الرئيسية > المجتمع الدولي

ألمانيا تسمح للمواطنين بالاطلاع على بياناتهم المخزنة

عالم " الظلال الرقمية " يسجل بيانات الفرد أينما ذهب !


برلين إقبال القزويني

يغادر فرد ما مكتبه أو مصنعه بعد ساعات العمل الطويلة ليتجه الى احد قطارات الأنفاق عائدا الى بيته. يدخل المحطة فتستقبله كاميرات الفيديو، ترقب خطواته وتسجّل كل حركاته وسكناته.

في برلين، على سبيل المثال، ترصد تلك الكاميرات حركة المسافرين منذ عامين.فشركة قطارات العاصمة تسجل على مدار الساعة كل حركة تدور في أروقة وأرصفة المحطات. وحين يصل ذلك الفرد إلى منطقة سكناه وقبل ان يتوجه الى البناية التي تضم شقته، يدخل محلا تجاريا كبيرا بقصد التبضع فترصده بضع كاميرات ترافقه عبر جولته حول رفوف السوق حتى يقف في الطابور ليدفع الحساب. الشخص الذي يقف أمامه في طابور الدفع يتكلم عبر الهاتف المحمول ويتواعد مع صديق على الذهاب الى السينما ويقول بصوت جهوري انه سيتأكد من موعد الفيلم عبر الانترنيت، حركته الالكترونية تلك، ستخزن وتحفظ لمدة 6 شهور، تلك هي شروط الاتحاد الأوروبي.

في مساء نفس اليوم، يخرج صاحبنا من شقته لشراء علبة سجائر من الحصالة الاوتوماتيكية في الجوار القريب.الحصالة الجديدة لا تقبل إلا بطاقة مصرفية الكترونية تحتوي كافة البيانات الشخصية لحاملها بدعوى التأكد من سن الشخص الراغب في شراء علبة السجائر حيث يمنع القانون بيع لفائف التبغ لمن هم دون السنة المحددة.وليس من المعلوم إذا كانت تلك المعلومات ستتعرض بدورها للتخزين والحفظ أيضا أم لا.

هذه هي نماذج بسيطة وقليلة على تتبع حركة الفرد في مدينة كبيرة مثل برلين أو لندن.المحصّلة تقول ان المرء لا يمكن ان يخطو خطوة واحدة دون ان يترك آثارا يمكن تعقبها بسهولة. يكفي ان يسير الفرد، او يتكلم في الهاتف أو يكتب رسالة في الانترنيت أو يتصفح فيه، او يشتري علبة سجائر، او يغادر العمل أو يسافر الى جهة ما، ليخلّف ما يستدل به على هويته وطريقه الذي يسلكه في الذهاب والإياب. هذه الآثار ليست مرئية ولكنها جليّة.

إذاً نحن مراقبون، والشأن هذا في تصاعد مستمر لا يمكن التنبؤ بتبعاته على صعيد المستقبل البعيد نسبيا. المفاجئ وربما الطريف في هذا الخصوص هو تقبل الناس لهذا النمط الجديد بل والمساهمة فيه بنشاط وتعزيزه بطريقة واعية مقصودة أو غير مقصودة. الضجة الكبيرة التي كانت تثيرها الإحصاءات السكانية في ألمانيا حتى ثمانينيات القرن الماضي باعتبارها رصدا غير مقبول للبيانات الشخصية باتت منسية وغير مفهومة مقابل الرضا والألفة التي يتعامل بها الفرد حاليا وهو يقدم معلومات تفصيلية عن شخصه طائعا مختارا مقابل وعد، على سبيل المثال لا الحصر، بالحصول على كوبونات توفر له بعض الملاليم إذا هو التزم بالشراء من محل تجاري بعينه أو تعده بالحصول على نسبة من التخفيضات أو غير ذلك من الامتيازات البائسة التي تبدو كسبا للوهلة الأولى.

المراقبون من المختصين بدراسة السلوك البشري يعزون تضاؤل قلق الفرد من جعل بياناته في مجرى التداول الى حدوث تغيّر في نموذج المراقبة نفسه وربما يعود هذا في الأساس الى إدراك عام مفاده ان الكلّ أصبح خاضعا للمراقبة بعدما  كان الأمر يقتصر في الماضي القريب على الأشخاص المشتبه بهم.

ممكن ان يظن المرء أيضا ان المسألة هي مسألة تطور تقني غيّر وسيغيّر أكثر أنماطا حياتية وسلوكية ضاربا عرض الحائط بمسّلمات الماضي.وان هذا التغير في نهاية المطاف لا يحمل أذى أو مخاطرة لأنه لا يحتمل الخطأ ولذا فلا حاجة للشعور بالقلق خاصة إذا لم يكن للشخص ما يخفيه أو يخشى افتضاحه.

الواقع يقول شيئا مختلفا.التقنية المتطورة هذه يمكن ان تخطئ وتتسبب في تحديد مصير الفرد بلحظة زمن واحدة لم يكن يحسب لها حساب. خالد المصري، كان مثالا صارخا على هذا الخطأ حين تعرض للاختطاف والاعتقال على يد ناس مجهولين تبين لاحقا ان التباسا في الاسم مع شخص مشتبه به هو الأمر الذي غيّر حياته، ربما الى الأبد، وجعل اسمه مرتبطا بملف خلّف له المرارة وللسياسيين الكثير من الإحراج لفترة طويلة قادمة. قدرة الفرد على حماية بياناته الشخصية بل وسيطرته على حركتها هي مسألة حيوية في ضوء أخطاء ممكنة ومحتملة وحتى لا يكون لجهة غريبة، أيا كانت، الحق في الدخول الى العالم الخاص والشخصي.لهذا السبب استحدثت الحكومة الاتحادية قبل عامين تقريبا قانونا جديدا يمكن للفرد بموجبه الإطلاع على ما هو مخزون بحقه من معلومات، تلك الموجودة لدى الدوائر الرسمية. المشكلة ان هذا القانون يكاد يكون غير معروف. إن خصخصة الأماكن العامة هي إحدى الأسباب الإضافية التي تجعل من رصد حركة المارين أمرا قانونيا حين يدخل المرء ملكا خاصا لشركة بعينها وهو يظنه مكانا عاما فيصبح بذلك صيدا مشاعا لأجهزة المراقبة الالكترونية.  أما الغريب الأسمر فهو يحمل خوفه الموروث معه في رأسه و داخل حقيبة يده.

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 1

  • 1
    مفارقه جديره بالنقاش
    لا يحق في العالم الثالث لاي شخص الاطلاع على بياناته الحكوميه
    في السعوديه بامكانك الحصول على نسخة ورقيه لمعلوماتك الشخصيه فقط , اما غيرها فلا تستطيع معرفة ما يدور عنك رسميا وتعتبر هذه المعلومات املاك رسميه حكوميه كانت او تجاريه

    ابو نايف - زائر

    02:24 مساءً 2009/05/19



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة