في شقاء مستمر يظل المشتغل بهمّ الإبداع عبر أي وسيلة يتفاعل متراكماً مع بؤرة شقائه يلتف عليها بتكرار دائم غير عابئ بسواها إلا ما كان يرى أنه سيدور في فلكها مضيفاً على اللفة لفات أُخر متشابهات في الكينونات وفي العطاءات كذلك لأنه في حالته المتلبدة بالشقاء مضمراً أو مصرحاً بأنه (لن ينتهي الشقاء) على طريقة الرسام العالمي فان كوخ، فإنه يعلن عن ذاته التي يعيها ويعمل من أجلها كل ما يرى أنه سيدور في مدار ما تريد وما تحبذ وما تشتهي أن يكون سائداً داخل إطارها المتسع باتساع الكون لاستيعاب الجذور والأعالي الشقائية المتلبس بها الإنسان الشفاف المدرك في أعماقه بُعد المحبة التي تحتويها روح الإنسان السوي والقمين بسمة (إنسان) يدرك ويفكر ويعي ويعطي ما يتوجب عليه لسواه في تساو مع ما يراه لنفسه هو فمن حق الآخر أن يكون هو ثانياً لتزداد ال(هو) إلى هم، ونحن، والأخيرة أقرب إليه حيث هي التي تعطي للحياة الخاصة دفعات للتلاحم مع غيرها في تكوين حالة الاندماج في حياة مشتركة بين الناس، وبهذا يكون الفنان المبدع هاجساً بهمّ الآخرين الذين هو منهم، فشقاؤه متعدد إلى شقاوات أخر تجتمع بشقاء واحد يتمثل في عطاءاته التي يستطيع أن يتواصل بواسطتها مع المحيط الكبير بغية التأثير بقدر الإمكان ؛ فالصائغ يوسف صاغ سبائك فنية رائعة لافتة شعراً ونثراً ورسماً وجميعها معجونة بذوق فني فريد يتسم بالسهولة والتسلل إلى أعماق المتلقين على كافة المستويات لكونها تنبع من نفس مشحونة بطاقة ابداعية واعية لها قدرات خارقة على التخطي والتجاوز للذات والآخر، وما يهم أنها لا تعوم في ذات المعنى مرتين فهي تتشكل بمنظورها البعيد المدى لاستيعاب الكائن وليكون في حدس توقعي مستمد من عمق التجربة والدربة على الإحاطة والشمول بالمأمول والمتوقع، فالصائغ في شعره يبسط الموضوعة بسلاسة تشرك القارئ بالتفاعل والدمج ليصبح منها في داخل أبعاد النص، ففي تصويره لحالة الرجوع من الهجرة الأولى القسرية إلى العراق يرسم بالكلمات:
«أمس..
رجعت إلى بيتي..
وتعجبت!
تراني اخطأت الحارة والشارع..
كيف يضيِّع إنسان مثلي بيته
أو يخطئ جيرانه..؟
أطرقت..
ولم أسأل أحداً..
يجدر أن انسحب الآن
واكتم أحزاني
وأروح أفتش في وطني،
عن بيت ثان!!»
وعن آلامه في غربته يتأوه منساقاً وراء تفاعل الأحاسيس المتولدة من جراء الفقد والبتر: «في غربتي كنت أفكر مشفقاً، إنني حين سأعود سأكون مجبراً على قبول الكثير من علامات النفي في المنزل الذي خلقت فيه وإن ذلك سيكون مؤلماً إلى حد بعيد بحيث يُخيل لي من الأصلح ألا أعود لولا أن معنى البيت الأول ظل أقوى من ألمي، فما تزال في هذا البيت غرفة موصودة وسرير جديد من خشب الصاج، ومكتبة.. وأوراق سرية، ورسالة غرام، وفوق ذلك كله كان لي فيه أمي..، التي هي علة ولادتي، ومدينتي التي بقيت أسميها - مدللة - وذات خلاخيل:
« مدينة
أعرف دارنا بها
وهل أعز في القلوب.. مثل الدار؟
من عطفة تميل عند الباب
أو حجارة تنبو من الجدار
مما كتبناه على جدرانها
كعادة الصغار
أغمض عيني أنا
أدقّ بابها
أحس مصباح الطريق فوق هامتي
ووقع خطوك الحنون خلف الباب
يا أماه »...!
في استمراره مع العشق الأبدي للشقاء النابع من عمق ذاته المتلبسة بالشقاءات من أجل أن يكون مفتاحاً للبحث عن مسار يتساوى فيه الإنسان أنى كان وفي أي مكان تظل حرقة السؤال تشتعل في أعماق المبدع الحق إلى أن تكون هي السبب في اشتعاله حتى الترمد، وهذا هو التام في حياة الإنسان، عندما يكون همه الإنسان.
نزهة في حديقة الشاعر يوسف الصائغ الوارفة الجمال والواسعة المجال لم تستغرق مساحتها سوى رقعة أصغر من صغيرة لكنها كبيرة في نفسي التي في توقها للجمال استعارت رداء مما هو موجود في إحدى خزائن المبدع العملاق لتتزيا ببعض جمالياته في التماهي بتوافقية جلبتها الأحاسيس، وركزت مؤخراً على أن كتاب «الاعتراف الأخير لمالك بن الريب .. سيرة ذاتية» ❊ ليوسف الصائغ هو كتاب مجلد بالألم والأمل يتكئ بشكل شامل على قاعدة الصدق الفني ، متقن بتناسق جمالي متكامل، وهنا تكمن الروعة التي لا تتأتى إلا للمبدع الحق عندما يرسم ويحكي مجسداً أحاسيسه بكل تجرد في سيرة حياة أو جزء من حياة امتدت من ١٩٣٣ إلى ٢٠٠٥ بطريقة يحفها الشوق ليلهث وراءها القارئ في محاولة استكناه تساندها اللذة الممتعة التي قلما وجدت في كتب السيرة الذاتية لكتّاب العربية - أستثني من ذلك ميخائيل نُعيمة في كتابه سبعون حكاية عمر- الذي يعتبر قمة في كتب السيرة الذاتية.
❊ الكتاب صدر عن دار الشروق القاهرة ٢٠٠٨.
1
بارك الله في جهودكم
يعطيكم العافية
فاللهم احفظ وطننا الغالي من كل مكروه وسوء.. ووفق ولاة الأمور إلى ما فيه خير البلاد والعباد.
شمس الرياض - زائر
10:24 صباحاً 2009/05/14