الرئيسية > الأخــيــرة

بالفصيح

فوق جهل الجاهلين


عبدالله الناصر

ليس أكثر فتكا من الجهل شيء!! وأجهل الجهل أن تدعي العلم بشيء وأنت لا تعرفه..! أو أن تأخذ منه طرفا يجعلك اكثر جهلا به, فأنت بذلك تزيد الإساءة، بما تظنه علما ومعرفة!

أقرأ أحيانا في بعض مطبوعاتنا حرصا على الاستزادة من المعرفة, والاكتشاف, والابداع.. غير أنني في الغالب لا أجد شيئا ذا بال فأصاب بالقنوط, واليأس من صلاح الحال.. فعندما أذهب الى الشعر لا أجد شعرا يبهج الخاطر ويسر القلب إلا فيما ندر.. وأذهب إلى الرواية فلا أكاد أسير فيها بضع خطوات حتى أتعثر, وأسقط من كثرة الحفر, والجفر, والركاكة, وقلة الذوق, وفساد النية الفنية.. فأذهب الى كتابة الفكر فلا أجد في الغالب الا مماحكات, وجهالات, ومكاوحات, وضلالات, وبغضاء تقطر منها رائحة النتن, لا رائحة العقل, والحكمة.. وأذهب إلى الفلسفة فأشفق على الفلسفة.. إذ لا أجد إلا الامعان في السقوط, والايغال في الارتباك, والتخبط, والمماراة بالجهل, واستعارة عقول الآخرين, وابتزاز المواقف, واستعلاء الصغار, والارجاف من الدهماء, والرعاع, والذين أصبحت لهم أرجل تقوم مقام الرؤوس والافهام..! وكنت ولا أزال أطرح هذا السؤال الملح صباح مساء: لماذا إلنا إلى ما إلنا إليه؟ ما السبب؟ فالمعرفة تزداد يوما بعد يوم, وبابها يتسع, والاضواء لا تتزاحم كما يقال, والعقول الرفيعة تعرف مسالكها, ولا تخطئ دربها نحو الحقيقة.. كما أنها لا تبتئس بشيء كما تبتئس بالضلالة, والانحراف..!

إذا ما السبب؟!.. أعود وأقول كما بدأت إنه الجهل. فلا أدب حقيقي, ولا إبداع حقيقي بلا معرفة عميقة بأصول اللغة وعبقريتها, ولا أدب حقيقي بلا تعمق جاد, وتبحر, واطلاع واسع وإلمام بأبواب هذا الفن, واصوله, ومذاهبه, وحفظ متونه, والالمام بغرائبه.. فلا شيء يولد من الفراغ, وما أكثر أصحاب الفراغ الذين يريدون أن ينتجوا أدبا رفيعا فيسقطون في أول درجة من درجات الصعود والارتقاء..

ولا فكر حقيقي إلا بقراءة جادة ومتأنية جامعة, ذاهبة مذاهب عميقة في مناحي الابداع العقلي للانسان, ومن ثم التوصل إلى معطيات فكرية قائمة على أسس الحق المشاع في حرية الارادة, وحرية العلم والمعرفة, بعيدا عن الانتقائية, والتربص, والتشفي, فذلك مخل بالامانة الاخلاقية لروح المعرفة, ومخل باصول المحبة الانسانية..

ولا فلسفة حقيقية يمكن أن تخرج من رؤوس فارغة لا شيء فيها إلا طنين الكراهية, والكيد, والجنوح, والاعتداد بالسفاهة, والمجانة, والزيغ, والمهارشة, واعتبار عقول الآخرين مطافئا للرماد. بينما يرون أن فقاقيع طفحهم لآلئ من نور..!!

إذا فلنعترف أن أزمتنا الحقيقية هي أزمة جهل بواقعنا, بأدائنا وأدواتنا, أزمة جهل حتى بالطريقة السليمة التي ينبغي أن نسلكها للتفاهم فيما بيننا. فكل منا يفخر ويزدهي بأنه: ((يجهل فوق جهل الجاهلين..))

إذا فليتنازل كل منا قليلا... لننزل من أبراج جهلنا العاجية إلى ساحة المعرفة.. المعرفة التي لا لبس فيها, ولا غموض, ولا كراهية, ولا دغالة وكبر.. والا فإننا سنكبر وتكبر معنا أمراضنا.. سوف يتقدم بنا عمر الجهالة اكثر وسوف تكثر وتكبر معه أوجاعنا المُتِلفَة والتي يلفها الخرف فتصبح حالنا المعرفية مثل حال تلك العجوز التي كثرت عليها الاسقام والأدواء فظنت أن الحل عند طبيب الحي, فذهبت إليه وقالت: يا طبيب الزمان انقذني بطبك فقال: كم عمرك يا خالة ومم تعانين.؟!!

قالت: عمري تسعون واعاني من غبش في الرؤية وثقل في السمع..

قال: ذلك من التسعين..

قالت: إني أعاني من أوجاع في الظهر والركب والمفاصل..

قال: كذلك من التسعين..

قالت: أشعر بالنعاس لكني لا أنام, وأريد أن أتذكر فلا أستطيع.. وأهم بفعل الشيء فلا أقدر..!!

قال: هذا من فعل التسعين..

قالت: اهذا كل ما عندك؟!!

قال: نعم

قالت: أنت حمار ولست طبيبا.

قال: وهذه من التسعين أيضا يا خالة.

وأقول: يبدو أن كل ما أصابنا ويصيبنا من تخبطات علمية, ومعرفية, وثقافية بل وسياسية هو بسبب وصولنا, وحصولنا على التسعين درجة من أمراض خالتنا ((الجهالة))!! والله المستعان.

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 55

  • 1
    الله الله عليك ياأبو فادي ,,, مبدع
    صورة مع التحية لأبو نايف

    أبو محمد - مانشستر - زائر

    04:12 صباحاً 2009/05/22


  • 2
    استاذي عبدالله ,,
    انا انسان ابلغ الواحده والعشرين من العمر والحمدلله وهبني ربي حب القراءه والاستطلاع ,,
    ولكن اريد ان اشهد شهادة حق لوجه الله ,,
    تبقى انت الاميز والافضل على مستوى الكتابه في الدول العربيه كلها ,,
    ووالله يااستاذي اني انتظر مقالاتك على احر من الجمر ,,مع العلم: اني لست متدين.

    الحمدلله على هبته - زائر

    05:06 صباحاً 2009/05/22


  • 3
    هل تستطيع أن تعد لي 10 مجلات علمية تطبع في كل دول الخليج معا

    د سعيد صباغ - زائر

    06:37 صباحاً 2009/05/22


  • 4
    تشخيص دقبق لواقع مرير من ناصح أمين ولكن نريد آلية للعلاج وإنقاذ الحال أسأل الله أن يوفقكم لطرح آلية لعلاج الوضع الإعلامي المتردي ولعل معالي وزير الإعلام الذي نحسن الظن به أن يدعم خطة استراتيجة لإعلام واعي مسؤول وان يتكاتف معة الشرفاء الأمناء على مصلحة الوطن. وفق الله الجميع لكل مافيه خير وصلاح.

    منيرة عبدالعزيز - زائر

    07:22 صباحاً 2009/05/22


  • 5
    دائما مانحبط ؟وهذا سر تاخرنا

    متابع - زائر

    08:00 صباحاً 2009/05/22


  • 6
    اذا مادمنا وصلنا الى هذا الحال فالحل عندي وهو التوجه نحو الفكر الصناعي لكي نصبح منتجين خصوصا أن المواد الأولية موجودة والارادة موجودة والمجتمع شابا طموحا لندعم ذلك بالقلم والبحث العلمي والدعم المادي بلا من هذا الهراء والزيف وكفانا ادبا وشعرا ورواية وفلسفة ومجونا نريد أن نصنع على الاقل مانلبسة

    حمد الشبوي - زائر

    08:36 صباحاً 2009/05/22


  • 7
    جميل جدااا
    بارك الله فيك

    Hope - زائر

    08:45 صباحاً 2009/05/22


  • 8
    مشكلتنا الرئيسية الجهل
    لا فض فوك يا استاذ عبدالله
    ولكن المقصود من "نجهل فوق جهل الجاهلينا "
    ليس الجهل بمعنى عدم العلم
    ولكن حسب علمي ان المقصود به الاعتداء
    والله اعلم
    شكر الله لك استاذي الفاضل

    ابودانة - زائر

    08:46 صباحاً 2009/05/22


  • 9
    للأسف هذا هو الواقع. وفقك الله أستاذ عبدالله.

    ايمان سلطان - زائر

    09:22 صباحاً 2009/05/22


  • 10
    تكفى ياكتبنا!!
    والله لونك عبدالله بجاد ولا تركي الدخيل على غفله

    فاااهم صح - زائر

    09:22 صباحاً 2009/05/22


  • 11
    استااذ عبدالله انا من الكثيرين اللذين يحترمون شخصك الكريم. ويحترمون قلمك النبيل.. استااذي من الناادر ان اقراا مقال فيه هذا الجمال من المفردات والواقعيه... انا عندما قراات المقاال احسست ان الموضوع يخصني وليس يخص امه او مجتمع. تحيااتي يارجل بانتظار ماهو جديد لانك تستحق منا الانتظار.محبك في الله

    fahad - زائر

    09:25 صباحاً 2009/05/22


  • 12
    بارك الله فيك ونفع بك

    عبدالله ابوصالح - زائر

    09:26 صباحاً 2009/05/22


  • 13
    أستاذي العزيز،
    أهدى إلي صديق وكاتب روائي مسودة لرواية جديدة له قبل نشرها، وبعد فترة سألني عن رأيي في ما كتب، فقلت له الرواية جميلة لولا التشدق اللغوي فيها، فاتهمني بعدم الفهم و الخلو من الذائقة اللغوية، فقلت له ياعزيزي حاز نجيب محفوظ قبلك على جائزة نوبل في الأدب.. يتبع

    أبو عبد الله - زائر

    09:36 صباحاً 2009/05/22


  • 14
    قد يكون الجهل احد اسباب جهلنا او تخلفنا، ولكن لننظر الى الموضوع من زاوية اخرى بأمثلة بسيطة من واقعنا، هل نفع العلم المدخن وأقلع عن التدخين، هل نفع العلم المدمن وأقلع عن الادمان، هل نفع العلم السارق وكف عن السرقة،هل نفع العلم طيشان الشباب، كما قلت المعرفة يجب ان لا يصاحبها كراهية وحقد وكبر والا

    محمد العمار - زائر

    09:40 صباحاً 2009/05/22


  • 15
    .. ولم يتشدق قط في أي من رواياته.
    مشكلتنا ياأستاذي أن أغلب الذين يكتبون يخاطبون في إنتاجهم فئة الصفوة في مجالهم، متناسين أن مؤشر نجاحهم هو الناس. فالشاعر أو الروائي لابد أن يكون من الناس وللناس وليس لفئة معينة في نادي أدبي تصفق له في حين أن رواياته يعلوها الغبار في أرفف المكتبات.

    أبو عبد الله - زائر

    09:47 صباحاً 2009/05/22


  • 16
    ولهذا سيدي ترى احوالنا الاجتماعيه في غمامه الجهاله وعبث المتجهمين المتجاهلين لكل حق ومعرفه..
    العلم اذا زاد باهله ارتقى بهم وعلمنا تلاشى... وحالنا هاهو امامنا..
    (صعبه حاله الشباب مننا والفتيات بوسط كل هذا عندما اصبحت الجهاله فرضا وطلب غيرها حطرا على البعض فقط)
    شكرا لك

    منيرا المشوح - زائر

    09:48 صباحاً 2009/05/22


  • 17
    ولهذا سيدي ترى احوالنا الاجتماعيه في غمامه الجهاله وعبث المتجهمين المتجاهلين لكل حق ومعرفه..
    العلم اذا زاد باهله ارتقى بهم وعلمنا تلاشى... وحالنا هاهو امامنا..
    (صعبه حاله الشباب مننا والفتيات بوسط كل هذا عندما اصبحت الجهاله فرضا وطلب غيرها حطرا على البعض فقط)
    شكرا لك

    منيرا المشوح - زائر

    09:59 صباحاً 2009/05/22


  • 18
    بارك الله فيك أخي القدير/ عبدالله
    المسألة ليست في النزول من أبراج الجهل العاجية إلى ساحة المعرفة كما أمرت, بل كيف يفعل المجتمع ذلك هذا ما آمل من سعادتكم توضيحه في إحدى مقالاتك اللاحقة.
    بالتأكيد أخي عبدالله المسألة ليست في نقص المعرفة بل في نقص الإرادة, وقل من يفطن لذلك والله المستعان.

    سعد العبدالله-حائل - زائر

    10:32 صباحاً 2009/05/22


  • 19
    يا أبا عبدالعزيز عرفك الجميع بشهامتك الأصيلة, وبيمينك الكريمة, ولسانك الكريم, وبعقلية قيادية ادارية فذة, وباءخلاصك لأمتك ووطنك, فأصبحت مثار اعجابه وتقديره ولله الحمد, فهنيئا لأمة انجبت هذ الأبن البار.

    ابن مقبل ,,, خالد - زائر

    10:54 صباحاً 2009/05/22


  • 20
    جميل ان تتطرق للجهل الجديد الذي يحاصرنا
    اقرأ كتاب دونكان و الذي ترجمه القاضي بعنوان ( الجهل الجديد و مشكلة الثقافه )
    فهو يرمي لمثل ما يرمي له هذا المقال الرائع
    شكرا ً جزيلا ً لك

    فتنه - زائر

    10:55 صباحاً 2009/05/22


  • عرض جميع التعليقات

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة