أشك بأني كنت طفلاً محبوباً خصوصاً إذا رأيت الأطفال الصغار الآن ببشرتهم الجميلة الناعمة وملابسهم المنسقة وأتذكر كيف كنا (أطفال عقد الثمانينات) متسولين بالمقارنة معهم. الأطفال الآن أجمل وأنعم منا، ولكن هذا لا يعني أن أرواحهم وعقولهم ستكون أفضل من أرواحنا وعقولنا. بحسب ما نشاهد الآن فإنهم ربما لن يختلفوا عنا كثيراً إلا بالطبع مع ملابس أجمل.
لذا من المهم أن نضع أمامهم نموذجاً جديداً، ولكن قبل ذلك يجب أن نستخدم نحن الكبار فأر تجارب يشرح كيف يمكن أن تتلطخ أرواحهم، وتختزن الذكريات المريرة، والمواقف السوداء المسمومة، والخيالات المريضة. من المؤكد بأني لست النموذج الجيد ولأنني مررت بكل هذه التجارب - مثل كل الأطفال تقريباً - فإني مناسب لألعب دور هذا الفأر السيئ. وهو فأر صحفي سينتهي بعد قليل، ولكن الأهم هو أن يلعب الكبار دور الفئرات الحقيقية التي يتعلم منها أولادهم باستمرار.
لكي تحمي طفلك من أن يكون فأراً سيئاً مثلك إذا كبر يجب أن نتعلم كيف يبدأ بتحميل أرواح الصغير عبء كراهية العالم من حولنا. ومن المثير أن هذه الكراهية لا تنبع على مستوى دنيوي فقط بل هي آتية - كما يتم إقناعك - من السماء. وهذا غير صحيح بالطبع. تخيل أن طفلاً صغيراً يبدأ برؤية العالم على أنه مسرح كبير للفجار والكفار. انك تغرس في روحه أول بذرات السوء التي ستثقل على روحه الصغيرة التي لا تحتمل كل هذه الكراهية الرهيبة.
إضافة إلى ذلك فإن هذه الروح الصغيرة ستشعر بالتمزق سريعاً وهو شعور ثقيل على الكبار فكيف بالصغار. انه يرى العالم بصورة مختلفة عما يقال له. أتذكر في الصغر كنا نلتقي أوروبيين وأمريكيين يتجولون أحياناً في الشوارع وكانوا متواضعين ولطيفين. وبمجرد أن يذهبوا كان الكبار يرمونهم بعبارات سيئة تصفهم بالكفار والمنحلين. كان التناقض رهيب بين ما شاهدته وما سمعته، وبالطبع صدقت ما سمعته على سخفه، وحقن بداخلي كمخدرات مضرة. والوضع الآن مع الصغار أسوأ بكثير ومدعاة للتمزق بشكل أكبر. الأطفال الآن منغمسون في عالم من المنتجات الأجنبية ومع ذلك هم يشعرون ببغض شديد لهؤلاء الأجانب. وعلى الطفل الصغير الآن أن يعيش مع هذين العالمين المتناقضين. العالم الذي يعيش فيه والعالم الذي يسمعه.
لقد كانت المدرسة منذ البداية وحتى النهاية سبباً في صنع مثل هذه الروح السيئة. وبخلاف كل الهراء الذي نسمعه الآن أن المدرسة تعلم الأخلاق الحسنة فهذا غير صحيح. بالاضافة إلى دور المدرسين الأفاضل بشحن الأطفال الصغار بكراهية العالم، وشطر عقولهم وأرواحهم، هي أيضاً سبباً رئيسياً بتحويلهم إلى فئران خائفة لا تعرف الاعتراض والنقد والسؤال والحوار خشية أن تعترض للتعثر. كما أن المدرسة هي أكثر من يعلم الفكرة السيئة بانحطاط الحياة وطابعها الجنائزي وفوهة العذاب التي تنتظرنا في النهاية.
الادارة المدرسية ماهرة فقط في ترهيب الصغار، ومراقبة أشكالهم وتصرفاتهم التي تأتي ربما على هذه الصورة اللعوبة كاعتراض غير واع على الأساليب الكاركتورية التي تمارس للانضباط. لقد سخر مني أحد المدرسين مرة في رسالة بعثها لي بعد مقال انتقدتهم فيه من أني أعاني من عقد الطفولة عندما كنت طفلاً غبياً ومهملاً. وهذا غير صحيح. لم أكن عبقرياً بالتأكيد ولكن شبه متفوق ومهذب بشكل مرض (بدافع الخوف فقط). وفي الحقيقة أن المتفوقين وأشباههم بالاضافة إلى كل ما يتلقون من أفكار وتصرفات سيئة يواجهون معاناة أكبر لأنهم يتعرضون لاختبار أخلاقي قد ينحرفون فيه ويتحولون إلى وشاة على أصدقائهم بسبب الإغراء.
المدرسة قادرة أيضاً على انتزاع النبل من الصغار البارعين وتحويلهم إلى جواسيس صغيرة.
في داخل المجتمع يتعرض الطفل الصغير لقيم سلبية كثيرة تحوله إلى فأر سيئ إذا كبر. من قيم المجتمع يتعلم الصغير أنه أفضل وأقوم سلوكاً من المرأة حتى لو أصبح عمرها ٧٠ سنة. ومنه يتعلم قضية الشكوك الأخلاقية (أكبر تعبير عنها هو حالة الانشطار الكبير بين عالم النساء والرجال). ومنه أيضاً يتعلم القيم العنصرية البغيضة. أما بالنسبة للصغيرة فتتعلم أنها أقل منه وتتصرف على هذا الأساس، وترى نفسها كمستهدفة، والمجتمع يفرض عليها أن تنزوي سريعاً بحكم أنه شيء لا يجب أن يتم مشاهدته كثيراً.
الفنون وسيلة لشحن الجمال في أرواح الصغار ولكنه قد يتعلم أنه قد تسبب بإحراقه فيبغضها ويجف خياله. والفنون البديلة التي تقدم له - إذا صحت التسمية (الدفوف) هي وسيلة أكثر بشاعة من لو جلس وحيداً بدون أن يستمع إلى شيء. إنها ترسم في عقل الطفل معنى للفن وهذه اسوأ معنى يمكن أن يتلقاه أحد. أما مواهبه الإبداعية فتتعرض للقمع إذا لم لتتواكب مع ما يلائم العادات السائدة. الأمر الذي يجعل الجميع متشابهين ويتوجهون لأهداف واحدة.
أشحن الطفل الصغير بالكراهية لجميع العالم، وأزرعه بالتمزق الرهيب، وجفف خياله على أصوات الدفوف، وأعلمه العنصرية المقيتة، وأغمسه بالشكوك الأخلاقية، وأجعله يخاف من السؤال والاعتراض، وأرسم صورة جنائزية منحطة لمسيرة حياته، وسأضمن لك بأنه روحه ستصبح سيئة، وبأنه سيصبح فأراً سيئاً مثلي ومثلك إذا كبر.
ولكن بالمقابل، فإنه مع قيم التسامح والحب للجميع ستشرق روحه، مع حياة مزدهرة ومتطورة سيتفاءل، ومع الحس الإنساني الواحد سيتواضع، ومع العقل المتسائل النقدي سيكون أكثر حكمة، ومع الثقة والحرية سيكون أكثر احتراماً للآخرين، مع الفنون الراقية سيكون أكثر جمالاً. ربما هذا السبيل الوحيد الذي سينقذ أرواح أطفالنا ويجعلها جميلة مثل ملابسهم.
كن الفأر السيئ لطفلك، ودعه يتعلم من تجربتك، وأجعل من روحه حمامة ساحرة ومضيئة تحلق في فضاء التسامح والحب والإنسانية. هذا بالتأكيد سيكون أفضل من فأر مسجون داخل قفص مظلم.
1
صح لسآنك...
أطفآلنآ اليوم يحتآجون التجآرب العنيفه ليعتادوا عليهآ قبل أن يواجهوا أختبآرات الدنيآآ
ولكن الاختلآف في اطفال اليوم.. انهم يفكروون بعالم الكترونيآت وهذا أيجآبي أقل من أنه يكون سلبي ولكن مع الايام يعرفوا مكانة الكترون في المجتمع.. وكيف يستيفدوا منه...
شكرا
سلاف - زائر
03:18 صباحاً 2009/05/07
2
لا اعرف ماذا اعلق يا ممدوح على مقالتك (-:
فعلا تفكير رائع ونقي جداً
.
أستمر
حنان عبدالله - زائر
03:48 صباحاً 2009/05/07
3
سيكون افضل من فارمسجون داخل قفص مظلم
ماسه - زائر
04:32 صباحاً 2009/05/07
4
مقاله في منتهى الروعه...اشكر الكاتب على هذا الابداع.
سيف999 - زائر
05:21 صباحاً 2009/05/07
5
صباح جميل استاذ
من مقدمتك ممدوح يبدو لي انك كنت من سكان منفوحه الجميله
زد على ذلك انني قرأتك كثيرا ووجدت نفس التصور يعتريني
حاول مسح ذكراتك المتراكمه بنتؤات صديه من الازقه الضيقه
وثق انك ستصل
فانت انسان طموح فقط ينقصه ثقافه مودلجه وبؤرة حوار
صالحه
دمت بخير عزيزي
هيفاء سعود - زائر
06:21 صباحاً 2009/05/07
6
كلام جميل
kady - زائر
07:23 صباحاً 2009/05/07
7
لله درك
والله كأنك تقرا اللي يدور بعقلي
الله يسامح اللي اشغلونا بهموم غيرنا وخلونا نعيش حالة غضب متواصل
لو شجعونا على التفآؤل كان الحين حنا نفس مستواهم في العلم و التقدم
ابو سعد - زائر
07:43 صباحاً 2009/05/07
8
مقال جميل وابداع بصراحة
أتمنى لك التوفيق في حياتك والتخلي عن النظرة السوداوية للحياة
لكن فيه فرق بين فأر يتعشى جبنة سويسرية
وفأر اخر ياكل بقايا الطعام.
وش حيلتي لاذبح قلبي الشوق - زائر
08:33 صباحاً 2009/05/07
9
كلام عين العقل
انا هالكلام صارلي أقوله خمس سنين وغيري كثير ومافي احد يسمع
او أنهم يتجاهلون
بس بما انك صحفي فإنك مؤتمن على كتابة مثل هذه الأفكار اللي كثير حركة مشاعرهم و ذاكرتهم بهذا المقال استمر والله يوفقك بتوصيل مثا هالأفكار
زياد - زائر
08:54 صباحاً 2009/05/07
10
كراهية العالم...
أن تتحدث عن الموضوع وتعالجة شيء جيد...
وأن تعيد طرحة أكثر من مرة لتأكد على أهمية الموضوع...شيء جيد أيضاً
لكن أن تكون مواضيعك كلها عن الكراهية...وإن اختلفت العناوين...فهذا شيء غير جيد...
أتمنى أن تنوع في مواضيعك...أو تجعل مقالات بعنوان موحد...لكي أعرف الموضوع مباشرة.
أبو صالح - زائر
08:58 صباحاً 2009/05/07
11
الأخ ممدوح، إذا كنت ترضى أن تكون حقل تجارب فأنا لا ارضى ولا أعتقد بأن غيري يرضى، ما تتحدث عنه ليس له علاقة بالدين و إنما هي موروثات إجتماعية ألصقت بالدين، سماحة الدين منها براء.
للأسف مصادر التشريع في بلدنا هي :
1. العادات و التقاليد
2. ثم القرآن
3. ثم السنة.
أخي لا تلصق بالدين ماهو منه براء
أسيل - زائر
08:59 صباحاً 2009/05/07
12
مقال رائع اخ ممدوح،،، يعجبني في مقالاتك انها ابلغ من ان يفهمها الابواق المطبلة من دون عقل لذلك لاتجدهم كثيرا يلطمون ويهددون عند مقالاتك وهذا ليس لان اسلوبك معقد او ذو تركيبه ثقافية موجهه للنخبة ولكن لان مستوى تفكيرهم ان وجد اقل بكثير مما تتصور.
ناصر المنسي - زائر
09:09 صباحاً 2009/05/07
13
يأخ ممدوح كلامك في غاية الروعة والمنطقية، اتابع كتاباتك دائما واجدها تعايش واقعنا بكل شفافية وصراحة واستغرب على بعض من يرد عليك بانه سخر ردودة فقط للنيل منك والتشكيك في مصداقية ما تكتب وهولاء ليسوا سوى قلة سيزولون مع الوقت واقول لك الى الامام ولا يضرك نبح...؟ والله يحفظك ويرعاك.
محمد بن ناصر - زائر
09:18 صباحاً 2009/05/07
14
ياأخ ممدوح كلنا نسير بخطوات متسارعة الى نهاية رحلة مؤكدة
لاتحتمل الفلسفة ولاالهرطقة اللغوية الكاذبة بل نهاية ملؤها ماذا قدمت لنفسك لتنعم بحياة الخلود الباقية الخالية من تغذية الكراهية وزرع
الاشواك واثارة التساؤلات الجدلية الدنيوية اللامنتهية
غريب - زائر
09:56 صباحاً 2009/05/07
15
مقالة رائعة لكن...
"والفنون البديلة التي تقدم له - إذا صحت التسمية (الدفوف) هي وسيلة أكثر بشاعة من لو جلس وحيداً بدون أن يستمع إلى شيء. "
مشكلة اغلب من يصنفون ك "مثقفين" اليوم، انهم يرون في نقد الدين اقرب طريق للتحضر ؟!!
وعجبي،،،
Dew Drop - زائر
10:08 صباحاً 2009/05/07
16
لله دررك يأشتاذ..ممدوح..فماذكررته هو الواقع...أبدعنا بقلمك الراقي..
فعلاا لانسمع سوى المووت..وانا مستهدفين..والعالم في تطوور مستمررر
واصل أخي بطرح أفكارك النيرة ولبعترض من شاء.فأغلب مقالاتك تتحدث عن الواقع بصدق..عافاك
الوسيدي - زائر
10:17 صباحاً 2009/05/07
17
نحن نفتقد لعلماء اجتماع يحللون أوضاع مجتمعنا ويقدمون لنا ولو جزئيا بعض التفاسير لما آلت اليه حالنا اليوم. وانا أرى أنك تقوم بهذا الدور بعمق وشفافية وخبرة حفيقية بماضينا وتصور واقعي ومنطقي لما يمكن أن يكون عليه مستقبل ايامنا.مقالاتك تثير جدلا في عقولنا ووجداننا وتمهد لحراك في واقعنا ومستقبلنا.شكرا
د.سحر التويجري - زائر
10:29 صباحاً 2009/05/07
18
الجميل في الموضوع..
أننا مازلنا فئران..
فكيف نستطيع تربية..
غير الفئران..
نحن اليوم حقل للتجارب..
ليس بالمدارس بل حتى بالحياة..
نجرب من قبل اللصوص..
والبنغال والعمالة..
وكل الأنظمة التي تجعل..
من فئران لتجاربهم..
حتى الأمراض المنتشرة..
تجارب..
أحترامي
ماجد( المتحدث الرسمي لبند 33) - زائر
10:29 صباحاً 2009/05/07
19
مقال رائع
حقيقة لقد عشنا زمنا ليس بالقصير ونحن أسرى لسلسلة من المخاوف المفروضة علينا بلاوعي..فنخشى من الفرح ونخشى من الحب والجمال
وكل ماهو مبهج في هذه الحياة..وتشحن عقول الصغار بسموم الكراهية
وبأن المجتمع مليء بالفساد.. وبأن كل تقدم للمرأة قد يعقبه خلل في سلوكها حتى باتت الصورة أكثر تعتيما
امنه الحربي / كاتبة سعودية - زائر
10:40 صباحاً 2009/05/07
20
ولا تنسى ان تكوون شجاعا في تلك التجربه..وجاهز لاي سؤال مسمووم يدسه لك طفلك..
خلف السوار - زائر
11:37 صباحاً 2009/05/07
الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة