا في مأزق لكننا لا نتحرك أو أننا نستعيد أسباب اخفاقاتنا. الخوف من الجديد يبدو أنه تغلغل داخلنا إلى الدرجة التي صرنا مكبلين، نرى الآخرين يبتكرون ويفكرون في المستقبل بشكل إبداعي، يصنعون الطريق للأجيال القادمة ونحن نتخوف من كل شيء. لا إصلاح في التعليم ولا إصلاح في السياسة، ولا إصلاح في المجتمع. العالم العربي بدأ يجف إبداعيا ونحن نرفع أصواتنا ننتقد الآخر ومؤمراته ونلقي باللوم على القادة الذين خذلونا وكأننا أبرياء لم نمارس الدور نفسه ولم نستسلم أمام كل ما يقدم لنا ولم نقف مكتوفي الأيدي ونتفرج (أحيانا بمتعة) ونحن نرى ثقافتنا تنتحر في «الظلام» الساكن.

التغيير يعني بالدرجة الأولى تحدي الواقع، وفي اعتقادي الشخصي لا يحدث التغيير بفرضه على الواقع لكن بالتحدي المعرفي للواقع، أي أنه إذا ما أردنا أن نتعامل مع مشكلة التعليم، كأحد مسببات الجمود الفكري والثقافي والاجتماعي وحتى السياسي والاقتصادي، يجب أن نتحدى الواقع بفرض قيم جديدة في التعليم وإصلاح أنفسنا على المستوى الاجتماعي والمهني (من يقوم بعملية التعليم). المشكلة تكمن في أنه لا يوجد مبادرات للتغيير على مستوى الأفراد، لأن الثقافة السائدة هي ثقافة سكونية استسلامية تنتظر الآخر كي يقوم لها بالتغيير (أيا كان هذا الآخر) كما أنها ثقافة «اتباع» فهي تقلد وتتبع لا تبتكر ولا تفكر. أذكر أنني قلت لأحد ما ذات يوم ان الإنسان إما أن يكون تابعا أو متبوعا (وكنت أتحدث عن التصميم المعماري) وقد صدم من قولي هذا فلم يتعود على حديث في التصميم عن التبعية خصوصا عندما قلت له انني لن أكون تابعا في يوم لكنني لن أفرض على أحد أن يتبعني. ثقافة الامام الشافعي التي تعتز بالرأي (المبني على ثقة معرفية عميقة) فقدناها كليا وصرنا مجرد هياكل يمكن ملؤها بكل شيء لأنها هياكل فارغة.

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 6

  • 1
    اتابع مقالاتك كل يوم سبت يادكتورمشاري ودعواتك بالتغيير والإصلاح وبالذات في مجال التعليم والجامعي بالذات
    بلدنا فيهاخيركثير المشكلة هي في الثقافةالسائدة التي أسميها ثقافة الخويا وهذه تنتج الفسادبكل أشكاله
    من يعلق الجرس يادكتورنا العزيز؟

    ابوفراس - زائر

    09:59 صباحاً 2009/05/23


  • 2
    بارك الله في جهودكم
    الله يعطيكم العافيه

    sarah - زائر

    11:39 صباحاً 2009/05/23


  • 3
    كلام جميل جداً، لأن الأمم التي سبقتنا بكل المقاييس، كان العامل الرئيس لديها هو العلم والمعرفة والإبتكار والعمل المستمر بكل الموارد المتاحة، وليس العيش على التمني والقول دون عمل يذكر !!!.

    مجاهد عبدالله النويصر/الرياض - زائر

    02:19 مساءً 2009/05/23


  • 4
    سلامي إليك
    حسب قناعتي تكمن المشكلة بمفهوم " حشر مع الجماعة عيد " أي دفن الرؤوس في الرمال والهروب إلى الأمام بإعادة إكتشاف العجلة بدعوى الأصالة والخصوصية والوصاية " وما أريكم إلا ماأرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد ".

    مواطن مهتم - زائر

    02:20 مساءً 2009/05/23


  • 5
    لا عدمناك أستاذي موضوع رائع ومهم للغاية...سلم البنان

    جابر الحريصي - عضو

    05:04 مساءً 2009/05/23


  • 6
    متى يتجه الناس للتغير بطرق جديدة:
    المشروع التالي فيه الكثير من أدوات التغيير الجديدة و القابلة للتطبيق , إذا اقتنعت معي بالمشروع, فدعنا نسارع في تطبيقه على اسرنا و ندعو الآخرين اليه
    منتدى د. المقريزي >> ذرية ضعاف - ذرية طيبة

    د. يوسف السعيد - زائر

    08:12 مساءً 2009/05/23



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة