الرئيسية > الرياض الاقتصادي

المقال

الصراع على إمدادات الطاقة وأخطاره


د. عبدالله بن عبدالمحسن الفرج

تم في نهاية الأسبوع الماضي في منتجع سوتشي الروسي، الواقع على البحر الأسود، التوقيع على عدد من الاتفاقيات بين الشركة الروسية "غازبروم" وشركة "يني" الايطالية، بخصوص تدشين العمل في مشروع خط الغاز الجنوبي، بحضور عرابيه رئيس الوزراء الروسي بوتين والايطالي برلسكوني. كما وقعت البلدان التي سوف يمر عبرها الغاز الروسي وهي بلغاريا واليونان وصربيا على حزمة من الاتفاقيات أيضاً.

وتتضمن الاتفاقيات الموقعة بخصوص خط الغاز الجنوبي، الذي سوف تبلغ كلفته 8,6 مليارات يورو والذي يتوقع له أن يدخل حيز التنفيذ نهاية عام 2015، زيادة الطاقة الإنتاجية للخط من 31 إلى 63 مليار متر مكعب في السنة – أي أكثر من الضعف. حيث سيتم بموجب الاتفاقيات الموقعة، القديمة منها والجديدة، نقل الغاز الروسي إلى السوق الأوروبية من خلال أنبوب يمر عبر قاع البحر الأسود إلى بلغاريا ومن هناك ينطلق في اتجاهين مختلفين إلى الشمال الغربي والجنوب الغربي.

وينافس خط الغاز هذا خط نابوكو الذي تعتبر الولايات المتحدة عرابته الرئيسية. وحسب المخطط فإن نابوكو يفترض أن ينقل غاز بعض بلدان أسيا الوسطى عبر بحر قزوين، دون المرور بالأراضي الروسية، إلى تركيا ومن ثم إلى النمسا عبر بلغاريا ورومانيا والمجر قبل حلول عام 2011. وتبلغ نفقات هذا الخط الذي تبلغ طاقته الإنتاجية 31 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً نحو 6,14 مليارات دولار.

وعلى ما يبدو فإن روسيا لم تترك لنابوكو إلا القليل من فرص النجاح. فهي بالإضافة إلى الخط الجنوبي تخطط لمد تيار الشمال، عبر قاع بحر البلطيق، إلى ألمانيا- ومن هناك إلى بقية غرب أوروبا. حيث تم تأسيس شركة لهذا الغرض يرأسها المستشار الألماني السابق شرودر. كما مدت روسيا الخط الأزرق الذي يغذي تركيا والعديد من الدول الأوربية.

فإذا ما أخذنا بعين الاعتبار الخطوط القديمة الموجودة سابقاً من عهد الاتحاد السوفيتي والتي تزود غرب أوروبا بالغاز الروسي عبر الأراضي الأوكرانية وروسيا البيضاء فإن كمية الغاز المنتجة في جميع الفضاء السوفيتي بالكاد يمكنها ملء أنابيب الغاز الروسية، القديمة منها والجديدة، المتوجهة إلى أوروبا فما بالك بخط نابوكو. فهذه الخطوط الروسية من الطاقة تلبي ما يقارب 39% من احتياجات ألمانيا من الغاز الطبيعي و 32% من احتياجاتها من النفط. أما في بولندا فإن هذه النسبة تصل إلى 46% و 90% على التوالي. ويزداد هذا الاعتماد في بعض بلدان الاتحاد الأوروبي مثل سلوفاكيا وليتوانيا واستونيا وفنلندا وبلغاريا بنسب متفاوتة.

وهكذا فإن أمام عرابي خط نابوكو خيارين أحلاهما مر: فإما أن يلغوا فكرة إنشاء المشروع ويعتمدوا على إمدادات الخطوط الروسية للغاز أو أن يقبلوا بإنشاء الخط حتى وإن عمل بأقل من طاقته التمريرية. أما الخيار الثالث الأكثر مرارة فهو الاعتماد على إمدادات الغاز من إيران- وهو ما بدأت تتحدث عنه بعض البلدان الأوروبية.

وفي الحقيقة فإن هذا الصراع يمسنا بشكل مباشر. فالإصرار الأمريكي الأوروبي على تحجيم دور روسيا وتقليص سيطرتها على خطوط إمدادات الطاقة من الفضاء السوفيتي السابق إلى أوروبا يقابله عزم روسي على تقليص الاعتماد على الاستهلاك الأوربي لغازها بمفرده والحيلولة دون الارتهان لمشتريات السوق الأوروبية وحدها من الطاقة الروسية. ولذلك تتوجه موسكو إلى مد خطوط الغاز إلى اليابان والصين. ومن هناك ربما إلى جنوب شرق أسيا التي تعتبر أكبر مستورد للطاقة من الخليج والمملكة.

ولذا، وفي ظل تلك المعطيات، فإن منطقة الخليج يفترض أن لا تبقى بعيدة عن هذا الصراع على إمدادات الطاقة. فتقاسم أسواق الطاقة العالمية يفترض أن لا ينحصر ولا أن يقرر أمره عدد محدود من البلدان المستهلكة للنفط والغاز. فإعادة رسم خارطة الطاقة العالمية وإمداداتها لن يكتب لها النجاح ما لم يتم أخذ مصالح وحقوق جميع البلدان المنتجة والمصدرة للطاقة، وخصوصاً الرئيسية، منها بعين الاعتبار. فهذا الصراع على مصادر الطاقة وإمداداتها، إذا لم تضطلع هيئة الأمم المتحدة بدور مناسب، قد يقود إلى إشعال فتيل حرب عالمية كبرى.

وهكذا فإن البلدان الرئيسية المنتجة للطاقة ومعها بقية بلدان العالم المستهلكة لها يفترض أن تدعو لعقد جلسة خاصة للجمعية العامة للأمم المتحدة لمناقشة خارطة الطاقة العالمية ووضع المبادئ والأسس التي تكفل لمنتجي الطاقة ومستهلكيها حقوقهم من ناحية وتحول دون نشوب صراع عالمي مسلح للسيطرة على منابع وإمدادات النفط والغاز من ناحية ثانية.

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة