الرئيسية > الأخــيــرة

ضوء صحفي

سعودي عالمي


ممدوح المهيني

من حسن حظي أني التقيت في حياتي عدداً من الشخصيات العالمية الإنسانية في أماكن متعددة. تتجذر هذه الهوية العالمية لدى هذه الشخصية بدافع من انتمائها الإنساني العميق، وحبها للخير للجميع، وانتصارها على كل مخاوف العداء من الآخر، وسيادة أكثر الأفكار الرائعة الموجودة في العالم الآن، والقائلة بأن الإنسان أهم من كل شيء آخر. ومن الرائع أيضا أني تعرفت على عدد من الشخصيات السعودية العالمية الإنسانية، ورأيت فيهم كل الخصال الإنسانية العظيمة، وتعرفت على ذلك المزيج الساحر الذي يشكلونه بين أفضل الأشياء الرائعة في وطني والعالم.

ولكن في الواقع أن مثل هذه الشخصيات السعودية العالمية الإنسانية قليلة جدا، وهذا أمر غير مستغرب، فغالبية هذه الشخصيات قامت بصناعة نفسها بشكل شخصي، ولم يكن للنظام التعليمي أو الاجتماعي أو أي جهة أخرى دور في تشكيل شخصيتها على هذه الطبيعة الجميلة، بل إن هروبها وتمردها على جهات التنشئة السائدة هو أحد الأسباب الرئيسية لظهورها بهذه الهوية المنفتحة و المتفاعلة مع العالم. على العكس من ذلك تماما ما قامت فيه تلك الجهات التي شكلت شخصياتنا (مدرسة+ مجتمع وغيرها) بخلق شخصية سعودية معاكسة للشخصية العالمية، شخصية منغلقة وخائفة ومنعزلة عن العالم.

ولكن ما هي صفات هذه الشخصية السعودية العالمية الإنسانية التي أتمنى أن تسود في مجتمعنا، وما هي أبرز الاختلافات التي تفرقها بشكل جذري عن تلك الشخصية المنغلقة والخائفة المنتشرة بيننا؟!. شخصية السعودي العالمي هي شخصية في الأساس مفكرة وعقلانية . من خلال استخدامها التفكير العقلاني المستقل قادرة على نقد كل الأفكار التي تتلقاها من البداية.

ومن أول الأفكار وأكثرها انتشاراً التي تحقن في أدمغتنا منذ البداية هي أفكار التفرد التي تقول أنك متفوق على الآخرين في كل شيء. دينيا وعرقياً وثقافياً وحتى شكليا. مثل هذه الأفكار تسقط مع الشخصية السعودية العالمية الإنسانية التي ترى أنها لا تتفوق على الآخرين في شيء أبداً، وبأن مثل هذا الحديث الذي تردده العديد من الثقافات التي تخدع الشخص بوهم الكمال والتميز عن الآخرين باتت حديثاً قديما يجب تجاوزه.

من خلال هذه البوابة المهمة تنطلق هذه الشخصية السعودية إلى العالم كله. يشبه هذا الأمر أن تكون منعزلاً في غرفة ضيقة وتعتقد انك أجمل وأذكى من الجميع في الخارج، ولكن بمجرد أن تفتح الباب ترى الجميع بمستوى ذكائك وجمالك، وهكذا السعودي الإنساني العالمي، هجر الغرفة العقلية الضيقة التي تقول له إنه أكثر إنسانية وطهراً من الآخر، ودخل إلى القاعة الكبيرة للعالم التي تقول له إنه لا يختلف عن الآخرين، وهذا ما منحه بريق عالمي فاتن. وهذا هو ما وجدته واقعاً فعلا في هذه الشخصيات السعودية العالمية الآسرة فهي تختلط وتندمج وتحب الآخرين، إنها تشعر أن كل إنسان آخر مهما اختلف مكانه ولونه ودينه وفكره هو شقيق لها بالدم الإنساني، ولا يوجد في عقلها أي ذرة تعالٍ أو تعصب، بل إن التسامح وحب الإنسان هو ما يملأ كيانها.

السعودي العالمي يتخلص من كل المخاوف التي تزرع فينا وتقول إن هناك من يقوم بتهديد وجودنا وهويتنا وتراثنا. كل هذه مجرد أوهام من أجل محاولة الانكفاء والانعزال أكثر على الذات. هذا الانعزال هو الذي سيساهم بتهديد هويتنا لأنه سيمنعها من التفاعل مع الآخرين الأمر الذي سيؤدي إلى ضعفها وربما انقراضها. الدرس العقلي البسيط يعلمنا دائما التفاعل والاحتكاك الحضاري هو الذي يزيد تطور الشعوب ويزيد من قوتها وأهميتها، وهذا واضح تاريخياً من خلال الحضارة الإسلامية التي ازدهرت بسبب طبيعتها المتفاعلة المنفتحة، وتراجعت بسبب الخوف والانغلاق، وهناك أمثلة كثيرة قديماً وحديثاً على ذلك. لهذا فإن السعودي العالمي محارب للتقوقع لأنه سيحرمه من فضيلة الاختلاط مع العالم، والتعلم منهم، وهذا ما سينعكس خيره على هويته وبلده ومجتمعه.

ولكن أيضا فإن الشخصية السعودية العالمية تدرك مثلها مثل كل الشخصيات العالمية الأخرى الصينية أو البرازيلية أو الألمانية أن العالم بات يملك حضارة واحدة بثقافات متنوعة تغذيه وتثريه من كل مكان. لذا من أجل الاندماج مع هذا الحضارة العالمية يجب التخلص من كل القيم الثقافية التي تعارض جوهرها، وهي في نهاية الأمر قيم تعارض تطور ونهضة الثقافة المحلية ذاتها. مثلاً لا يمكن على السعودي أن يكون عالمياً وهو متعصب ويكره الآخرين لأن ذلك لن يجعله يندمج في هذا الحضارة الكونية القائمة بشكل رئيسي على احترام حقوق الإنسان. كما أن الياباني لا يستطيع الاندماج فيها وهو يحتقر المرأة أو الألماني الذي يؤمن بالتفوق العرقي، كل أولئك لا يمكن لهم الانخراط في هذه الروح الكونية الإنسانية الرائعة.

هناك من يقول إن في ذلك إلغاء للهوية المحلية وهذا غير صحيح . هويتنا لا تعكسها مثل القيم البغيضة المتعلقة بالتعصب وغياب التسامح والحرية وانعدام الحس الإنساني، واحتقار المرأة، لهذا من الخير لنا أن نشطب مثل القيم التي تأخرنا و في ذلك خير لنا قبل أن تكون سببا في اندماجنا مع الحضارة الكونية وتحولنا لشخصيات سعودية عالمية تفيد وتستفيد. ثم أننا نملك تراثاً رائعاً وجانباً مضيئاً من هويتنا يمكن أن ندمجه مع طبيعة الإنسانية الكونية التي لا تحارب بل تشجع بتقبل وجود مثل هذه الخصائص المحلية المميزة التي تقوم بدورها في إثراء التجربة الإنسانية. في حياتنا الكثير من القصص والفنون والتجارب والآثار والحكم والأفكار والمدن والقرى والقصائد والطعام والعادات والكثير من الأشياء التي تعبر عن الجانب الخيّر والحضاري من هويتنا. هذه الهوية الرائعة المشرقة المحبة للآخرين لا تتعارض مع كون الشخص يتحول إلى عالمي وإنساني، بل العكس كلما كنت عالمياً كلما كنت محلياً لأن تقديرك وحبك للإنسان والمكان حول العالم سيجعلك تحب أيضا الإنسان والمكان الذي تنتمي له وتعيش فيه. ولا يفترض لكي تكون عالمياً بأنك يجب أن تسافر أو تعيش في الغرب لسنوات، بل وأنت في غرفتك يمكن أن تكون عالمياً تطوف روحك وتحتضن الجميع في كل مكان.

شخصية السعودي العالمي ساحرة، وهي تعاكس بشكل كبير الشخصية المنغلقة السائدة الذي يتطور عندها التعصب بشكل مستمر حتى ترى في النهاية أنها فقط ومجموعة معها هي الصحيحة والباقون مخطئون وأقل منزلة. وهذا أحد الأسباب الرئيسية للتفتت الاجتماعي والتراجع الحضاري والفقر الفكري والشخصي، وهو الخطر الذي يهدد بالفعل هويتنا، وليس السعودي العالمي الإنساني الذي لو كان بيدي لنسخت منه الملايين ونشرته في كل المدن والقرى والبيوت.

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 40

  • 1
    هل تظن ان الانفتاح هو الحل ؟
    لااعتقد ان الانفتاح سيقدمنا. بل سيؤخرنا هذا ليس رائي انما هو الحقيقة فلا تذهب بعيدا هلا ذهبت الى دبي هل سمعت عنها... هل ستقارنها بالسعودية طبعا لا. وتعرف لماذا لا.. لانهم منفتحين وانظر الى مشاكلهم ولن يتقدمون الا بما يهلكهم..
    ولكن الصينيين تطوروا ولكن دون ان يمحون ثقافتهم..وقيمهم...
    لا اؤيدك نهائيا.لاننا لانتقبل عادات ليست بنا.

    هذا رأيي.. - زائر

    03:50 صباحاً 2009/05/14


  • 2
    ممدوح المهيني أصغر كاتب عرفته يحمل أثقل قلم صحفي
    الله يوفقك ياكاتبنا المميز إلى الأمام
    وأنت أحد الشخصيات السعودية العالمية التي نفخر بها

    القيصر الصغير - عضو

    04:34 صباحاً 2009/05/14


  • 3
    أكثر ما يميز مقالاتك هو أنك تشخص الواقع السعودي وتصوره كما هو
    شكراً لك على هذا الطرح
    وأتمنى من القراء أن يتنوروا بمقالات الاستاذ ممدوح

    أبو ريما - عضو

    04:40 صباحاً 2009/05/14


  • 4
    أما دينيا فلا يكون الإنسان مسلما حتى يعتقد تمام الاعتقاد أنه أفضل دين وأن كل دين غير دينه فهو باطل ومحرف ومبدل ولعبت فيه يد الإنسان حسب الأهواء.
    والإلزام بين (منغلق) و(منخرط) تضييق لما أمر الله
    الخلاصة :
    مطلوب أن نستفيد من الغير لكن لا نذوب فيهم ومن خلال ثقافتهم

    ابن هرماس - زائر

    05:03 صباحاً 2009/05/14


  • 5
    يعني المجتمع كله وحوش ومنغلقين وقله اللي منفتحين ؟؟ طيب احترمهم كل شخص له الحريه بالعيش كما يحب ان شاء الله يحبس نفسه ببيته هو حر..

    reema - زائر

    05:33 صباحاً 2009/05/14


  • 6
    فعلا من حسن حظك انك التقيت عدد من هذة الشخصيات, لانني لم أجد الا شخص واحد ولن يتكرر فهو يمتلك هذا التفكير العالمي ولا افضل ان اطلق عليه تفكير سعودي
    هذة الجمله اكثر من رائعه:وليس السعودي العالمي الإنساني الذي لو كان بيدي لنسخت منه الملايين ونشرته في كل المدن والقرى والبيوت.

    Blurry - زائر

    06:50 صباحاً 2009/05/14


  • 7
    اتفق معك في امور وفي نفس الوقت لاااتفق
    لكن سجل اعجابي بك وبكل مقالاتك

    عادل المطلق - عضو

    08:29 صباحاً 2009/05/14


  • 8
    اشكرك استاذ ممدوح فعلا استمتعت بقرات المقال
    بالتوفيق ياسيدي

    طفشاانه من الثاانوي :( - زائر

    09:23 صباحاً 2009/05/14


  • 9
    مقال رائع من كاتب أروع
    بالتوفيق أستاذ ممدوح

    بو عزوز - عضو

    09:35 صباحاً 2009/05/14


  • 10
    اخي ممدوح انت تقول(هروبها وتمردها على جهات التنشئة السائدة هو أحد الأسباب الرئيسية لظهورها بهذه الهوية المنفتحة و المتفاعلة مع العالم) كلامك عموميات لايمكن تأطيرها فالتسامح والتعايش والتعاون والانسانية والعقلانية والاندماج والاستقلالية والاندماج والتفاعل..الخ
    وفي الجانب الاخر (منغلقه خائفه منعزله متقوقعه متعصبه ) يا ساتر كل هذا فينا ونحن لانعلم !
    اتفق معك في بعض ما تراه ولكنني اختلف معك 100% في مسألة الدين فهذه لامجاملة فيهالاحد لان الدين الصحيح الوحيد هو الاسلام على منهج النبي والسلف المشهود لهم بالصلاح فقط، وما عدى ذلك مفتوح للنقاش.
    تحياتي

    ابراهيم القحطاني - زائر

    10:21 صباحاً 2009/05/14


  • 11
    اولا
    غالبية هذه الشخصيات قامت بصناعة نفسها بشكل شخصي، ولم يكن للنظام التعليمي أو الاجتماعي أو أي جهة أخرى دور في تشكيل شخصيتها على هذه الطبيعة الجميلة
    شخصية في الأساس مفكرة وعقلانية
    أفكار التفرد التي تقول أنك متفوق على الآخرين في كل شيء. دينيا وعرقياً وثقافياً وحتى شكليا تتجسد هذه النقاط في إنسان ومفكر ربما أيقنت أنه هو لا محاله..
    أشكرك ممدوح

    قارئه - زائر

    10:55 صباحاً 2009/05/14


  • 12
    تقول:عليك ان تتهرب وتتمرد على جهات التنشئة لتكون عالميا) أسألك ماجهات التنشئة لدينا ؟ المسجد المدرسة الوالدين هل تدعو للخروج والتمرد على الدين والتعليم والتربية الإسلامية؟
    تقول: إن هناك فضيلة الاختلاط مع العالم والتعلم منه، متى أصبح الاختلاط فضيلة؟؟ هل تعي معنى فضيلة؟؟

    بدر الشمري - زائر

    11:19 صباحاً 2009/05/14


  • 13
    كل مقالاتك الرائعة تسبر غور الحرح الإجتماعي المتخلف عن ركب الأمم (فكريا ) إننا مستهلكون لمنتجاتهم ومخترعاتهم ونحن لازلنا بشاعر المليون وغدا البليون ومشايين الإبل وشعر الفخر المصطنع والطعن بالأنسات المفندة إلا بالتحليل العلمي نصير سعوديون عالميون عندما نلغى المسميات القبلية والقبيلة لنا سعودي فقط

    محمد ابراهيم - زائر

    12:01 مساءً 2009/05/14


  • 14
    نعم كلامك صحيح ولكن الكثير لا زال يعتقد بانهم على صواب
    فهناك الكثير من ابنائنا طيور مغرده في سماء العالميه لأنهم لم يستسلموا مثلنا للواقع الذي يجير الى السمو عن الأخرين مع اننا في المؤخره عنهم
    فكيف نحمل صفات لا يحملها الأخرين مع بعدنا عن المعيار الأسلامي للتميز وهو التقوى الذي لا نأخذ بها الا عندما نتشدق على الأخرين بها
    هل المعايير التي تميزنا عن الأخرين سوف يأخذ بها من هو خارج السرب
    لدينا ابناء لم نعرهم الأهتمام وهم الأن يديرون مؤسسات عالميه

    احمد المديني - عضو

    12:10 مساءً 2009/05/14


  • 15
    (( كنتم خير امة اخرجت للناس ))
    وانت تقول وتقول عن الغرب اعداء الله ورسوله

    ام عبدالله فهد - زائر

    12:11 مساءً 2009/05/14


  • 16
    للأسف مازال الكثيرون هنا ( اخذين مقلب بأنفسهم ) انهم الافضل والاحسن منعزلين عن العالم الخارجي حتى الاوهام عشعشت ادمغتهم
    ماذا قدموا هنا من تقدم من حضارة من علم يجعلنا في مصاف الدول المتقدمة لا زلنا نقبع في دول العالم الثالث و دول اخرى تفكر وتغير للتقدم نحو الامام كماليزيا
    مقال رائع شكرا

    وحده من الناس - زائر

    12:41 مساءً 2009/05/14


  • 17
    مقال رائع جدا... لقد كتبت وقلت ما يجول في انفس الكثير بشكل واضح وبسيط... فعلا انت جوهرة الصحافة السعودية... ويحق لنا ان نفخر بوجودك...الله يحفضك ويجازيك بالخير على قدر نيتك.

    محمد عبدالله - زائر

    01:12 مساءً 2009/05/14


  • 18
    لا لا نريد سعودي عالمي بلا دين قوي ولا ثقافه عربيه اصليه
    ولا عادات ولا تقاليد
    لا نريد سعودي يلبس بدله وكفرته وينسى الغطره والعقال
    لا نريد سعودي يحب اليهود والنصارى والمشركين ويرى انهم مثل باقي ابناء قبيلته
    لا نريد سعودي نسخه اصليه من رئيس المنافقين عبدالله بن سلول
    نريد سعودي متعلم وبودوي خالص

    حسن اسعد الفيفي - زائر

    01:15 مساءً 2009/05/14


  • 19
    المسلم أفضل من غير المسلم...
    المتدين أفضل من غير المتدين...
    المثقف أفضل من غير المثقف...
    المتعلم أفضل من غير المتعلم...
    ... أعطني حسنات الإنسان العالمي لأقيسها بالمقياس السابق...

    عبدالله. - زائر

    01:27 مساءً 2009/05/14


  • 20
    القطيع تتم السيطرة عليه وتشكيله بواسطة نفخه أحيانا. والتاريخ مليء بالامثلة. نفخه بأصله العرقي أو القبلي أو العقدي ليصبح دابة سهلة الانقياد. وتخويفه بالمتآمرين عليه من خارج دائرته يصيبه بهلع يزيد من إلتصاقه بالقطيع والاصطفاف في وضع دفاعي محصن مغلق. أخيرا إغرائه بمكتسبات وفوائد عاجلة وآجله.

    بيريبي - زائر

    01:44 مساءً 2009/05/14


  • عرض جميع التعليقات

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة