في طريقي إلى الياسمين الذي أحبّه آناء الليل وآناء النهار.
عدلت على مطعم إيراني، لم يكن فيه إلا زبون واحد، سألته إن كان إيرانياً، قال ألا يبدو أني عراقي..؟ ألا ترى أني واقف على يديّ؟ ألا يبدو أني آكل وأنا لا آكل، إني يا سيدي أتناول أحزاني، أبحث في هذا الوعاء عن مخرج، أرسم عراقاً خارج العراق.
كان فعلاً يحرك السكين والشوكة في صحنه، كمن يدير معركة خاسرة، كن يحاول أن يأكل، ظل يحدثني بشهية لامثيل لها، تلقى هاتفاً فأكلت وجبتي وهو واقف فعلاً على يديه.
استضفته وخرجت، قلت له وأنا أودعه، اسمي فلان، ذهبت إلى ياسميني بحت لرائحته بأسراري، ثم عدت عبر الشارع الذي كان فيه الواقف على يديه، دخلت حانوتاً لكي اشتري زنجبيلاً يرافق تجلياتي.
دخل الواقف على يديه والهاتف في أذنه، سألني إن كنت فعلاً «فلان»، أومأت برأسي أن نعم.
وتحب الزنجبيل؟ سألني، قلت وأحب الياسمين.
كان على الهاتف أحد أصدقائه، وقال له إني كنز نادر وأن عليه أن يعثر عليّ وطلب مني مهاتفة صديقه.
تحدثنا قليلاً واتفقنا على لقاء مشترك.
دعوت العراقي على فنجان قهوة، واخترنا مقهى يقدمها مع كتاب.
اخترت العراقي الواقف على يديه كتاباً لذلك اللقاء.
اكتشفت أن بيننا من الكلمات ما يكفي لكي أقف على يديّ.
كان لاجئا سياسياً إلى فرنسا في عهد صدام، ثم أخذه الوهم إلى العراق الجديد.
كان في أحد شوارع بغداد بالصدفة، أغلقت إحدى الفرق المسلحه كل منافذ الشارع، اقتادوهم إلى ما يشبه السجن، وهناك سألوهم، من قتل، من وشى، من خان.
كان على كل مرتادي الشارع والعاملين فيه أن يدفعوا الثمن موتاً.
ولكن أي موت.
يقول الواقف على يديه، أخرج قائدهم علبة صمغ إيراني اسمه «أميري»، يكفي أن تضع قطرة واحدة بين اصبعين حتى يصبح مستحيلاً فكهما إلا بعملية جراحية.
وضع القائد قطرات على شفاه البريء الأول، ثم ألصقها، وقطرات على أنفه فانسد الأنف والفم، ثم كتفوا يديه خلفه.
... يا إلهي، وبكيت، وبكى معي الواقف على يديه.
تخلل حديثنا أنواع أخرى من الموت العراقي.
في المساء قابلت معه صديقيه الآخرين، من بلدين عربيين أخاف ذكرهما، لأن ما سمعته ذلك المساء كفيل بأن أقف أنا الآخر على يديّ، كم في باريس من واقف على يديه.
احتميت بالياسمين ونمت لكي أصحو بالياسمين.
1
لو تعلم الناس حب الياسمين و الفل و الموسيقى... لخلت الدنيا من ناس تستخدم ( الصمغ ) الذي ورد ذكره.
latifa - زائر
08:28 صباحاً 2009/05/22
2
مقال رائع ما اقسى ان تتحمل أخطاء غيرك
حمزة مشرف - عضو
09:09 صباحاً 2009/05/22
3
عبق زهور الياسمين المتيبسه من الشمس بآت خافتا يهمس لي باني خائفه من مايدور بالقرب مني عبر الحدود الموضوعيه للحقيقه..
سيدي اتمنى ان نظل نسقي الياسمين حتى لانصحو يوما ونجده تيبس ونحن نحتمي بالهشيم
تحياتي لك
منيرا المشوح - زائر
10:22 صباحاً 2009/05/22
4
هنا...وخلال بضع دقايق وعيني تتنقل من مشهد الى مشهد...
عشت الوضع وكاني فيه...كلمات قد تجعلك تذوق الم المعركه وانت لم تخضها
انها كلمات المتالم بظلم الماضي...وتفنن الحاضر...
لك مني يا اخي كل الود
سعيد على موسى القحطاني - زائر
02:20 مساءً 2009/05/22
5
ان ما يفعله الصفويين في العراق شي عجيب
ان هولاء لا يقمعهم الا الجهاد
ولا يقمعهم الا ان تمسكنا بديينا
ان هولا ء الحاقدين لا يميزون بين عراقي او سعودي او مصري او مغاربي
او خليجي او شامي مهما كنت
اهم شي انك سني فسوف تلقى العذاب
هم اذل واجبن ان تمسكنا بديينا كما اسلفت
فيصل الرياض - زائر
03:04 مساءً 2009/05/22
6
يا مبدع لقد اتعبت من قراء ومن كتب ايضا وصاحبك وصاحبية الاخرين امثلة بسيطة للالاف من عرب المهجر الذين واقفين على ايديهم ولكن ان تقف على يديك وانت تتكلم خيرا من ان تقف على رجليك وفمك مكموم ولا تستطيع التفكير بصوت مسموع1
سلامي لياسمينتك وقد ياتي يوما ما ونحتسي شيئا من زنجبيلك
عبدالخالق الغامدي - زائر
03:17 مساءً 2009/05/22
7
مااجمل الياسمين ونقاء لونه الأبيض.. كقلوب الناس الطيبة التي افتقدناها
من يومين.. ارجو الله ان يكونوا بخير..
شكرا للكاتب لو اني مافهمت شيء ؟!!
الجوهرة بنت عبدالله - زائر
03:38 مساءً 2009/05/22
8
وما ذلك إلآ بعض من جراح العراق..
شكرا لك أخي الكريم هذه المشاعر..
سبك بك - زائر
05:51 مساءً 2009/05/22
9
شكرا على هذا المقال
ابو محمد - زائر
06:33 مساءً 2009/05/22
10
وأبكيتني معك أستاذي..
إن القلم ليعجز أن يُنجز لك ثناء..
تأملي لوردة ياسمين.. تذكرني برجل نبيل...
قارئه - زائر
09:14 مساءً 2009/05/22
11
لطيفة تعليق رقم 1
لقد صدقت فيما قلت
والدليل كثرة الجرائم البشعة عند الفنانين فهل تذكرين ذكرى وسوزان وغيرهم كثير
ولا تنسين الفساد الأخلاقي الذي لدى الفنانين والحسد الذي صرح به كثير منهم
المهم الموسيقى لا تاتي بخير
بل هي بريد الزنا
وهي محرمة شرعا
فكيف تكون كما تقولين
التميمي النجدي - زائر
10:22 مساءً 2009/05/22
12
كنت أحسب أن الزنجبيل لايباع الا في سوق الثلاثاء في ابها على العموم الله يكون في عون اخواننا العراقيين وغيرهم من المسلمين المستضعفين.
عبدالله علي - زائر
11:57 مساءً 2009/05/22
الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة