هناك محطات في التاريخ البشري لا يمكن تجاوز التأثيرات التي خلفتها، وقد تركت بصماتها بعمق على أبواب التطور، وعلاقات الإنتاج، وقوى التغيير، وساهمت إلى حد بعيد في إعادة تكوين بنى اقتصادية وثقافية واجتماعية وسياسية. لقد غيرت وجه العالم والتاريخ، ومازالت تتعاظم نتائجها، وقد أصبحت رهان التقدم، وشروط التفوق، ومصدر توليد المال ومراكمة الثروات والنفوذ والقوة.
منذ اختراع العجلة، وحتى التوظيف الدقيق لتقنية النانو، مرورا بالقاطرة البخارية، ومصباح توماس أديسون، وكهرباء فراداي، وبنسلين فلمنج، وظهور الميكنة الزراعية والمبيدات الحشرية، وخطوط الإنتاج، وتطور علم الفيزياء حتى فلق اصغر وحدة في التكوين الذري (النواة). وعبر مسلسل طويل تعجز المجلدات الضخمة عن تلمس أبعاده وحدوده وتأثيراته ناهيك عن مقالة عابرة.
من يأوي إلى فراشة كل ليلة في حالة استرخاء، ويشعل مصباحا صغيرا فوق رأسه لينعم بقراءة تأخذه في عالم المتعة أو الاكتشاف، ألا يكون مدينا لهذا المخترع العبقري أديسون. من تنتابه الشقيقة والصداع الذي يكاد ينزع نصفه، ألا يكون مدينا للصيدلي الألماني هوفمان مكتشف الأسبرين. من تحلق به طيارات كبيرة وفخمة بين القارات في بضع ساعات، ليتناول الفطور في الرياض والغداء في لندن والعشاء في نيويورك، ألا يكون مدينا لتطور صناعة الطيران، وينظر بعين الاحترام لهذا الإبداع البشري والمجهود العظيم الذي وفر له هذه التقنيات لينعم بها هو في هذا العصر. من يتنقل اليوم بين مواقع "الانترنت" لتصبح جزءا من عالمه اليومي باحثا أو قارئا أو متواصلا مع هذا العالم المدهش..ألا يكون مدينا لهذا التقدم المذهل في هذا الحقل. أليس اليوم الذي تتعطل فيه هذه الشبكة يصاب فيه بالعجز عن إكمال بقية اليوم بصفاء، ناهيك أن يتعطل جزء من الحياة. ألا تستدعي هذه اللحظة العودة إلى تلك العقلية المقتحمة التي ابتكرت ووظفت هذه الشبكة وجعلتها جزءا من مشروع أوسع واكبر من شبكة مؤسسة دفاعية عند حضورها أول مرة في تاريخ البشرية في نهاية السبعينيات من القرن الماضي.
علماء .. وعلماء، وضعوا بصماتهم في تاريخ البشرية، بل وضعوا أسماءهم في سجل التاريخ، يتم تجاوز هذا التأثير الذي صنعه العلم والعلماء، لينشغل عالمنا ببائعي الوهم وصُناع الكلام، وفي اقل الأحوال سوءاً استهلاك أحدث التقنيات مع سوء الاستخدام، دون أن تعود هذه الذاكرة ولو في العام مرة لتستدعي السؤال البسيط الشاق: كيف سنعيش، وكيف نقاوم التآكل، وكيف كنا لنخفف ألامنا، وكيف يبدأ يومنا وينتهي؟ لولا هذا العلم، وهؤلاء العلماء، وهذه الانجازات التي غيرت وجه التاريخ.
المسألة ليست أين موقعنا في هذا المسلسل من التقدم والصناعة التقنية والتطور المذهل.. فتلك الفجوة اليوم هي فجوات، والمهمة أكثر مشقة ممن يتصور انه يقوى على اجتراح معجزة نهوض بالكلام عن مؤشرات. السؤال ببساطة هل ترسخت قيمة ومعنى وآثار تلك الكشوف والاختراعات والتطورات في عقلية لم تصل بعد للتوظيف الجيد لهذه الصناعات والاكتشافات والتقنيات ناهيك عن محاولة ردم تلك الفجوات، ألا يكفي أن نعرف أن التغييرات التي حدثت خلال السنوات الثلاث الأخيرة من القرن المنصرم تعادل التغييرات خلال ثلاثين عاما من بدايات ذلك القرن، كما أنها تعادل تغييرات 300 عام في عصر نيوتن مكتشف قوانين الجاذبية وأحد أعظم الشخصيات تأثيرا في تاريخ العلم.
السؤال بسيط لا يحتاج لتفاصيل مرهقة أو البحث في ردم الفجوات. يا ترى كيف سيكون عالمنا بلا كهرباء، أو وسائل نقل متقدمة، وكيف كنا سنخفف آلامنا بلا دواء، وكيف كنا سنواجه الأمراض المزمنة والمستوطنة من الملاريا إلى الرمد، من ذلك الذي تصور يوما أن تصبح عملية قلب مفتوح لا تشكل خطورة تتجاوز عملية لوزتين صغيرتين في حلق صبي. سؤال يضعنا فعلا في موقف العاجز أحيانا حتى عن الفهم ناهيك عن القدرة على استيعاب تاريخ ممتد ومتواصل، وشاغل للعقل البشري المفتون بلحظة اكتشاف أو صاعد في لحظة يمسك فيها بحقائق الطبيعة وكيف تعمل الأشياء.
كل ما تتمتعون فيه اليوم لم تصنعوه انتم، ولم تعايشوا لحظات انبثاقه، حيث تتلاحم فيها عبقرية اكتشاف مع عقلية توظيف العلم لصالح البشر. انظروا لكل مقتنياتكم وأدويتكم وعرباتكم وبيوتكم، وعلم المال والاقتصاد، وأدوات وتقنيات الاتصال الحديثة، ومصطلحات اليومي التي تأخذكم إلى عالم الحاسوب وبرامجه وتقنياته.. التي لا تعرف التباطؤ أو التوقف، لتعرفوا أنكم جزء من عالم تنعمون بصناعته وتاريخية العلم فيه، لا بأدواتكم أو مجهودكم.
ومن المؤكد أن العلم حمل معه سلبيات، وأنتج وسائل دمار وقتل وإنهاك، وترتب على سوء استخدام منتجاته الكثير من المخاطر، لكنها هي النتائج السيئة في مسار العلم، وهي قضية أخلاقية شائكة حتى لدى العلماء، تداخلت فيها قوى الهيمنة مع وسائل الإنتاج وتوظيف العلم لصناعة أسلحة الفتك والدمار، مع تعزيز نفوذ المال والاقتصاد والإنتاج على حساب مستقبل البشر. وهذا جزء من التوظيف الرديء لمنتجات العلم. وهي حلقة ظاهرة لا تحتاج إخفاء، لكنها تقف في ظلال مشهد الصورة الكلية التي صنعها العلم منقذا للبشرية، وموفرا لها عالما أفضل واقل ألما.
لقد دفع العلم واكتشافاته العلماء لتطوير أدواتهم، لعب الاقتصاد الدور الكبير أيضا في توظيف العلم، في عملية تبادلية بين تمويل البحث العلمي وتوفير سلع جديدة تغزو العالم. كما انهمك السياسي والقائد العسكري في التعامل مع العلم والعلماء لتطوير كفاءة السلاح لاستعمار العالم القديم أو الجديد، أو الحفاظ على توازن القوى من اجل عالم لا يقوى على التعايش إلا بأقطاب الكفاءة والقوة العلمية والعسكرية. ولو لم يكن الاقتصاد جزءا من علاقة العلم بالمنتج بالسوق، لما تطور العلم، وهذه حقيقة تاريخية ويومية نعايشها. من الطرائف التي تروى عن العالم الانجليزي "فراداي" أن عجوزا سألته في نهاية إحدى محاضراته العامة عن الحث الكهرومغناطيسي، ما فائدة هذا الحث الكهرومغناطيسي؟ فأجابها بسؤال آخر، وما فائدة طفل حديث الولادة ؟ إنها عين الحقيقة التي نظر لها مايكل فراداي - هذا العالم الفيزيائي العظيم - لظاهرة الحث الكهرومغناطيسي التي اكتشفها، والتي أدت فيما بعد إلى اختراع المولد الكهربائي وفتح الباب على مصراعيه لاستخدامات وتحويلات الطاقة. وفي قصة أخرى أن رئيس وزراء بريطانيا انذاك سأل "فراداي"، ما الفائدة من الكهرباء؟ فأجابه فراداي وكأنه يستشرف آفاق المستقبل: إنك ياسيدي سوف تجمع الضرائب من وراء الكهرباء يوما ما. لقد جمعت منها بريطانيا الضرائب، وجمع منها العالم ليس الضرائب فقط، ولكن صنع منها عالما مدهشا، يكاد اليوم كل شيء يتوقف على هذه الصناعة التي يراها بعض أبناء هذا الجيل وكأنها مخلوق أولي لا صلة له بتاريخ التطور البشري، ويتعامل معها اليوم بكثير من اللامبالاة أو الاهتمام، وكأنها ليست جزءا من استحقاق شاق، وصناعة عقلية وبحثية وعلمية تستعيد هذا المعنى العظيم في تاريخ يستحق أن يفرد له الكثير من التأمل والقراءة.
