الثلاثاء 17 جمادي الأولى 1430هـ - 12 مايو 2009م - العدد 14932

لماذا هربوا من أنفسهم؟

تركي بن عبدالله السديري

    كمن يتذكر..

فجأة عرف أنه نسي أشياء كثيرة..

بسرعة مذهلة أخذ يستعيد ما نسيه حتى يعيد تكوينه..

ويقيس المسافات التي يجب أن يصل إلى ذروتها كي يضاعف احتياطات نجاحه في تقدمه نحوها..

كأننا عرفنا منذ عشر سنوات تقريباً فجأة أن الاستيعاب الدراسي الجامعي لدينا لا يكفي لاحتياج مدينة الرياض وحدها أو جدة وحدها..

وأن ما يقارب الثلاثة ملايين في الوقت الحاضر من الحجاج من غير المعقول أن يستوعبهم مسار كان عدد الذين يعبرونه قبل ١٤٠٠عام ربما لا يزيد عن الثلاثين ألفاً فنشط جدل عقيم يرفض ويعارض على التوسعة قبل أن ينتصر العقل والفقه معاً في تعديل ما يجب أن يكون..

حقيقة بعضنا.. من يكتب.. أو يتبوأ مركزاً وظيفياً جيداً.. أو يقود مجموعة رأسمال جيد.. هؤلاء لم يعانوا من محاصرات المرض العارض وعجز مواقع العلاج في المدينة الكبيرة.. أياً كانت.. عن استيعاب سكان حي صغير فيها والأكثرية فاقدون لتلك الخصوصيات قبل أن توجد بعثاتهم والتوسع في توظيفهم ومباشرة توسع الخدمة الطبية الذي يحتاج إلى حتمية زمن..

أشياء كثيرة كان العربي الآخر يرانا من خلالها والواحد منا مجرد «بدوي» تعلم فقط كيف يلبس ووجد.. دون أن يدري.. أن الفلوس في جيبه..

والغريب أننا نحن الذين نجونا من سلبيات العالم العربي حيث مرت في مخيلتنا صور نزاعات وحالات اقتتال عنيفة في أكثر من سبع دول عربية لأسباب صراعات حزبية أو طائفية أو حتى تسلط شخصي يفترض أن نكون قد باردنا وفي وقت مبكر لسد الثغرات - بالوعي - المبكر خصوصاً وأننا مثل غيرنا توجد لدينا الطائفية وتمثل القبلية حضوراً أقوى من حضور الحزبية..

لماذا لم نبكر في طرح الاختلاف عن الآخرين بوقت مبكر..؟

لقد مارس الملك عبدالله بن عبدالعزيز مهمة مبادرات تاريخية ليست بالسهلة.. صحح أوضاع التعليم.. والتوظيف.. والاقتصاد.. وتأهيل الإمكانيات الصحية.. ودعم التوجهات الإنسانية.. بل ارتفع بالمفاهيم إلى تبني مسؤولية حوار الأديان..

مبادرات تاريخية غير عادية دون شك..

لكن أين هو موقفنا كمجتمع من أنفسنا..

لماذا لا زال وجه المرأة مشكلة.. وقيادتها للسيارة معضلة هي التي قادت الجمل واخترقت وحدها الصحراء بفريق الأغنام.. هي التي عملت في البيوت قبل ستين عاماً تقريباً كمستخدمة دون حاجة إلى محرم..

لماذا لا توجد السينما الملائمة.. ويستعاد وجود المسرح ويتحول انتشارنا الفني في المحطات الفضائية إلى حضور اجتماعي.. أليس غريباً ما نشر في «الرياض» عدد يوم ٦-٥ وذكر فيه مدير جمرك جسر الملك فهد أن عدد من عبروا الجسر أثناء الإجازة الأخيرة بلغ ٥٥٠.٣٦٠ شخصاً.. ترى كم عدد الذين ذهبوا إلى مدن أخرى.. إنهم لم يهربوا من المكان في حقيقة الأمر ولكن هربوا من أنفسهم..