الرئيسية > مقالات اليوم

خط الاستواء المجتمعي..!


د. علي بن حمد الخشيبان

يقول غرامشي " إن المعركة الأيديولوجية الثقافية ، بعكس المعركة العسكرية يجب التركيز فيها على أهم نقاط القوة لدى العدو وبالتالي يجب أن نجند لها أهمّ ما نمتلك من أدوات." الأهمية في هذه العبارة تكمن في أن معركة الأفكار تدار في العقول البشرية حيث لا يمكن التنبؤ بنوع السلاح المستخدم.

الحرب الفكرية المتبادلة بين الأفراد في مجتمعاتنا العربية والإسلامية وخاصة بين فئات المثقفين والمهتمين تعكس حربا ضارية فالتسلسل التاريخي للمجتمع العربي يعي تلك الممرات التاريخية حيث الاتهام بالامبريالية والاتهام بالشيوعية والقومية ثم الإسلامية السياسية التشددية ثم الليبرالية والأمركة أو العلمانية أو الحداثة وقريبا سوف نسمع (التصين) قياسا إلى بزوغ نجم الصين السياسي والعسكري والفكري مع حلول منتصف هذا القرن كما يتوقع الخبراء في الشؤون الدولية.

هذا التبادل الفكري في تحديد الاتجاهات قضية اعتاد عليها العالم العربي على وجه الدقة وأصبح من المستحيل أن تجد فردا عربيا لا يُخضع نفسه من الداخل لشكل من تلك الأفكار.! ولكن السؤال الذي ظل مقلقا للمحللين الاجتماعيين يقول: لماذا ظلت هذه الأفكار تطارد بعضها وتتهم بعضها في الإطار الاجتماعي دون أن تتشكل من خلال منظومة اجتماعية قابلة للتطوير والتحديث والمشاركة المجتمعية بشكل ايجابي كما هي في العالم المتقدم..؟.

السؤال الذي تشكل بهذه الطريقة مقلق عند رؤيته للمرة الأولى ليس للمجتمع فقط ولكن للسياسة والمجتمع معا، ولكن علينا أن نتذكر (المكارثية) لتوضيح الصورة التي اعنيها هنا: على سبيل المثال تحول الليبرالية إلى اتهام مجتمعي لا يستطيع فيه المتهم سوى نفي التهمة بكل ما أوتي من قوة مع العلم انه من الداخل يحاول جاهدا الصمود أمام اعتراف غير معلن عن تبنيه الليبرالية.

أعود إلى عبارة الفيلسوف (غرامشي) الذي يبحث في عبارته عن نقاط القوة في الايدولوجيا المختلفة لمقارعتها مهما كان نوعها، لقد اُستخدم التكفير وكثيرا الإفتاء بالكفر والانحراف والخيانة الوطنية والخروج عن الجماعة كرصاصات فكرية لنسف كل محاولات الاختلاف في المجتمعات وخصوصا العربية منها والتي عانت بقوة من تلك الرصاصات الفكرية الضاربة التي تستطيع تجييش المجتمع ضد الفكرة بطلقة واحدة من لسان يختفي خلف ساحة المعركة الحقيقية في المجتمع.

لقد خلقت هذه التباينات شكلا من المجتمعات القلقة على نفسها وهنا يجب الضغط بكل قوة على كلمة مجتمعات قلقة على نفسها ومن نفسها. إن القلق الذي يعاني منه الأفراد في مجتمعاتنا العربية والمحلية فكري حيث يكشف الفرد العربي قلقا صارخا على فكرة بينما لا يبدي هذا القلق وبنفس الدرجة على رزقه أو تطوره الوظيفي في حياته فهو يقبله وفق تبرير ميتافيزيقي.

الفرد في مجتمعاتنا يختصر قلقه في ما يحمله من أفكار يظل يتداولها ويناقشها بطريقة صراع مع العالم من حوله ويتحين كل فرصة حوارية لتمرير فكرته بينما اختفى بيننا على مر التاريخ الحوار الاجتماعي وحوار التطوير والتنمية والتقدم.

الثقافة العربية ومثقفوها وكتابها بجميع اتجاهاتهم الفكرية ظلوا يكتبون عن _هموم المجتمعات_ وليس عن مشروعات تطوير وتحولات محتملة إلا قليل منهم وغالبا هم من لا يعيشون في المجتمعات العربية.

لقد ظل المثقف العربي يكرر بسطحية شكوى المجتمع بتكرار همومه الدائمة وكأن دور المثقف العربي ينحصر في نقل ما يسمعه إلى مساحات الإعلام المختلفة، لقد أصبح المثقف العربي مجرد كاتب يعيد صياغة الأفكار وينقلها على أنها مساهمة في تحديث المجتمعات من حوله وتطويرها بينما الحقيقة لم تكن كذلك.

هذه الصورة للمثقف العربي وتشكيله الاجتماعي أضعفت حاسة النظر لدى المثقف العربي وضاعفت حاسة السمع فأصبح يستمع أكثر مما يقرأ ويفكر حتى أصبحت عبارة (الهم العربي) هي محور الثقافة في مجتمعاتنا.

الخروج من الأزمة ليس صعبا وليس مستحيلا ولكن علينا أن نتحول عن ترسيخ فكرة الثقافة الرزينة (التي تفكر بسلبية) وهي ثقافة العقل المهزوم إلى الثقافة المتحولة والدينامكية التي تستطيع أن تكون كالماء الذي يبحث أولا عن المنخفضات ليملأها ثم لا يلبث أن يجتمع فيغطي جميع المرتفعات من حوله.

علينا أن نتخلى عن ثقافة همها الوحيد نقل همومنا فقط والصراخ بدلا منا، في كل العالم العربي من حولنا ومجتمعاته يزخر الإعلام بكل وسائلة بهموم متكررة يبدؤها الإعلام العربي كل صباح بإعادة هم إسرائيل وطغيانها ثم ينتقل إلى لقمة العيش والبطالة والانهيار في الحياة الاجتماعية حيث يختلط خط الاستواء في المعادلة الاجتماعية والسياسية في مجتمعاتنا فتختفي كل المدارات وتختلط المناخات الفكرية فيصبح الجسد العربي باردا عند الأرجل ومتجمدا في الرأس وصحراويا في منطقة الوسط.

الهم العربي جعل المثقف العربي لا يتطور إلا بإيجاد صفات جديدة لهذا الهم فمرة يصف المثقف العربي هم الرأس العربي ويصف ما فيه من أفكار متطاحنة ثم لا يلبث أن يصف البطن العربي ليصف ما به من جوع ثم في النهاية يتسبب هذا الفكر وهذه الثقافة في صراع فكري آخر عندما تتفق البطون على الجوع وقلة الحيلة.

فالخبز الذي يأكله الليبرالي هو نفس الخبز الذي يأكله المتطرف والقومي والعلماني والمتشدد والإسلامي ولكن في كل مجتمع عربي واحد من هؤلاء وبحسب الأجواء يحصل على اكبر كمية من ذلك الخبز.

عندما يرتفع الصراع إلى منطقة الرأس يصدر بعضهم الأحكام على بعض وكلما كان الفكر يحظى بدعم مجتمعي يصبح سائدا ويستطيع الإفتاء دينيا واجتماعيا وسياسيا واقتصاديا ببطلان الآخرين وأفكارهم لقد أصبحت الحداثة بذلك حراما وأصبحت الليبرالية كفرا دون أن نعلم أو يعلم المجتمع بشكل دقيق ماذا تعني تلك المصطلحات.

إن سباق الزمن في مجتمعاتنا اكبر من أن نوقفه وعلينا أن ندرك بعقولنا وليس بأعيننا أن أجيالنا القادمة سوف تتزاحم على ميدان المجتمع الاقتصادي والسياسي والثقافي .....الخ من الميادين وإذا لم نستطع ترتيب تلك الجموع في مياديننا وبشكل يتناسب مع مقومات تلك الفئات سوف تكون الأزمة في زحام كبير في طرق شبه مغلقة.

ليس هناك وصفة نحن بحاجة إليها أكثر من استبدال المصطلحات فالهموم التي نتحدث عنها ليست بين مصطلحات التطوير والتنمية في قاموس اللغة العالمية، نحن بحاجة الى جيل من المثقفين والمهتمين الذين يرفضون تكرار الهموم ويتخطون في طرحهم فكرة التبرير بعد أن تحول مثقفونا إلى مبررين أكثر من كونهم محررين فحياتنا الاجتماعية وثقافتنا لا بد من تفكيك علاقاتها أولا حتى نتمكن من فهمها والتعرف عليها إذا كنا صادقين في ممارستنا لجعل ثقافتنا تتحول وتتغير.

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 2

  • 1
    هم يختلفون أي الليبراليون بحسب أفكارهم وإطروحاتهم
    لكن أولا وأخيرا هم مشبوهون في مجتمعنا المسلم
    ولا ينتمي لهم إلا من ظهرت عليه إنحرافات سلوكية
    أما عن تقبلنا لبعض فنحن السعوديون في وحدة ولا نرحب بمن يريد تفكيكنا
    ( دولتنا سلفيه سلفيه ) نايف بن عبدالعزيز النائب الثاني

    منصف - زائر

    06:01 صباحاً 2009/05/18


  • 2
    الاستاذة الفاضلة: جواهر
    اسعد الله صباحك بالخيرات مقالة اريد منك التعليق عليها
    عبد الله الاحمري

    jawaher bin saeed - زائر

    06:59 صباحاً 2009/05/18



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة