ما بين النسق والاختلاف تتحرك بنية النص الذهنية عند الشاعرة أمل درويش؛ ففي ديوانها (سلام من قلب الماء)، يستوقفك الإصرار على التأكيد على الهوية الأنثوية ، والاشتغال على فتح منافذ البوح أمامها ، في لغة تتجاوز المباشر ، وترفع الهامشي والعابر في أفق الرؤية الفنية ، والإبداع المتجدد ، الذي لا يتوانى عن صهر الذات : قلقها ، ضجرها ، أمنياتها ، فرحها ، ابتهالها... في تشكيل يصنع وجودها من صوتها ، من توتر علاقتها مع محيطها وعالمها؛ فيظهر النص شاهدا على حوار خلاق ما بين النسق والاختلاف على الرغم من جور النسق ، ولما كان التشكيل الإبداعي يتعالى على المباشرة ، والتقريرية يأتي هذا الحوار مشكلا رموزه ، ومفرقا لها على مرايا متعددة.
في نص لها بعنوان (تجارب)، يأتيك عنفوان الأنثى ومقاومتها للمحنة والانسحاق ، تقول في المقطع الأول :
سأثبت يدي المرتجفة
وأشد أوتار صوتي
وأطلق قوس الحق من حلقي
سهام اللاء
تصيب مقاتلهم
أهمش حسادي ، أحلهم
أصون حقي الأنثوي
أحتفظ بحق اللاء في حقلي
أقتلع أضراري
أجمعها محنا تمنح
أسحق خوفي
في شموخ
أسجد السجدة الأخيرة
ألبس أكفاني
ها أنا آتيه . .
رغم أنوفهم
سأقول
لا . . . الديوان ص 54، 55
تظهر بؤرة النص هنا في رمز الرفض (لا) ، الذي شكله النص في عالمه ، فأضحى سهاما، قوسا ، حقا ، الكلمة الأخيرة.
كانت مواجهة النسق الذي يضيق منافذ الفعل ، والاختيار على الأنثى في التركيز على هذا الصوت (لا) ، لكونه أول ممتلكات الأنثى ، والأقرب إليها ، فعلى الرغم من فراغه من الفعل ، استدنته الشاعرة ولجأت إليه ، وأخذت تقويه وتتقوى به ، ولذلك غادر الصوتية ليكون الفعل الذي ينهض في مواجهة النسق . ولهذا جاء من عالم هذا الصوت الفعل المقاوم ، فيه الثبات مقابل ما يحيق بالأنثى من إرجاف ،واستجماع القوة مقابل الضعف ، الحصول على قوى السهام والقوس ، الخروج من التهميش إلى تهميش المناوئين ، تحويل المحنة إلى منحة ، الشموخ حين مواجهة الموت .
يركز النص على الفعل المضارع المسند لتاء المتكلمة : سأثبت ، أشد ، أطلق ، أهمش، أصون ،أحتفظ . . . ، في إصرار على تأكيد الفعل الذي يتقوى ويستجمع قواه على قول ( لا ) ، ولم تكن (لا ) هذه لتخرج من المباشرة والتقريرية ، وعدامة الجدوى لولا هذا التنويع الفعلي الذي التأم عليها ، ولولا هذا الوجود الذي اكتسبته بسبب من القناعة بالحق الذي تعلنه ،ولولا هذا التشبث بها ، الذي جعلها وجودا مقابل الموت ، فكانت (لا ) الحياة بعد الموت.
وقد اعتمد الاختلاف هنا النسق الجمالي للتعبير عن تجربته ، باستثماره الصور البلاغية ،( سهام اللاء تصيب مقاتلهم ) ،( وأطلق قوس الحق من حلقي ) واعتماده الجناس : الحق ، حلقي ، حقلي ، محنا ، تمنح ، وكذلك التورية :أحتفظ بحق اللاء في حقلي ؛ وذلك لأن النص الشعري هنا وإن سلك سبيل الاختلاف في اتخاذه نمط قصيدة النثر عوضا عن العمودية ، وعن التفعيلة ،والاختلاف في الرؤيا ، فقد توسل إلى قارئه بتقنيات النسق الجمالي في الأدب العربي ، ليواجه النسق المتسلط .إذ إنه وجد في طاقة اللغة قدرة على الاستدناء والبعد ،والقبول والرفض ، في تقليبات حركة اللغة ، وتسخير بنيات الكلمات: ما بين المنح والمحنة ، والحلق والحقل ،ثم ربط ذلك بالرفض (لا ) ، الذي يستدعي إليه صور انطلاق القوة التي تتلبس بالكلمة وسهامها حين تنطلق .
ومن الصوت الرافض للاستسلام ، الصانع من الرفض فعلا ننتقل إلى المقطع الثاني في تجربة أخرى ، تقول فيها :
حكيما
صار يشاطر أسراره
أغلقوا النافذة يقول
الحشرات..
كل هذا الدم
تلتصق لتمتصه
أو تنقب
أمامك وخلفك
حفر مستمر
في رمال خصوصيتك
هنا نجد الصوت الأنثوي يتعالى على خصوصية الهوية ، ليلتصق بالهوية الإنسانية ، ولذلك يستقبل صوت الحكيم ، ويضع أمامنا مرآة ، من تجربة تتوخى حماية الخصوصية ، لكن الاحتباس خلف النافذة لن يجعل لهذه الخصوصية منعة ، فالحشرات تتجاوزها ، ويظل النص معايشا لهذا النيل، ومراقبا لحركته التي تغافل الإنسان عن يقظته ، يقول النص :
تدغدغك
كلام معسول
الحشرات..
تسكر اليقظة
لم تعد من الخدر بعد
أنسيت روحك خلف النافذة؟؟
وأنت تحترس
كان هذا المقطع مرآة لانتهاك الخصوصية ، ونشدانا للانفكاك من سدر المنعة الزائفة، ولذلك اشتبك الهم الأنثوي الخاص بالهم العام ، في التيقظ لإطلاق قوى ذاتية تحفظ للذات خصوصيتها ، ليس بإغلاق النوافذ ، وإنما بإطلاق قوى يقظة فاعلة ، بين يدي الذات تستدعيها كل حين .
ويأتي المقطع الثالث آيبا إلى تجربة خاصة ، منسجمة مع المقطع الأول الذي يتكئ على الرفض الأنثوي، ليعلن في آخره صوت الأنثى التي تحتفظ بحقها في الرفض وتعلنه ، حيث تقول في ختام المقطع :
تجارتهم لم تعقد نسبا معي
لأني تركتهم وانسكبت..
وفي نص آخر تتجلى الرؤية الشعرية التي تتهجى العالم في ضوء قسمة التذكير والتأنيث ؛ فتتناسق مع النظرة التي تجعل المطر فعلا ذكوريا ، واستقبال تخصيبه من قبل الأرض فعلا أنثويا ، تقول في نص بعنوان ( أجواء يوم ماطر ) :
يضرب المطر بفأسه
وجه الأرض حينا
وحينا يحن كأم ترضع
تقف الأنوثة على قدميها
لتتهجى سطور الأرض ص: 93
لكن الوجه الاختلافي هنا عدم ثبات هذا التقسيم ؛ فهناك تمازج بين الدورين ، وكأن النص جاء مستوحيا تقاسم الفعل المخصب للأنوثة مع الذكورة ؛فكما يكون المطر حينا يضرب بفأسه ،وحينا يكون كأم ؛ يأتي فعل الأنوثة حين تقف الأرض على قدميها ، وتقرأ العالم فيكون هذا التمازج :
وتقرأ على الملأ
وجوه الطين التي عشقتها الليالي
غلس الفجر الوالج
بأسمى آيات الصابرين
فما بين الزمن / الليالي ، والأرض /الطين عشق لا تحدد جهة الذكورة والأنوثة فيه.؛ ليسوغ بعد ذلك ، جعل الفجر ذا فعل ذكوري .
وهنا يبرز النص الشعري مجليا الحركة ما بين قطبي التذكير والتأنيث ، عبر الحوار ما بين حركتي النسق والاختلاف.
1
المرأة هي جزء من الرجل..
وهذا التمازج عنوان أنوثتها..
فالمرأة تسعى بأتجاه الرجل..
والرجل يسعى بأتجاه المرأة..
فلا يشغل بال المرأة..
سوى ذاك الرجل البعيد..
الذي تقبل عليه..
لتكتشف أسرار جماله الداخلي..
ولتنقب عن جواهره..
المرأة هي الحب..
وهي الحياة..
وهي الكتاب..
ماجد( المتحدث الرسمي لبند 33) - زائر
10:34 صباحاً 2009/05/07
2
شكرا لكم
تحياتي
sara - زائر
12:42 مساءً 2009/05/07
3
والاجمل من ذلك كلة احساس الشاعرة المرهف والممتزج بحمل الحياة وتناقضاتها
سلام من قلب الماء لكِ شاعرتنا
يسرني أن ارفق قصيدة مسموعة للشاعره أمل الدرويش من ديوانها
الجميل ****************************
(اسرار انثويه) من ديوان سلام من قلب الماء
ممتنة لكم
عبير البشراوي - زائر
05:18 مساءً 2009/05/07
الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة