الرئيسية > أدب الجمعة

ظلل

طفل ليس أغلى من الجار


نايف رشدان

قبل ثلاثين عاماً، انطلق الرجل الوقور بسيارته إلى عمله كدأبه كل صباح، وفي نهاية الشارع الذي يقع عليه منزله، فوجئ بطفل في الخامسة من عمره ينطلق كالسهم من جوار والده الذي كان (يعاير زيت سيارته) حتى ارتطم بسيارة هذا الرجل ولم يكن يقود مركبته بسرعة كبيرة لكن الطفل مع قوة ارتطامه شُجهَ رأسه وسقط على الأرض وخرج الناس في صراخ هلعين، ومن بين أصوات النسوة والأطفال كان هناك صوت مستثنى إنها والدة الطفل وهي تقول (الحمد لله الحمد لله إن شاء الله «بسيطة» اذكروا الله) لكن صاحب المركبة الوقور الذي ابتلي بهذه المصيبة تجمّد الدم في جسده، وتسمرت أنامله، وأصابه خوف شديد، فلم يقدر على النزول من سيارته، فركبتاه تصطكان ويداه تلتصقان بالمقود، وعيناه شاخصتان، وناله من الهلع والرعب ما الله به عليم، ومع انشغال الناس بنقل الطفل إلى المشفى ومحاولة إيقاف دمائه، تقدم والد الطفل بخطوات وئيدة متزنة ليربت على كتف الرجل ويطيّب خاطره ويهوّن الأمر عليه، ويقول: (لا بأس إن شاء الله، هذا مقدر ومكتوب، وأنت ياللحية الغانمة ما لك ذنب.. واللي كاتبه الله يصير...) ونادى بكوب ماء بارد للرجل المفجوع مطبطباً عليه ثم عاد الرجل ليغلق (كبّوت) سيارته ويلحق هو وزوجه بطفلهما الذي نقله الجيران وأقاربه إلى مشفى «الشميسي»، حيث كان الأقرب إلى حي «منفوحة» آنذاك، أما الرجل المفجوع فقد اتجه إلى منزل أحد أقاربه في الحي ذاته، طالباً منه أن يحمله إلى المشفى للاطمئنان على الطفل، وما إن أوصله إلى بوابة المشفى هُرع الرجل يبحث عن الطوارئ والإسعاف وعند الباب استقبله صوت هادئ متزن يملؤه الإيمان والسكينة إنه صوت الأم (يا(أبو سلطان) نبشرك أن الولد طيب والآن هم يحطّون له غرز وبيطلع إن شاء الله .. وجزاك الله خير على جيْتك) وما كاد هذا الصوت الإنساني يقف حتى تهادئ صوت (أبو إبراهيم) إلى جاره المفجوع يطمئنه ويرجوه أن يلحق بعمله، ويشكره على زيارته، وأخذ يمازحه ويضاحكه رغم أن الطفل تعرض لسحل في كتفه وجروح في بطنه وتم عمل عدد كبير من الغرز في رأسه ومع أن (أبا سلطان) أصرّ على رؤيته والاطمئنان عليه إلا أن والد الطفل أقسم عليه ألاّ يراه مخافة أن يتأثر من المنظر ثم خرج أبو سلطان بعد محاولات من التهدئة وصاحبه الذي أوصله متعجباً من حال والديّ الطفل ولا يكاد يصدق مثل هذا الموقف من رباطة الجأش والصبر وفوق ذلك حسن الخُلق والإحسان إلى داهس طفلهما، واستمر أبوسلطان على صلته بالعائلة يسأل عنهم ويزورهم بشكل متواصل وكأنهم جزء من عائلته، تلك القصة أبطالها أبو سلطان المطيري، وأبو إبراهيم المنيع وزوجه. إنها برقية من عقود ثلاثة إلى أبناء هذا العصر الذين لا يصبر أكثرهم على أقل الأذى في حق جاره، ولا يتحمل هفوات الجيران، ولو كانت كرة جلدية يقذف بها أحد الأولاد لتصيب بوابة الدار ليخرج صاحبها مزمجراً متوعداً أو لا يتورع أحدهم عن إثارة الفزع والخوف لدى جيرانه بتوزيع الألعاب النارية على أبنائه ليحدثوا ضجيجاً وصخباً مؤذياً عدا الصور المتعددة التي تعبِّر عن التأزم والحساسية المفرطة من جيران هذا العصر بعضهم من بعض، وحتى لا نقع في وهاد التعميم نشير إلى أن من بين ظهرانينا نماذج مشرقة في الجيرة نقف لها احتراماً مثل ما وقفت احتراماً عدة مرات لحسن الخلق الذي يتحلى به جيراني في الحي وهذا من فضل الله.

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 6

  • 1
    الحمد لله ان الدنيا باقي بخير

    aldossri - زائر

    10:13 صباحاً 2009/05/22


  • 2
    الله الله مشهد في قمة الروعه استاذ نايف...
    اعتقد ان هذه النماذج من الجيران تتلاشى كل مازادت رقعة المدينه اللتي تسكن فيها
    شكرا ابا ثامر وجمعه مباركه

    عطالله العنزي - زائر

    02:01 مساءً 2009/05/22


  • 3
    كم نحن بحاجة الى إظهار مثل هذه الدرر من قيم المجتمع.
    للأسف إن المجتمع الحديث غطته الماديات وصعف الإيمان بالله.
    يذهب احد الآباء الى المدرسة ويعنف المدرس أو يعتدى عليه لإنه ضرب إبنه بغرض تأديبه.هذه واحده من الصور المخزية للمجتمع الحديث.
    لقد ابكتنى رواية هذه الحادثة حزنا على قيمنا التى اختفت.

    محمود ابوطالب - زائر

    02:27 مساءً 2009/05/22


  • 4
    مقال يستحق ان ينشر بنطاق اوسع
    لأن فيه المثال الحي
    والأولين الكبار يحق لنا الكتابه عنهم بدون استثناء احد من اهل الطيب
    لما يمثلونه من قيم كانت مشاهدة للبصر ومنحوته في النفوس
    دمت بتوفيق الله ياابوبندر

    ابو حسام - زائر

    03:14 مساءً 2009/05/22


  • 5
    ما شاء الله عليهم قمة التأني و الأخلاق الكريمة...قصة رائعة أستاذي نايف
    إنما الأمم الأخلاق مابقيت فإن ذهبت أخلاقهم ذهبوا
    ياليت نستفيد من هذه القصة وتكون صدورنا أوسع...تحياتي

    جابر الحريصي - عضو

    05:14 مساءً 2009/05/22


  • 6
    لايكاد الانسان يسمع بهذه القصه الا ان يقف محاسباً نفسه عن قيماً ذهبت ادراج الرياح في واقعنا هذا..
    ولكن مثل هذا النموذج يثلج الصدر ويرفع في داخلنا درجات التفاؤل في انه يوجد أناس يفخر الانسان انه ينتمى الى مجتمعهم..
    حب الناس والتسامح والايثار وحسن الاخلاق
    أقصى درجات الانسانيه..
    شكرا اخوي نايف

    ماجد العنزي - زائر

    10:48 مساءً 2009/05/22



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة