الرئيسية > مقالات اليوم

أي ديموقراطية تجدي في لبنان


منح الصلح

رغم أن أحداث عام 1948 سميت في زمانها "الثورة اللبنانية" ضد حكم الرئيس كميل شمعون واسع العلاقات بالغرب الأنجلو أميركي إلاّ أنها كانت في حقيقتها العميقة تصادما" بين قوى عالمية" و عربية" متنازعة حول حصصها من خيرات المنطقة و فرصها في استخدام لبنان لمصلحة استراتيجيات خارجية طموحة يريد اصحابها لأنفسهم كل شيء انطلاقا من مراكز ممتازة يقيمونها في كل مكان بدءا من لبنان بعد أن نجح العرب وأصدقاؤهم كالاتحاد السوفياتي في تعطيل استخدام إسرائيل كبوابة دخول مباشرة وسريعة وحرة إلى كل شيء تريده تل آبيب وحلفاؤها من الكبار.

غيظ عميق أشعل صدور أقوياء العالم نتيجة قصور الكيان الإسرائيلي عن تأمين معبر حرّ ودائم لمصالح الغرب في المنطقة ومن المنطقة فجاؤوا يحاولون إقامة بديل عنه في لبنان، الأمر الذي فضحته نتائج أحداث عام ,1948 حين استعصى لبنان الوطن والشعب على كل من اراده أن يكون ممرا" أو مقرا" لأية سياسة تطلق أيدي الآخرين في المنطقة. والواقع أن أهم ما يسّر مهمة الرئيس فؤاد شهاب في حكم لبنان نجاحه في تأمين صورة جيدة لحكمه بعد ان كان الذكاء اللبناني الشعبي كان قد اكتشف قبل مجيء شهاب إلى السلطة أن ما كان قد سمي بالثورة على عهد كميل شمعون، نجح في اقناع الكثرة الكاثرة من اللبنانيين بحقيقة أن الصراع هو ثمرة عدم اقتناع لبناني كافٍ بوجود مصلحة وطنية لبنانية في ما يجري من احتراب سياسي داخلي وان الامر هو وليد لقراءة مغلوطة لخلفيات الثورة التي هي بالأساس صراع على الشرق الاوسط بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، وليس خلافا على موضوع النظام اللبناني.

إن خميرة الضلال السياسي في بلد كلبنان هي ثمرة أحد تصورين، الأول يبالغ بتصغير الذات والثاني يبالغ في تكبيرها، وكلاهما مغرض، ولا صدقية في النهاية إلا في واقعية ترى الأشياء كما هي يرافقها كبرياء وطني حقيقي.

ان أسوأ ما في عقد النقص هنا أنها لا تؤدي إلى أي مكان، فلبنان يبقى في النهاية غير قادر على ايجاد دور مقنع سواء للنفس او للبعيد او للقريب ما لم يتخل عن أية عقدة نقص و إبحار في المجهول يمكن أن يوقعه فيه أي خطأ في التقدير تكبيرا" للذات أو تصغيرا" أو تسليما" للغريب أو القريب بالأدوار والأوراق.

إن من سمى لبنان بشاطر حسن العائلة العربية لم يضخّمه ولا صغّره بل رشّحه من موقع المحب الى عدم التخلي عن دور يلعبه بتوازن أساسه الواقعية والطموح.

للمرة الأولى بدا رئيس لبناني ولو مظلوما من أهل غايات، كما لو أنه ينطلق من عقدة نقص ازاء الرئيس المصري رأى في طريقته في الحكم وصفة شافية من كل علة، نوعا من القضاء والقدر يحتّم على أي حاكم عربي آخر الالتحاق بالمركب أو يبتلعه التيار.

من حيث يدري أو لا يدري، بدا الرئيس اللبناني متهما بالتخلي عن اعتزاز بالنفس كان اللبناني قد تشربه حتى الثمالة من نجاحه في التغلّب على فرنسا الانتداب والشروع في تقديم نفسه بكرامة لمحيطه العربي كوطن له نقاط قوة يعتز بها.

يطرد بعض الباحثين صعوبات الحاضر المستحكمة بالوضع اللبناني طردا عبثيا الى الماضي عسى اللبنانيين يلقون هناك جوابا يفيدهم في مواجهة الحاضر. ومن هذا القبيل ذاك السؤال القديم مثير الخلافات، هل نجحت التجربة السياسية التي مر بها لبنان مع الرئيس فؤاد شهاب أم لا، ماذا كانت ايجابياتها اذا كانت لها ايجابيات وماذا كانت سلبياتها اذا كانت لها سلبيات؟

يظهر هذا السؤال أكثر راهنية اليوم مما كان في عهد الرئيس شهاب الذي لم يتردد في تصريح له عن القول من موقع الشك بالذات أنّه يتعيّن علينا أن نعرف كيف ينبغي لنا أن نعيش في ظل هذا الرجل الكبير أي الرئيس جمال عبد الناصر. والواقع أنّها كلمات جاءت في زمانها اعلانا لواقع كان ينبغي أن يتعمق في فهمه كل لبناني فلا يكون الجهل سببا للخيبات ولمشكلات يمكن تجنبها...

ليس الواقع العربي الحالي أفضل مما كان في تلك الأيام الا بمعنى واحد هو أنه أكثف تجارب وربما أمرها أيضا. أما لبنان قمة وقواعد فحسبه أنّه وبالرغم مما يعانيه من مشاكل حدودية بل ووجودية أضعفته، بقي لا يكفر بالعروبة ولا بالديموقراطية على كثرة المكفرات.

وها هو لبنان اليوم، مع رئيسه العمشيتي المجرّب والمأمون العماد ميشال سليمان، يستمر في أصدق عروبة وأوضح لبنانية خلافا لما كانت تدبر لرئيسه بعض ارادات الخارج ومحاصصات الداخل من قضم لفكرة الدولة. والجامع ما بين الرئيسين اللبناني الحالي والرئيس الأسبق فؤاد شهاب بعض وجوه من الشبه قد لا تعيها كما يجب أجيال لبنان الطالعة، فكلاهما أطل على الحياة العامة أصيلين، بالمعنى السياسي في لبنانيتهما وعروبتهما ولو أن العربية عند الرئيس الحالي أطلّت أفصح مما كانت عليه عند اللواء فؤاد شهاب، الذي لم يخف ذلك عن اللبنانيين عندما قال وهو يقرأ بيانه الرئاسي الأول في المجلس النيابي بعد التصويت له بالرئاسة "أنه يشعر بشيء من الغربة وهو يغادر الجيش حيث الكلمة للفعل الى منبر هذه الندوة حيث الفعل للكلمة". وكما هو قد قال في مناسبة أخرى أنّه ينبغي التّعلم كيف يصح العيش في ظل الرجل الكبير (أي الرئيس عبد الناصر).

اذا جئنا نحلل بهدوء ما قاله الرئيس شهاب في حينه نرى أنه من جهة أعطى للناصرية نوعا من صفة القدر الذي لا مجال لغير المراعاة الشديدة له كواقع يفرض نفسه بنفسه بينما من جهة ثانية جاء هذا برأي بعض اللبنانيين شديد الاختلاف عن كل ما ألفوه في مفهوم الديموقراطية التي كثيرا ما تمدح في لبنان بلا تعمّق يستحقه جوهرها السامي.

قبل التوغل في هذا الموضوع، لا بد من القول ان العصر الذي جاء فيه الرئيس شهاب الى السلطة هو غير عصرنا الحالي فلبنان كلبنان وطنا ودولة أقوى اليوم سواء دوليا أو عربيا ونموا ذاتيا مما كان في تلك الأيام. والفكر المغامر سواء خارجيا أو داخليا يبقى أقل اليوم انتشارا وجاذبية منه في الزمن السابق.

بل الأهم والأكثر راهنية، أن الرئيس الحالي بالمقارنة مع سابقيه هو ابن بيئته الناصعة اللبنانية والعروبة معا، وبالتالي أوسع صدرا وأشد تواصلية مع البيئات اللبنانية الأخرى والعربية أيضا.

فالمعروف عن عمشيت انها وهي البلدة التي اتخذها الكاتب الفرنسي "ارنست رينان" مكانا لإقامته مضيفا عليها ألقا حضاريا خاصا يمتد حتى هذه الأيام. كما انه كانت ايام الانتداب الفرنسي البلدة التي نفي اليها بعض الكبار من رجال النضال السوري ضد الفرنسيين فاحتضنتهم وأحبتهم وعاملتهم كقادة فكر وإيمان بالوطن .

وبين الذين أنتجتهم من ابنائها على سبيل المثال كنموذج وطني وثقافي علماني مفخرة الأدب والحقوق والوطنية المرحوم عبد الله لحود وغيره من اهل التميز والثقافة.

واذا كان رئيس الحكومة فؤاد السنيورة قد تحدث ويتحدث كوصفة للنهوض اللبناني عما أسماه بديموقراطية الجدوى وليس ديموقراطية الدعوى فان اللبنانيين كانوا قد تعاطفوا مع شبه ذلك في عهد الرئيس فؤاد شهاب عندما استقدم بعثة أرفد والأب الفرنسي لوبريه لهذه الغاية، وهي اغناء النهج الديموقراطي بالدراسات والمضمون الاقتصادي والاجتماعي. والمأمول المضمون في الرئيس ميشال سليمان نهج يتجاوز النهج المعروف والمبرر في زمن الشهابية الى نهج أسلم وأكثر موضوعية وملاءمة للحاجات اللبنانية، يتجسّد من هذه التي بدأ البعض يتحدث عنها بجدية في أوساط الحكم باعتبارها ديموقراطية الجدوى كنهج سياسي مدني وطني المضمون ذي أفق ديموقراطي واجتماعي يضع نصب عينيه مواجهة رياح الافقار والتخريب على الوطن من حيث جاءت بمقاربة سياسية مستخرجة من طبيعة التراث الوطني اللبناني، تلتزم بدور لبنان العربي وفي الوقت نفسه تستلهم الخير النافع من تجارب الغرب في حرية العمل السياسي وحفظ الذات اللبنانية العربية في الوقت نفسه.

لقد أمضى التقليد السياسي اللبناني عمره و هو إما مادح للغرب أو مخاصم له و كل واحد من الطرفين وجد سبيلا" من ذلك الى الرضى عن الذات فمادح الغرب متمدن ومهاجم الغرب وطني!! صحيح أن في هذه الصورة كثيرا" من التبسيط الكاريكاتوري الذي لا يخفى على الذكاء الشعبي الفطري لكنه عمليا" نجح الى حد بعيد في اعاقة المطلوب وهو أن يكون الوطن والمواطن أكثر تنافسية مع الغير في حماية مصالحه و حقوقه و طريقه الى التقدم فليس المهم أن يكون لبنان مع الغرب أو ضده بقدر ما هو مطلوب أن يكون مثل الغرب تنافسيا لا رافضا ولا مقلّدا بالتفاصيل.

إن ديموقراطية الجدوى التي تحدّث عنها السنيورة عبّر بها عن وسطية مطلوبة قد تكون كفيلة إذا ما هي تحولت إلى نهج في عهد الرئيس العماد سليمان بأن تضع الوطن اللبناني على الطريق الصحيح كوطن سيكون قادرا على السير إلى الأمام.

كل ما يحتاجه الوطن اللبناني حاليا" وبقيادة الرئيس سليمان هو الإيمان بالعلم و العقلانية في ظل نظام لبنان الديموقراطي واضعا" نصب عينيه التجارب الناجحة و لو نسبيا"في تاريخه منطلقا"من الدراسات الجدية لأوضاعه وحاجاته، مؤمنا" بأهمية صلاته مع إخوته العرب، مهتديا" بالخير النافع من التجارب التي مرّ بها العالم مكملا" طريق كل من عمل من السابقين على طريق بناء لبنان قوي مستقل, مع رئيس لبناني عربي قادر على أن يجعل من تقدمه خيرا" له و لمنطقته العربية.

انتقادات كثيرة محقة و غير محقة وجهت في حينها للرئيس فؤاد شهاب ومنها ما وصل الى حد اتهامه بأنه عمل ما القصد منه تجديد داخل الخط الانعزالي و لكن بقي عمله موصوفا" عند الكثرة من الباحثين بأنه عمل حداثة من نوع معين. و هذا ما لم يحصل عليه الكثير من الذين حكموا لبنان من قبل و قضوا دون أن ينسب لهم أحد رأيا" أو قرارا" في أي أمر هام.

لم يكن فؤاد شهاب ككل البشر معصوما عن الخطأ فضلا" عن أنه ابن زمانه الانتدابي في القسم الأطول من خدمته. و لكنه في جانب كبير مما فعل يبقى وجها" مشرقا" بين عدد من كبار حكموا لبنان، بل أن حديث بعض رجال السلطة اليوم عن أن المطلوب ليس ديموقراطية كيفما كان، بل ديموقراطية متطورة مطابقة للحاجات اللبنانية و مستحقة بإنجازاتها إحترام العرب والعالم لها هو كلام صحيح مئة بالمئة. وقد لا يكون فضل لبنان على بعض غيره من أبناء منطقته العربية إلا أنه أبقى الخيار الديموقراطي حيا" بمعنى أو آخر في منطقة فشلت فيها أو أفشلت محاولات حكم من أنواع مختلفة وعديدة حتى راجت مقولة "قديم عرفته خير من جديد تتعرف عليه" و هو مثل ان راج في لبنان لكنه لم يصرف اللبناني عن التقدّم والحداثة.

ليس لبنان من الشرق فقط بل هو للشرق كذلك و هذا ما أحبّه فيه أحراره ومحبوه الحقيقيون و قد تجسد ذلك مؤخرا" في سياسة الرئيس اللبناني العارف بما يستطيع أن يقدمه وطنه لخير العرب وكان لبنان الرسمي قد تعهد منذ أيام بشارة الخوري و رياض الصلح بأن يكون الوطن اللبناني ناجز الاستقلال عربي الوجه و الدور مستسيغاً الخير النافع من حضارة الغرب كما في البيان الوزاري لرئيس حكومة الاستقلال وكلها أمور عاشها الرئيس سليمان أكثر بكثير من بعض الذين قالوها ورددوها كشعارات وقد ساعد لبنان ويساعده تراث كامل من المكتوبات و الشفاهيات مفتوح على البعيد والقريب من خبرة الاباء والجدود بأعلام الغرب الثقافيين ورواد الحرية والعروبة من ابناء لبنان والجوار السوري المناضل الدؤوب يومذاك في سبيل استقلال كل شبر من أرض العرب.

ويروى أن عمشيتيا" سأل في عهد الانتداب سوريا لماذا أرسلته السلطات إلى البلدة اللبنانية فقال له انه ارسل لانه اعتبر وطنيا" من نوع متطرف أي سكر زيادة، فأجابه العمشيتي وكان استاذ مدرسة احفظ هذا البيت:" تجني المروءات على أهلها ما ليس تجنيه العداوات، وسنظل هكذا نعاني حتى تتحرر بلادنا وبلادكم".

وبالفعل تحررت سوريا وتحرر لبنان، على نحو سليم بالكامل لم يكن يتوقع حدوثه اهل ذلك الزمان بهذا الشكل السليم الذي نجده اليوم في اوطاننا المستقلة، ومنه وطننا اللبناني الذي يتخذ من ثنائية الاستقلال التام والعروبة الناصعة شعارا له يزيده تألقا الاعتماد على حسن دراسة الخبراء لحقائقها الاجتماعية التي وحدها تعطي الديموقراطية عمقاً ومضموناً يغني الكلمات.

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 2

  • 1
    اهلا بلبنان وأهل لبنان كان لبنان الرئة التى يتنفس منها الوطن العربى المؤلف من اى بلد يطبع انتاجه مهما كان اتجاهه فى لبنان ويوزع الى البلدان
    التى تتحمله.حتى قدم الزلزال العربى والتاريخ الصحيح هو 1958 حرب شمعون
    فأنقسم لبنان الأنقسام الثانى بعد انقسام الأغتيلات الأولى اللبنانى من
    احرص الناس على مصلحته لكنه غلب على امره من الخارج لمصلحة الخارج
    وسيندم من غرر به

    صالح رشيد الأبراهيم - عضو

    05:13 مساءً 2009/05/10


  • 2
    يعطيكم العافية

    sara - زائر

    08:28 مساءً 2009/05/10



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة