تقع الجغرافيا الإيرانية في قلب خطوط المواصلات التاريخية بين الشرق والغرب وبين الشمال والجنوب. لقد كانت هذه الجغرافيا الواسعة ممراً حيوياً - يصعب الالتفاف عليه أو تجاهله - للقوافل التجارية العابرة، أو للجيوش الغازية التي تستهدف (السيطرة على - أو التحكّم في) هذا الممر، أو المقر الاستراتيجي؛ فتستقر به طويلاً، أو تكتفي بأن تمرّ به مرور الكرام!؛ كبقية العابرين.
هذا المرور العابر، وذاك الاستقرار الدائم، كلاهما قد أنتجا - من خلال الامتزاج المتنوع - مجموعة من الحضارات المتعاقبة، التي اتسمت بالتنوع الجنسي والتعدد الديني والمذهبي، الذي لا بد أن يفتح ذراعية لتنوع المعرفة الإنسانية؛ ولتراكمها؛ من حيث كونها ليست حضارات إلغاء، أي ليست حضارات تبدأ - أو تحاول أن تبدأ - من الصفر، بعد أن تلغي الثانية وجود الأولى. لهذا، تعددت الأديان والمذاهب والأجناس والمعارف في إيران منذ القدم، وأصبحت بعض مدنها الرئيسة مدارس للترجمة والعلوم واستنبات ثقافة الآخر، ما جعل بعض المؤرخين يعد إيران (مطبخاً) كبيراً للعقائد والأفكار والأجناس (= الأعراق).
كل هذا صحيح. وهو يعكس هوية الجغرافيا التي لا تتغير. لكن، إذا كانت الجغرافيا لا تتغير، فلا يعني أن الهوية المحايثة لا تتغير أيضاً. إن هناك من العوامل ما قد تخترق تأثيراتها صلادة العامل الجغرافي، وتكون أقدر منه على التحكّم في تحولات الهوية. تاريخ الجغرافيا الإيرانية تاريخ تنوّع. لكنه - بالتأكيد - ليس صحيحاً على الدوام. إيران الإمبراطورية الفارسية الواثقة من نفسها، ليست هي إيران المهزومة التي تعرضت ملامح هويتها للخطر على أيدي الغزاة، وكادت لغتها أن تندثر، وكانت هي - كأمة - على شفير الذوبان.
لاشك أن هناك محاولات للانغلاق، ربما تعود لأكثر من عشرة قرون. لكن، ربما كانت المحاولة الأوضح، وذات البعد المؤسساتي، هي المحاولة الصفوية، التي وضعتها خياراتها السياسية في سياق الانكفاء على الذات، وتعزيز التمايز عن الجوار؛ كي تحمي نفسها من الذوبان في المحيط العثماني التركي الذي كان طوفانه الاستعماري يلتهم الجميع.
في هذا الظرف التاريخي الخاص، والحرج جداً، وجد الصفويون أنفسهم أمام خيار سياسي ديني، يمكن أن يحميهم من الاجتياح التركي، وهو أن يصنعوا من التشيع تشيعاً خاصاً، تشيعاً يمعن في الابتعاد عن المحيط، بدل أن يحاول الاقتراب منه، كما صنع الأمويون - قديماً - من التسنن تسنناً خاصاً (وهو التسنن الذي مثّل فيما بعد هوية الدولة العثمانية، لكن العثمانيين وضعوا القومية التركية بدل العربية)، تسنناً يجعل من الإسلام مجرد إيديولوجيا للهيمنة العربية أو لهيمنة العنصر العربي على بقية الأجناس. وكما راج تشيع الصفويين السياسي، ذو البعد القومي، وكاد يطغى على التشيع الروحاني المنفتح على العالم، راج التسنن الأموي أيضاً، ذلك التسنن الذي تبنته التقليدية فيما بعد، وأصبحت تنافح عنه، بوصفه التسنن الصحيح، بينما هي - في الواقع - تنافح عن إيديولوجيا دولة بائدة، لم تفحص - إلى الآن - مخلفاتها، ولا أثرها على صناعة الدين. لقد كان للسياسية الصفوية تشيعها الخاص، الذي أُريد له أن يكون حدود دولة قومية خاصة بأهلها، أكثر منه حدود دين عام، كما أراد الأمويون - في المقابل - أن يجعلوا من التسنن مشروع دولة خاصة، لا مشروع رسالة عامة؛ كما يجب أن تكون رسالة الإسلام.
وبما أن نفوذ رجال الدين قد تقلص - على نحو واضح - منذ نهاية العصر الصفوي، فقد كان هذا يعني تراجع الروح الصفوية الانغلاقية، والانفتاح على التنويعات الدينية والذهبية والعرقية في إيران. بمقدار تراجع نفوذ رجال الدين التقليديين؛ يكون الانفتاح والتقبل للآخر. ولهذا، كانت فترة حكم الشاه محمد رضا بهلوي، هي الفترة الأكثر انفتاحاً على التنوع الداخلي وعلى المختلف الخارجي؛ لأنه - وبصرف النظر عن طبيعة حكمه الاستبدادية في هذا السياق - كان لا يسمح بأن يتحكم رجال الحوزات بمفاصل السلطة التشريعية أو التنفيذية. ولا أدل على ذلك، من كون الأقليات، حتى التي ينبذها رجال الدين بقوة، قد وصلت إلى أماكن حساسة جداً في دولة الشاه. وبهذا تكون ثورة الخميني (الثورة الإسلامية!)، هي ثورة رجال الدين، رجال الانغلاق، على المجتمع الإيراني، المجتمع المتنوع بفضل غياب رجال الدين.
صحيح أن الشاه لم يكن ديمقراطياً، بل وكان قومياً متعصباً. لكن يبقى التعصب القومي أخف - بمراحل - من التعصب الديني والمذهبي، الذي أصبح هو هوية: جمهورية الخميني. فرغم تعصب الشاه، كانت الأقليات تحظى بكثير من الحقوق، وتجد لها موقعاً في سلم السلطة. وكانت الصحف والمجلات والإذاعة والتلفزيون والأقسام العلمية في الجامعات، تزخر بكل متنوع، حتى ما هو مضاد لرغبات الشاه. فالكتب الماركسية - مثلاً - كانت تباع علانية على الأرصفة، وفي الميادين المحيطة بالجامعة، رغم أن الشاه كان يكره الشيوعية، ويعتبرها الخطر الحقيقي الذي يتهدد حكمه. وكذلك حاله مع بقية التوجهات.
بعد ثورة الخميني، وإرساء جمهورية الخميني، جمهورية الملالي، لم يعد للآخر - أياً كان هذا الآخر - مكان فيها. العرب والأكراد والبلوش والتركمان والسنة والبهائيون واليهود.. إلخ، لم يعد لهم موقع في الجمهورية (الإلهية) لمجرد أنهم لا ينتمون إلى الخمينية، ولا يؤمنون بولاية الفقيه. ولهذا، فمصيرهم النفي والإقصاء والتهميش. وهذا لم يكن يحدث تلقائياً، كإفراز لثورة غاضبة، وإنما كان يمارس بوعي، ويجري التخطيط له، وتنفيذه بمبررات - إن صدقت - لا تمس حقيقته، وإنما تتغيا مجرد التبرير، التبرير الذي يفتح الأفق لمزيد من العداء والتعصب ضد الآخرين.
1
تحيه لفكرك النير استاذي , يقول المرحوم محمد شريعتي وهو رجل دين مستنير وانساني ان التعايش بين السنه والشيعه يكون بتسنن بلا امويه وتشيع بلا صفويه لان الذي كان يحكمها مصالح سياسيه غذيت عبر التاريخ
ناقشوا التاريخ بحياديه ستجدون الحقيقه منذ وفاة الرسول الى يومنا هذا
رجال الدين اعداء الانسان والحريه
بندر الاسمري - زائر
03:42 صباحاً 2009/05/14
2
كان الشاه يخشى من الشيوعيه فوقع عليه ماكان يخشاه
من جهة كان يعتقد أنها صديقة وفيه حيث أن الدول الغربيه
تبنت الخميني وأوصلته إلى السلطه لأهداف مازالت خافيه
أبو سته - زائر
05:09 صباحاً 2009/05/14
3
اخي الكاتب
انه من العيب والمشين ان تتهم ايران الثورة التي صنعت نموذجا حضاريا لايضاهيها فيه اي من الدول الاسلامية الاخرى بهذه التراهات
اكبر دليل على ذللك هو وقوف ايران الى جنب المقاومة الفلسطينية السنية واحتضانها وهوعكس ماتفعله الحكومات السنية من محاربتها وحصارها.
المطلوب قليل من الموضوعيه
موسى محمد - زائر
06:39 صباحاً 2009/05/14
4
بارك الله في جهودكم
يعطيكم العافية
فاللهم احفظ وطننا الغالي من كل مكروه وسوء.. ووفق ولاة الأمور إلى ما فيه خير البلاد والعباد.
شمس الرياض - زائر
10:40 صباحاً 2009/05/14
5
موسى محمد تعليق 3 أن غدا لناظره قريب وهل هناك شرخ أكبر من التفرقة بين الاشقاء الفلسطينيين..
الجواب - زائر
10:58 صباحاً 2009/05/14
6
اذا حكمتم بين الناس فاعدلوا هل ينسى الكاتب كم من المليارات دفعت لصدام كي يبيد ملايين الايرانيين هل فعلا لايرى الملايين من الكتب التي تطبع وهي تحمل عناوين تكره بايران والشيعة وشيطنتهم الم يسمع بفتاوى تكفيرهم اليومية من يصنع الكره (اتامرون الناس بالبر وتنسون انفسكم وانتم تتلون الكتاب
muhammad - زائر
12:52 مساءً 2009/05/14
7
لكن من المعروف تاريخيا أن شاه إيران كان يدعم إنشاء دويلة شيعية في لبنان وأخرى في العراق...
zahi - زائر
01:01 مساءً 2009/05/14
8
أدت دولة الملالي الدور المطلوب منها بإمتياز وزوالها ليس ببعيد وبعبع الخليج دور ووظيفة فطرية لأى حكومة تأتي بعدهم.