وفي خضم هذا الحديث الطويل والمكرر عن تطوير مناهج التعليم، لتصبح في مستوى أن تنتج عقول أجيال تنظر للمستقبل بعين القدرة على مواجهة أعبائه، قدرّتُ في لحظة انه لو كان لدينا فقط كتاب واحد، وأقول كتاب واحد فقط في التعليم العام يقرأ في تاريخ العلم، والتطورات التي أحدثها في تاريخ البشرية، والعلماء الذين أثروا بعمق وحققوا طفرة في الانجاز العلمي ..لربما صنعنا في عقل جيل تقديرا خاصا لهذا العلم، ولأولئك العلماء، ووضعناه في مشهد المأزق الذي عاشته أجيال بلا أي مقومات تسهل لها الوصول إلى الدواء أو النقل المريح أو ظروف التعليم الأفضل أو الطعام الأوفر .. إن قصة العلم وحدها قصة بالغة الدهشة، يجب أن تُقرأ في المدارس، حتى يصبح كل متعلم قادرا على فهم أي عالم يعيش فيه، وكيف صُنع هذا العالم، وأي مقتنيات يعبث بها، وأي تحد كبير يواجهه إذا ظل عاجزا عن الفهم.
انه لمن النادر من يقف لحظة يتأمل عظمة تلك الاكتشافات وآثارها، وأكثر من النادر من يقدر تلك الانجازات في أجواء تعصف فيها صناعة الكلام وتحول بزخمها وغثائها وسجالاتها عن صناعة الأفكار ناهيك عن صناعة المستقبل. علماء أنقذوا البشرية من الأمراض وصنعوا لها ما يخفف آلامها وساهموا في بناء عالم أفضل عندما كانت الحياة صراعا على حدود الكفايات، ووضعوا لها سجل التقدم بكل منجزاته، هتفوا للحياة وأضاءوا عالم البشرية بأنوار المخترعات والمبتكرات، بينما ينهمك كثير منا في الصراع حول الكلام والقبول والرفض على محددات وشروط ليس لها صلة بأي عامل تقدم أو نفع للبشر. انظروا إلى من يصنع المستقبل، أو من يعيد الناس لعصر السجال حول ذات قلقة تستخدم حتى منتجات العلم وتوظفها لصالح البقاء في مشهد الصراع وعلى ماذا؟.
ما أن تتوسع دائرة العلم الطبيعي، وتبدأ تتسلل لعقل نشء تلك المعاني الكبيرة ببساطة شديدة، إلا وتترسب في عقله المعاني المغيبة ويبدأ التفكير العلمي يتمدد ويكتسح مساحات التفكير الإنشائي. ما إن يترسخ في عقل النشء المعنى والمبنى من ذلك المسلسل الطويل إلا ويبدأ يستعيد أسئلة كثيرة حول ما يملك، وكيف يوظف ما يملك، وكيف يتطلع لصناعة عالم مستجيب لوعي آخر؟. ونحن نتحدث عن مجتمع معرفة وصناعة مجتمع علوم وتقنية يدخل في حلقات الاقتصاد ويقوي عوائد تتحرك بين العلم والإنتاج، علينا أيضا أن نرسخ أولا معنى العلم في عقل نشء... والبقية ستأتي أو لاشيء سيأتي.
1
هذا هو الأساس الذي يجب علينا أن عليه قواعد نهضتنا العلمية فمتى ما وصلنا إلى القناعة بأن حب العلم والسعي له ومن أجله بنينا قاعدتنا المتينة وانطلقنا من خلالها لأن العلوم مترابطة بعضها ببعض
علي بن عواجي محمد مهجري - زائر
12:20 مساءً 2009/05/18
2
استاذ عبدالله مقال علمى تاريخى رجال واكتشافات غيرت حياة البشر
بأيدى رجال وحدهم لااحد يشجعهم بل كانت الحكومات ضدهم احيانا
وسارت الحضاره من الجذور الى الزهور. نحن لدينا الماده للأستهلاك
واحيانا لإستهلاك بعضنا،،،شبابنا فى قلب معاملهم،بتفوق يخترعون..
الزوار لم تعجبهم معاملنا بالجامعات فحاضروا عن صيد السمك.
لاتفوتنا تقنية النونو فهى فى بدايتها
صالح رشيد الأبراهيم - عضو
10:57 مساءً 2009/05/18
3
قرأت المقال الشائق فكان ممتعا مثيرا وبقدر ما أثار الذهن أثار حزن النفس على الواقع المرير والذي يطلب فيه التلميذ من أستاذه دليلاً على أن تعلّم الرياضيات له فائدة يحتاجها المرء.
لك من إخوانك المرابطين في التعليم الامتنان وأرجو الحديث عن
المناهج كثيرا فلعل لها دورا في عزوف الناشئة عن العلم.
راشد القحطاني - زائر
11:46 مساءً 2009/05/18
الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة