إن لم يكن حصل انقلاب عسكري في لبنان في ربع القرن الماضي، وهو ما لم يحصل بالطبع، فقد حصل ما يمكن تسميته «بالحالة الانقلابية» التي لها في النهاية نفس مؤديات ونتائج الانقلاب العسكري. فإذا كان من طبيعة الانقلاب العسكري إنهاء وضعية سياسية واجتماعية وثقافية سائدة وفرض وضعية مختلفة في هذه الشؤون، فإن الحالة الانقلابية التي شهدها لبنان في ربع القرن الماضي وصولاً إلى وقتنا الراهن، قد انتجت تغيراً جذرياً في مسيرته بحيث يمكن القول إن لبنان الحالي لا يمت إلا بصلة واهية إلى لبنان السابق تماماً كما حصل في مصر بعد انقلاب أو ثورة يوليو العام ١٩٥٢. غابت مصر السابقة التي عرفها العالم قبل عام ١٩٥٢ لتحل محلها مصر أخرى بقيم وتقاليد وأعراف ومواصفات مختلفة تماماً، حتى لكأن مصر التي كان يعرفها العالم لم تكن موجودة أصلاً. غارت في البحر وابتلعها اليمّ. غابت مصر الأولى غياباً تاماً مطلقاً لتولد مصر ثانية لا تقرب مصر الأولى من قريب أو بعيد، ولدرجة التساؤل الساذج أحياناً عما إذا كان لمصر وجود قبل عبدالناصر وصحبه؟
الأمر نفسه تقريباً يحصل في لبنان الآن. بنظر كثيرين لا يمتّ لبنان الحالي بصلة إلى لبنان السابق الذي عرفه العالم حتى الثمانينيات من القرن الماضي. الحياة السياسية تغيّرت. الحياة الاجتماعية. الحياة الثقافية. يمكن للمرء أن يستنتج ذلك بكل سهولة من الاطلاع على كتب تحكي عن لبنان السابق أو تؤرخ له، وآخر هذه الكتب كتاب عن بيروت لمحمد كريم، وهو مخرج مسرحي، وكتاب آخر لوزير الخارجية الأسبق فؤاد بطرس، إذا قرأ القارئ هذين الكتابين ثم قارن بين صورة الأمس وصورة اليوم خُيّل إليه ان كتابيْ كريم وبطرس روايتان لا صورة حقيقية لما عرفه أو لما كانه لبنان قبل ربع قرن لا أكثر. ولو أن هذا القارئ انتقل من المقارنة إلى التحليل، فتساءل عن السبب، لما وجده إلا في ثقافة المذهبية وثقافة السلاح المنتشرة بقوة في هذه البيئة أو في هذه المنطقة من لبنان. سمّمت هذه الثقافة المذهبية المسلحة الحياة اللبنانية ونآت بها عن مناخات السماحة والوداعة التي كانت ميزة أصلية في الجينات اللبنانية. بات اللبناني ينظر بريبة إلى اللبناني الآخر حتى لكأنه ليس أخاً له في الوطن. انتشر معجم مذهبي جديد بآلاف الصفحات أين منه المعجم المذهبي القديم الذي لم يكن عدد صفحاته يتجاوز العشرة. نشأت «غيتوات» لبنانية تشبه «غيتوات» النازحين أو المهاجرين إلى بلدان أجنبية مع مفارقة غريبة هي أن «غيتوات» النازحين تتشوق إلى الوطن البعيد وتحنّ إليه. أما «الغيتوات» اللبنانية، فأمرها غريب إذ المفترض أن لبنان هو الوطن، فكيف تتشوّق إلى وطن آخر؟
وبسبب من سيادة ثقافة الطاعة والاذعان للقرار الاقليمي أو الخارجي، لم يعد هناك سياسة أو عمل سياسي. باتت اسماء المرشحين للانتخابات تصدر بقرارات منزلة من الفلك الأعلى، وبات يتعين على الناخب أو على المواطن أن يقترع للائحة جاهزة مبرمة معلبة وكأن كل الحرية التي تبقت له هي حرية الطاعة.
وكما فقدت الحياة السياسية اللبنانية ألقها أو بريقها الذي كان لها في السابق، فقدت كل حياة أخرى هذا الألق والبريق. طبعاً هناك من يقاوم هذا الجو الضاغط بضخ كمية كبيرة من الانفراج والرحابة والأجواء المفتوحة، ولكن خللاً جوهرياً طرأ على السفينة المبحرة في اليم. إنها في الأصل سفينة رقيقة ضامرة ذات بنية ضعيفة، ولأنها كذلك فإنها تتطلب تضافر كل ركابها وتعاونهم لينجو الجميع من الهلاك. فكيف تكون حالها وقسم من ركابها يشدّون بها في اتجاه آخر غير الاتجاه الذي يفترض أن تتجه إليه؟ وكيف تكون حالها وهذا القسم من الركاب مسلّح ويرطن بلغة أعجمية لم ينطق بها اللبناني في تاريخه؟ وما مصير هذه السفينة؟ وثقافة الطاعة والاذعان تريد أن تفرض سيطرتها على بلد مرادف للحرية وثقافة الحرية، وللحرية والثقافة قبل أي شيء آخر؟
إن لبنان السابق، أو لبنان الآخر على الأصح، ما زال يقاوم وقد قاوم فعلاً ثقافة السلاح والطاعة وعاونه في هذه المقاومة اشقاؤه العرب، والعالم قاطبة. وقد صمد لبنان في ذلك وما الثورة التي تسمى «بثورة الأرز» التي قامت اثر استشهاد الرئيس رفيق الحريري، سوى علامة لصمود لبنان ورفضه لكل أشكال التبعية والظلامية والخرافية، وإصراره على النطق بالعربية ونشدانه لأهداف العرب وغاياتهم دون سواها. ولكن الصراع مستمر بين لغتين وثقافتين ومشروعين، ولم يوضع له حدّ حتى الساعة.
والواقع أن العرب جميعاً، وليس اللبنانيين وحدهم، في خضم هذا الصراع الذي على نتائجه يتوقف مصير المنطقة في المستقبل، لا مصير اللبنانيين أو العرب وحدهم.
1
بارك الله في جهودكم
يعطيكم العافية
فاللهم احفظ وطننا الغالي من كل مكروه وسوء.. ووفق ولاة الأمور إلى ما فيه خير البلاد والعباد.
شمس الرياض - زائر
10:26 صباحاً 2009/05/14
2
استاذ جهاد الذى يحدث فى لبنان حدث ويحدث فى كثير من المناطق وبحدث
هذا عندما يختلف اهل الدار ويرفض بعضهم ضيوف بعض وهم اقوياء،فيتقاتلاء
فيضعفاء،فيحتاجا للغير فيدخل ويتصرف.مع هذا اى فريق يتعامل مع الخارج
ضد وحدة وطنه لن ينجح والخارج يرفضه لأنه لايثق به...نحن فى بلادنا
وحدتنا هى حياتنا وخط احمر للجميع نرجو السلامة للبنان وثورة ارزه
صالح رشيد الأبراهيم - عضو
10:48 مساءً 2009/05/14
الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة