الرئيسية > مقالات اليوم

إطلاق الضباط الأربعة: رسائل للمجتمع الدولي وللبنانيين


منح الصلح

كل يوم يمر يتعاظم أكثر فأكثر السؤال الكبير: لماذا أطلقت السياسة الدولية سراح الضباط اللبنانيين الاربعة المسجونين بما يعني تبرئتهم، في الوقت الذي تسود أوساط اللبنانيين النظرية التي تقول ان هؤلاء القادة ما زجوا في السجن، الا لأنهم كانوا الألف والياء في كل ما شكا منه اللبنانيون، وما زالوا يشكون.

أين ذلك الرواج الواسع وغير المسبوق في أوساط الحاكمين وغيرهم لنظرية أن هؤلاء الضباط الأربعة هم أصل كل علة. ثم جئنا من بعد، نتبلغ فجأة ونتابع على غير توقّع، قرارا من المحكمة الدولية بأنهم أبرياء وأصحاب حق في الرجوع الى بيوتهم.

لا شك أن هذا القرار المأخوذ من جهة تملك حق التقييم لما تسير عليه سياسات الدول والجماعات في هذا العالم يستحق منّا نحن اللبنانيين وقفة طويلة تعطيه كل ابعاده. فالفحوى في القرار ليست في أن المحكمة لا تريد أن تحمّل ضميرها أذى يلحق بضباط أمنيين أربعة كانت لهم في زمن عزهم صولات وجولات، وانّما الفحوى كل الفحوى هي في أن المحكمة، وهي التي نعرف دورها ومكانتها وأثرها بل ورسالتها الانسانية تجاه الشعوب، جاءت تتوجّه الى القادرين النافذين من اللبنانيين، بأن يحسنوا سياسة شعبهم فيسيروا هم باصلاح أحواله، لا أن يصوّروا الشر والخير متوقفين بشكل بائس عند ارادة ضباط أربعة، لا يملكون في النهاية، على فرض أنّهم لهم القدرة، أن ينقلوا شعب لبنان ودولة لبنان الى حالة سياسية واجتماعية ومدنية حضارية مطلوبة.

هي رسالة وجهتها المحكمة الدولية الى القيادات اللبنانية وشعب لبنان، ان ابدأوا وطالبوا أنفسكم بالمبادرة الانقاذية. فالقيادات الأمنية اذا كانت باخطائها قادرة على احباطكم فانّها لا تستطيع وان صلحت انقاذكم. هذا هو المعنى ولو المعبّر عنه بشكل غير مباشر الكامن وراء قرار تبرئة الضباط. فهذه التبرئة ليست مقصودة بذاتها بقدر ما المقصود وضع المسؤولية حيث هي في الاساس، أي على المجتمع السياسي على جماعة 14 آذار وجماعة 8 آذار. هؤلاء أليسوا هم المفترض ان يكونوا المنقذين، وهم المسؤولون عن التصور السياسي المستقبلي لا الجهات الأمنية. فالثورة التافهة في بعض الأوساط السياسية على تبرئة المحكمة للضباط ينبغي أن تتحول في نظر أهل الجد، الى مساءلة أهل 14 وأهل 8 عما ينتظرون هم ليباشروا التحرك من أجل انقاذ لبنان مما يعاني ووضعه على الطريق الصاعد الصحيح.

إن المحكمة ومن معها تكون مشكورة على تبرئة الضباط الأربعة إذا كانت تهدف من وراء ذلك كما نرجح، تحريض المجتمع السياسي اللبناني على أخذ المبادرة بنفسه ولنفسه ولما يريده لبنان لدولته ومجتمعه من ديموقراطية.

كلما أوغل المحللون الجادون في محاولة الكشف عن خلفيات الأسباب التي دفعت الجهات الدولية الى اطلاق الضباط المنسوب اليهم اغتيال رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق الشهيد رفيق الحريري استقر في الاذهان أن المقصود بتبرئة الضباط ليس الاشادة بهم وتنزيههم عن خطأ أو خطيئات أو جرائم تنسب اليهم بقدر ما المقصود البعث برسالة الى الأغلبية الحاكمة أن الأولوية ليست لمقاضاة الآخرين من نافذي الماضي بل الأولوية هي لتعريف اللبنانيين بالكيفية التي ستحكم بها الطبقة الحاكمة والعقلية التي ستدير بها أمور البلاد، وما هو تشخيصها للأحوال العامة وما هي أولوياتها وما هو برنامجها. ولا يكفي القول ان الامنيين مخطئون خاصة وأنهم أصبحوا من الماضي والناس تعرفهم بما فيه الكفاية.

ولكن ماذا عن الحكام، ماذا عن الذين اوصلهم الناس الى السلطة، اليسوا هم من تولوا ليحكموا ويصلحوا الامور، وهل صحيح ان العافية تعود الى لبنان الدولة والمجتمع بمجرد ان يذهب الضباط الى السجون وهل اللبنانيون ودول العالم سذج الى هذا الحد.

اللبنانيون أذكياء ويعرفون أخطاء الماضي ولا هم يجهلون عيوب الأمنيين ليقال لهم ان هؤلاء لا يستحقون حكم البلاد. ولكن ماذا عن المستقبليين من أهل الحل والربط وماذا هم فاعلون وقد حكموا وما هو برنامجهم، وهل يكفي القول ان الأمنيين قاهرون او سيئون؟!

هذه هي بالضبط الرسالة التي أرسلت بها الى لبنان الجهة الدولية التي برّأت الضباط. أغلب الظن أنّها أرادت أن تقول حدثونا أيها الساسة اللبنانيون خصوصا الأكثريون عما تحضرون للمستقبل. لا يكفي أن تدلوا على اخطاء الأمنيين. ما هو برنامجكم للمستقبل وبمن وكيف ستصلون بالبلاد الى المستقبل الذي ترنون اليه.

باعفائها القادة اللبنانيين واخراجهم من الحجر الذي كان مضروبا عليهم اراد العالم السياسي الدولي أن يقول للبنانيين ولا سيما ساستهم اننا نعرف جيدا ما عند الامنيين من نقائص ولا حاجة للحديث الكثير عنهم بل أن كثرة الحديث عنهم تفيدهم.

ولذلك أطلقنا سراحهم، ولكن ماذا عنكم أنتم أيها المستقبليون.

لكأن المراجع الدولية باطلاق سراح الأمنيين قامت بعملية تحد ايجابي لأهل السياسة المستقبلية في لبنان.

في الظاهر برّأت المراجع الدولية الضباط ولكن قصدها من التبرئة كان ولو من بعيد تذكير المستقبليين من أهل السياسة بأنه لا يجوز بعد اليوم التحجج بوجود نزعات سياسية عند ضباط أمنيين لتفسير عجز سياسي عند زعماء ونواب واهل فكر مسؤولين عن بقاء الحال السياسية اللبنانية بلا انجاب طيب وفعّال وصحيح.

لقد امضى اللبنانيون سنوات وسنوات وهم يسمعون من زعماء الديموقراطية في لبنان أن العجز السياسي ناتج عن أن فؤاد شهاب عسكري ويعطي دورا للعسكريين. لكن هذا لم يمنع من أن التاريخ سجّل ويسجّل أن الفترة الشهابية كانت على علاتها من أفضل ما عرفت السياسة اللبنانية من عهود.

من هنا فان التعلل بأن الأمنيين وليس الساسة هم مصدر العلة ليس صحيحا دائما. وقد يكون ادراك هذه الحقيقة من قبل الدول الصديقة والحريصة على لبنان هو ما جعل بعض المراجع الدولية تطلق بالأمس سراح الضباط وكأنّها تريد أن تقول للبناننين: "اصلحوا حياتكم السياسية يصلح كل شيء في وطنكم ولتكن عقولكم كبيرة أيها الساسة اللبنانيون ولا تلوموا الا أنفسكم، ولا تضخموا الأمور فتجعلوا من أي ضابط مشروع هتلر أو موسوليني يهدد الديموقراطية اللبنانية بدلا من أن تروا القصور في منشأه حيث هو أي في ديموقراطية لبنانية لا تقوم ولا تحافظ على نفسها الا بكيل المدائح للذات بدون حساب والتخلي عن الحس النقدي للممارسات الديموقراطية. فهذا الحس اذا غاب او غيب خسرت الديموقراطية اكبر ايجابياتها.

ولعل الرئيس اللبناني ميشال سليمان والرئيس فؤاد السنيورة والرئيس نبيه بري ثلاثة لبنانيين أقحاح وعروبيين أقحاح يعرفون جيدا وهم على رأس السلطة أن مشاكل الديموقراطية اللبنانية ليست ناشئة من وجود ضباط أمنيين يريدون القضاء عليها من خارجها بل من انحراف فكري عند بعض اللبنانيين بتصور أن الديموقراطية بغنى عن الالتزام بأي قواعد في بناء الدولة والمجتمع بينما هي بالعكس نظام قوامه فضائل الشعوب وواجبها في فرض الحدود باختبارها على ذاتها، والأمن هو وليد هذه الفضائل.

ولعل القرار الدولي بتبرئة الضباط ما هو الا حضّ اللبنانيين على فهم صحيح للديموقراطية يقوم على أن تكون الفضائل هي الحارسة الأمينة والدائمة للحريات.

ولعل الانصاف يقتضي القول ان رئيس الحكومة فؤاد السنيورة برهن عن أمانة للديموقراطية مرتين، مرة عندما ترشّح للانتخابات ومرة عندما كان قد دعا الى تصحيح مفهوم الديموقراطية وربطها بالجدوى لا بالدعوى فقط ولا بالفوضى. والشكر أولا وآخرا للقرار الدولي بتبرئة الضباط الذي جاء يذكّر اللبنانيين بأن الديموقراطية تقتضي أول ما تقتضي نظام رقابة من النفس على النفس. فالديموقراطية التي يشكل ضابط او عشرة ضباط خطرا عليها ليست ديموقراطية بالمعنى الصحيح.

ان الحساسية الزائدة هي أسوأ مستشار في تحديد ما يفيد أو لا يفيد في مصالح الدول ويجب أن نتوقّع بين آن وآخر ردود فعل على امور لم يكن عند فاعلها تقدير مسبق لمفاعيلها النسبية.

ففي الوقت الذي يشعر فيه كل لبناني بتضاؤل وزن الدولة ودورها وأدواتها وتصاعد دور كل ما هو غير الدولة من احزاب وطوائف وميليشيات ومنظمات متسابقة على تكبير دورها على حساب كل ما هو عام وكل ما هو مشترك وكل ما هو لبناني بالمعنى السياسي والوطني، لم يكن مناسبا ولا حكيما الا يجري التعامل مع جهاز أمني في الدولة وكأنّه متسبب بتعطل كل شيء في البلد. وحسنا فعلت أي جهة تعاملت مع السلطات السيئة السمعة على انّها جيدة وواجبة التقدير.

تصرف القضاء الدولي في قصة الضباط اللبنانيين الأربعة كما لو أنّه كان حذرا من أن يحمل رأي حكم صارم على الضباط معنى الشهادة بالطريقة التي يدير بها حكّام لبنان من أهل السياسة أو غيرهم أوضاع االلبنانيين.

ان الوضع كله في لبنان بحاجة الى صحوة جدية من أهل السياسة فيه تهدف الى تطوير جدي في أوضاعه. وهذا التطوير لا يجري، وليس قبل أن يقتنع أصدقاء لبنان بأن هذا الوطن بلغ مستوى الجدية المطمئنة على مصيره والتي من شأنها أن تعطي الوقار لكل ما يصدر عنه وليس لمحاسبة ضباطه الأمنيين فحسب. والا فان العالم المتقدّم لن يفهمه وينصره لا في قضية الضباط ولا في غيرها ولن يسمع لبنان من هذا العالم كلمة ثناء عليه، الا اذا هو أعطى بمجمل أدائه صورة المجتمع والدولة الجادين في امورهما، فلا ثناء بالتقسيط على تصرفات الدولة سواء تشددت في قضية كقضية الضباط او تهاونت.

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة