الاربعاء 11 جمادي الأولى 1430هـ - 6 مايو 2009م - العدد 14926

التنمية قبل الديموقراطية

تركي بن عبدالله السديري

    البعض يقولون لا تتحقق التنمية إلا بوجود الديموقراطية، لكن ممارسات الواقع تؤكد أن اتساع التنمية وتعدديتها وشمولها للثقافة ومختلف مفاهيمها هو الذي يؤدي في النهاية إلى وجود الديموقراطية..

عايشنا في العالم العربي مفرقعات خطابية وإعلامية عديدة، ولم نكتشف أن وجود تلك الديموقراطية التي كانت تقال إنما كانت ثقلاً على أكتاف أميين وبسطاء وفقراء، ذهب من صادروا واغتالوا وسمحوا بنوع واحد من الحريات، وبقي أولئك أصحاب الأكتاف الحاملة على أميتهم وفقرهم وبساطتهم..

لكن التنمية المؤدية إلى وعي الديموقراطية ليست قدرة وجود المال، وإنما نزاهة توظيفه، ونحن بحق نعيش مرحلة نزاهة توظيفية، لكن هذه النزاهة يجب أن تشمل كل مرافق الأداء فيه، والمتابع لبعض التعديلات ومواقع التأثير الإدارية والاجتماعية يلحظ أيضاً أن هناك قرارات وجهوداً تُبذل لحماية مسارات أداء التنمية في مختلف اتجاهاتها..

إنك لا تستطيع أن تعطي الديموقراطية الكاملة لمجتمع تتباين فيه المفاهيم بين الأمية والانغلاق المتطرف والليبرالية المتطرفة.. نعم لوجود التدين المعتدل، ونعم لوجود الليبرالية المعتدلة، أما حين تتسابق الفئات الثلاث على خلق وتوسيع مساحات الاختلافات وصراعاتها فلا بد من يد صارمة توجه الجميع نحو صواب الزمالة الاجتماعية..

الصين التي تتعملق الآن كدولة عظمى ما كان بوسعها أن توفر رغيف خبز لعائلة كاملة لو ترك الناس مسارات العمل والوعي وتحول أكثر من مليار صيني إلى كتائب خلاف واقتتال.. إن صانع حداثة سنغافورة ماكان يمكن أن ينجح ويقدمها نموذجاً آسيوياً للرقي، ومثلها كولالامبور لو تبجحت الأقليات العرقية ومثلها الدينية بسخونة الصراعات..

لقد أتت الديموقراطية إلى لبنان قبل أن تصل إليه شمولية وعي التنمية، فكانت قسوة الانقسامات. نفس الشيء يُقال عن الكويت، التي كانت نموذجاً فريداً قبل عشرين عاماً في ديموقراطيتها، ومنابر تبادل الرأي فيها، لكن التعقيد الديني والولاء القبلي أثبتا أن الوعي والتنمية كانا يجب أن يسبقا وجود تلك المنابر..

لا يمكن أن نقول بوجود ديموقراطية مالم تسبقها تنمية، ولا يمكن أن نجزم بوجود عدالة وسواسية تنمية مالم تفتح بوعي مسارات ديموقراطيتها..