هذا الشعار slogan الذي ردده الرئيس الأمريكي خلال حملته الانتخابية، وهو شعار يعني أن مقدرة الشعب الأمريكي على التغيير موجودة، متى ما أراد الشعب، وهو شعار يحمل في طياته كثيراً من الوعود التي أعلنها الرئيس أوباما. على أن هذا الشعار وتلك الوعود تظل مثل عشرات غيرها قابلة للتطبيق أو غير قابلة، حسب الظروف السياسية.
وواشنطن تعرف قبل غيرها أن الشعارات السياسية يمكن تجاوزها بسهولة، وتبقى على الورق، ولا تجد طريقها إلى التطبيق، ولو أردت إعطاء أمثلة من التاريخ الأمريكي لملأت الصفحات الكثيرة، لكن ليس هذا من قصدي أو وكدي.
إن معظم الشعارات الأمريكية التي ينظر إليها الناس على أنها وعود مؤكدة لا تنظر إليها واشنطن هذه النظرة، واشنطن المملوءة بالشعارات والوعود السياسية، لا تعير تلك الشعارات قيمة أو اعتباراً، إذا ما تغيرت الظروف المحيطة. إن مقدرة واشنطن على نسيان شعاراتها السياسية مع كل إدارة جديدة قدرة عالية. وهذه القدرة تذكرني ببيت شعر عربي طريف يقول: أنا أمرئ أغير حال إلى حال** لو نبتت لحية لخالتي دعوتها يا خالي.
ترددت على بعض مراكز العصف الذهني في واشنطن وعرفت معرفة المتأكد كيف لتلك المراكز استيعاب فكرة التغيير, وليس بالضرورة تغيير من سيئ إلى حسن، قد يكون التغيير من حسن إلى سيئ، أو من سيئ إلى أسوأ. أنا عرفت مقدار العلمية والمنهجية التي يمتطيها من يسمون أنفسهم بالخبراء في تلك المراكز. إنه ليخيل إليك وأنت تستمع إلى أحدهم أن ما يقوله صحيحاً، ومبنياً على دراسات مستفيضة.
ليست المشكلة في نظري أن تغيّر واشنطن شعاراتها، المشكلة عندي أن تقوم بعض مراكز الدراسات والبحوث السياسية في واشنطن إيجاد التبريرات العلمية وربما المنطقية للتغيير. والكل يعرف أن التغيير سنة من سنن الكون، والكل يعرف أن التغيير سمة إيجابية من سمات الشعب الأمريكي. التغيير في أمريكا يطال كل مناحي الحياة، ويقول أحد فلاسفتهم أن الشعب الذي لا يتغير شعب ميت، ذلك أن التغيير يدل على الحيوية والديناميكية.
كل هذا مقبول ومعروف. ولا أظن المجادلة بشأنه مسألة ذات بال. لكن ما يمكن المجادلة بشأنه هو التغيير السريع غير المدروس الذي يطال السياسات العليا لأمريكا، مثل المصالح الأمريكية العليا في الخارج. وأنا لا أعرف كيف تتغيّر المصالح بين سنة وأخرى. إلاّ إذا جد حدث من النوع الثقيل، كنشوب صراع عسكري، أو أزمة اقتصادية أو مالية كبيرة.
العجيب أنه خلال إدارة الرئيس جورج بوش كان هناك حزمة من الوقائع الخارجية تُعد من ضرب الخطر على الأمن القومي، وبالتالي شحنت واشنطن عضلاتها للتصدي لتلك الوقائع، مثل السعي الإيراني للحصول على التقنية النووية. أو مثل الواقع الجيوسياسي في أفغانستان، أو مثل ضرورة الوجود العسكري الأمريكي في العراق. ثم في غضون أشهر بدأت واشنطن تُغير نظرتها لتلك الوقائع، وبدأت تروج أن تلك الوقائع لا تشكل خطراً على الأمن القومي الأمريكي.
شعارات الرئيس أوباما مثل غيره من الرؤساء الذين سبقوه، وفي عرف واشنطن ليس بالضرورة أن يفي الرئيس المنتخب بوعوده التي وردت في الشعارات السياسية، بل إن الشعب الأمريكي يعرف أنها وعود انتخابية. لهذا يجب على الساسة في وطننا العربي استذكار هذه الظاهرة الأمريكية، ذلك أن أمريكا من السهولة أن تقلب لهم ظهر المجن بين ليلة وضحاها.
ولننظر مثالاً صارخاً في سرعة التغيير، وأقول التغيير غير المدروس. فقد أعلن الرئيس باراك أوباما أن يضع حداً للمحاكمات العسكرية لمعتقلي غوانتانامو. فماذا حدث بعد أن وصل الرئيس إلى البيت الأبيض. لقد تراجع عن وعوده التي قطعها للشعب الأمريكي والعالم بدرجة مائة وثمانين. وهنا قد يسأل أحدهم هذا السؤال ويقول: لكن هذا التغير جاء بعد ما تبين للرئيس مستجدات محلية وعالمية. وأنا أقول أين تلك المستجدات. لا أجدها لا في المنشور ولا في التحليلات التي تقرأ غير المنشور. وأخشى أن يصح في سياسة البيت الأبيض الحالية قول صحفي أمريكي مرموق: (أجل إننا نقدر على إعطاء الوعود، ونقدر على تناسيها)
ما دعاني لهذا الاستطراد هو ما نشهده ونسمعه هذه الأيام من تحرك أمريكي إيجابي سري تجاه إيران. هذا تغير سريع ومفاجئ، ويعارضه كثير من حلفاء أمريكا. لكن كما قلت التغير سمة من سمات واشنطن، تتغير الوعود والشعارات في واشنطن كما تتغير حالة الطقس فيها. هذا تعليق أحد المراقبين السياسيين في واشنطن. أنا من الذين ينظرون إلى الوعود السياسية الأمريكية على أنها شعارات انتخابية، وليست سياسة استراتيجية. وهنا أنا لا ألوم واشنطن. لومي سيقع على السياسة العربية إذا وثقت تماماً في وعود واشنطن. وبالتالي على العالم العربي إذا كان يوجد هذا الاسم على خريطة الواقع السياسي، أقول عليه أن يحزم أمره تجاه ما يجب عمله حيال مسألة إيران. على العالم العربي أن ينظر إلى مسألة إيران من منظور المصالح العربية والإقليمية العليا، لا من خلال المصالح القطرية الآنية.
علينا في العالم العربي أن نعي حقيقة وهي: أن ما يخدم المصالح الأمريكية ليس بالضرورة يخدم مصالحنا. ولم يعد سراً فيما أظن أن محادثات سرية بين إيران وأمريكا حول برنامجها النووي، ومصالحها الإقليمية. ويذهب بعض المطلعين في واشنطن أن ما ستتوصل إليه أمريكا مع إيران سيتم على حساب الدول العربية، خصوصاً دول الخليج العربي. على العالم العربي أن يسأل هذا السؤال الذي أختم به هذا الحديث: هل البرنامج النووي الإيراني يهدد المصالح العربية.
1
شكرا يا دكتور عبد الله هذه اول مرة يعجبني طرحك لامر سياسي مهم نخدع به كثيرا وهو ما يصدر من البيت الابيض والكونغرس من تصريحات و وعود لا تساوي قيمة الورق والحبر الذي كتبت به
ابو عبد الله - زائر
11:59 صباحاً 2009/05/20