عندما كتب كسينجر العدو القادم هو الاسلام كان يعلم بالمخططات للمنطقة وحينها لم يفهم أحد مغزاه.
تحول إيران لديموقراطية علمانية سيكون سهل جدا نظرا للتنوع الكبير فالتطاحن سيكون كارثي على
بيريبي - زائر
01:23 مساءً 2009/05/14
9
السيد بندر الاسمري العلماء ورثة الانبياءصلى لاينبغي ننكرفضلهم أبتداء من الصابة ومرورا بلاممة وانتهاء بصمام امان الفتنة ماشاء الله بل ينبغي ان نقول حفظهم الله وجزاهم خيرا
ابو عبدو - زائر
03:16 مساءً 2009/05/14
10
شكرا لك والرد الرقم 1 أفضل الردود
أبو ياسر _ مكة المكرمة - زائر
04:35 مساءً 2009/05/14
11
ابو عبدو اسعدت مساء
صحيح العلماء ورثة الانبياء
ولكن اي علماء
ويجب ان نفرق بين العلماء
والمدعيين انهم علماء
ويمكن التفريق بينهم بسهولة
وعليك فقط اجراء مقارنة بسيطة
وستعرف الفرق بين العلماء
ومن يدعي انه من العلماء
العلماء السابقيين رفعوا الامة
بينما مدعي العلم الحاليين
اهانوا العلم والامة
الفرق بين العلماء - زائر
05:44 مساءً 2009/05/14
12
لا شك أن الشهيد محمد شريعتي والآن ابنه علي شريعتي هم المنادون حقيقة بتشيع علوي وينبذون الصفوي السياسي، يقابلهم الآن من ينادي بتسنن محمدي لا التسنن الأموي الذي روج لكثير من أحاديث تشد أزر جبروته للتوسع الإجرامي الذي سمي الفتوحات ووصفت بالإسلامية، هذا عدا الأحاديث التي تبرر سرقات الخلفاء وتوسعهايتبع
حصة/1 - زائر
06:57 مساءً 2009/05/14
13
ومن يريد الاستزادة فليقرأ كتاب علي الوردي وعاظ السلاطين، الوعاظ دوما هم سر البلاء الحائل عن أي تقدم،وكذلك كتاب الشهيد محمد شريعتي، أعداء الحرية والبهجة والفرح هم أعداء الانسانية في كل مكان وزمان،ولاية الفقيه والحاكمية هي مراد المتشددين من كل طائفة، خميس الرياض قمة بنور المحمود -باركه الله/
حصة/2 - زائر
07:03 مساءً 2009/05/14
14
^
لماذا لانكون أكثر جرأةً في الطرح وأوضح في التصوير
لماذا دائماً نجعل الوعاظ هم الشمّاعة لكل مايحدث من تخلف ورجعية ؟
من قرأ كتاب علي الوردي بتمعن ودقة يعلم علم اليقين بان وراء كل تخلف
" سلطان " يطبل له واعظ..مرتزق
تحياتي
مجهول - زائر
07:32 مساءً 2009/05/14
15
صدام بطل وشهيد ووطني
كل شعوبي حاقد على العروبه يكره صدام
اتحدى ملايين الفرس والعرب والامريكان ان يقولو
لا اله الا الله بشجاعه وهم على حبل المشنقه
الفرس والصهاينه والصليبيون هم اعداء الامه العربيه ويعملون على القضاء عليها
المنافقين والشعوبيه هم اعداء الداخل الذين يسهلون مهمة اعداء الامه العربيه
حسن اسعد الفيفي - زائر
07:41 مساءً 2009/05/14
16
هل المقصود ايران بالذات؟ رغم اني ارى فيها تطورا لا بأس به مقارنة بباقي الدول الاسلامية.
أم ايران هي المدخل لطرح مشكلة عامة تؤرق العالم الاسلامي ككل؟
اشكرك على وجهة نظرك...
وأسلوبك الذكي. :)
مازن - زائر
08:09 مساءً 2009/05/14
17
الاخ ابو ياسر والاخت حصه الشكر لكما , اما بالنسبه لكتاب وعاظ السلاطين فهو من اجمل الكتب التي قراتها ولازلت اعيد قراتها في كل مره واتمنى ان يقراه رجال الدين وقبلهم العوام ليروا خداع رجال الدين لهم عبر التاريخ
كما اتمنى ان يقرأه ابو عبدو اشك انها ستتفتح امامه اشياء كثيره كان مخدوع بها من علمائه
بندر الاسمري - زائر
10:09 مساءً 2009/05/14
الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة