الرئيسية > مقالات اليوم

غلاة العصر: القاعدة بين اليمن وباكستان..!


د. علي بن حمد الخشيبان

إذا كان هناك من درس يجب أن نركز على تعلمه لتفسير سبب تمكن القاعدة في اليمن وباكستان،،، فهذا الدرس لابد وان يكون سياسيا واجتماعيا ولابد أن يحيلنا هذا السؤال إلى ضرورة التفكير مليا في قضيتين رئيسيتين. القضية الأولى التركيبة الاجتماعية في كلا البلدين، فالعنصر الاجتماعي القبلي الذي يتميز بالثبات التاريخي يلعب دورا بارزا في تشكيلة الحياة المجتمعية وهو أهم مركب يمكن أن يبنى عليه عناصر أيديولوجية أو فكرية والإثباتات التاريخية قريبة منا في هذا الجانب.

العنصر الآخر هو العنصر الاقتصادي وهو عنصر متحرك تظهر أثاره عندما تضعف مقوماته حيث يفتقد كلا المجتمعين المذكورين إلى اقتصاد قوي يستطيع مواجهة الأزمات التي يمكن أن تخلقها القاعدة كمنظمة إرهابية تسعى إلى تقويض الأمن بشكل دائم في المناطق التي تذهب إليها.

ما حدث في باكستان منذ وقبل اغتيال (بوتو الابنة) وما يحدث في اليمن هو نتيجة متوقعة لتمركز القاعدة في هاتين الدولتين بشكل غير نظامي من الناحية القانونية، ولكن السؤال المهم كيف استطاعت القاعدة التمركز في هاتين الدولتين بشكلها المجتمعي..؟.

لابد أن نفكر بالعامل المشترك بين هاتين الدولتين المتمثل في التركيبة القبلية العميقة والتي حملت في رحمها تركيبات حزبية وسياسية تتقاطع مع القبيلة من حيث الانتماء وتختلف عنها من حيث التركيب والأهداف ولكنها سهلة الولادة في البيئة القبلية، فالتلقيح الفكري للقبيلة والتأثير فيها أسهل بكثير من التلقيح الفكري للتجمعات المدنية المختلطة وهذا له أسباب قد يطول شرحها ولكن يمكن التفكير بها سريعا.

العامل المشترك الثاني بين هاتين الدولتين الاقتصاد غير المتنامي وانتشار البطالة والشعور بعدم العدل الاجتماعي وغيرها من الأسباب التي سهلت نشؤ فكر القاعدة ومن ثم تداوله بين أفراد المجتمع. الأخطر من كل تلك الآثار هو العامل المشترك بين تلك المجتمعات وخطاب القاعدة الديني وكيف وجد هذا العامل ومن الذي استثمره، القاعدة للذين لا يدركون الكثير من أهدافها تروج أساسا لخطاب ديني سياسي متشدد بالدرجة الأولى وهي صاحبة أيديولوجيا قادرة على كسب الكثير من الأتباع بخطاب إعلامي يستحث العاطفة الدينية السياسية.

لذلك هي تكسب نوعين من المؤيدين نلحظ وجودهم في كثير من المجتمعات النوع الأول مؤيدون للقاعدة ولكن تأييدهم يظهر من خلال خطابهم المتشدد والذي يوحي لمتابعيه انه التزام ديني بينما الحقيقة انه توازٍ مع أهداف القاعدة قد يلتقيان فيما لو انتصرت القاعدة في مجتمع ما وهذا يعبر عنه خطاب التراجعات والاعتدالات المزعومة.

القسم الثاني وهم المؤيدون ضمنيا ولكنهم مستعدون لانتصار القاعدة فتظهر معايير تأييدهم وهذه الحالة نستطيع أن نشاهدها في اليمن وفي الأجزاء الحدودية بين باكستان وأفغانستان، القسم الأخير وهم أعضاء القاعدة الذين ينفذون عملياتها الإرهابية. العنف لدى القاعدة هو نتيجة لضخها الدائم لخطابها الديني السياسي المغالي وهذا معروف سلفا وليس اكتشافا جديدا، كما أنها تلعب على وتر الانتقام من الغرب بخطاب إعلامي يدغدغ المشاعر دون الدخول في تفاصيل حالة العداء مع الغرب وكيفيتها.

الجانب التحليلي الذي يجب أن نتنبه له في قضية القاعدة وخطابها الحديث هو قدرتها على التأثير في التركيبة الاجتماعية المغلقة ذات الإطار القبلي والاقتصاد المتوتر، وهنا لابد من الإشارة إلى أن الإطار القبلي هو إطار تبادلي التأثير بين الفرد والقبيلة كتكوين اجتماعي وهذا ما يمنح الأفكار الجديدة في القبيلة فرصة التداول والانتشار. البعد الاجتماعي القبلي منتشر في مجتمعاتنا العربية والإسلامية فهناك الكثير من التشكيلات القبلية التي يمكن أن يتم استثمارها بشكل مباشر لتحريك القبلية فكريا. البعد الاجتماعي في خطاب القاعدة الحديث أصبح أكثر فهما للفلسفة الاجتماعية للمجتمعات الإسلامية والعربية بعدما أدرك أن خاصية التشكيلات الاجتماعية عنصر أساسي في تكوينات تلك المجتمعات سواء كانت تلك التكوينات قبلية أو عائلية أو مذهبية.

الأخطر على العالم الإسلامي ومجتمعاته هو ترقية التنوع القبلي والمذهبي والفكري ليطفوا على السطح وهذا ما سوف يسهّل على تنظيم مثل القاعدة التفكير في استثماره بشكل سلبي لصالحها على حساب التنوع. التنوع القبلي ليس ايجابيا دائما بالدرجة التي نتوقعها في مجتمعاتنا العربية ولعل السبب في ذلك كما يبدو لي أن ذلك التنوع لم يدخل مرحلة التكامل الاجتماعي بل ظل في طريق التنافس الارتقائي الصاعد وسوف يظل كذلك، بمعنى دقيق كشفت لنا حالة ديمقراطية قريبة منا هذا المنهج وكيف تحولت البنية القبلية إلى مدلول متعاكس مع الديمقراطية وكشفت لنا حالة باكستان القبلية والصراع باسم الدين تحت غطاء قبلي ذلك وهانحن نلمس النتائج حية في حالة اليمن.

على الجانب الآخر تشهد مجتمعاتنا العربية وعبر القنوات الفضائية القبلية مشهدا مقلقا للتكوينات الاجتماعية الصاعدة عبر إحياء الهوس بالنسب الذي قد يجر تلك المجتمعات إلى هوس بالنسب الفكري، إن التماثل في هوس القاعدة نحو إحياء سيطرتها فكريا يتماثل تماما مع هوس القبيلة في تحقيق أقصى درجات الانتساب إلى مصادرها.

إن ما يمكن أن نخشاه على مجتمعاتنا العربية هو إمكانية التقاء الهوس المتصاعد في البحث عن النسب مع الهوس المتصاعد في البحث عن الايديولوجيا المتصاعدة الباحثة عن مبررات للعداء مع المجتمعات المحلية و الدولية وخصوصا الغربية منها.

إن تكتيك القاعدة اثبت قدرته على الاحتماء بالقبلية في باكستان وقبلها أفغانستان وهاهي تستخدم القبلية في اليمن ولا يستبعد أن يثير هذا النجاح امتداد هذا التوافق في دول ومناطق غير متوقعة وخاصة عندما تستثمر الهزات الاقتصادية في المجتمعات. الرئيس الأمريكي (أوباما) دعا الحكومة الباكستانية إلى القيام بدورها لإلحاق الهزيمة ب"المتشددين." وأكد على أن إسلام آباد يجب أن تكون "شريكاً " للولايات المتحدة في عملية ملاحقة تنظيم القاعدة مشيراً إلى معلومات استخباراتية تفيد بوجود زعيم التنظيم أسامة بن لادن، والرجل الثاني أيمن الظواهري، حالياً في باكستان.

أمريكا تدرك جليا أن استخدامها الأراضي الباكستانية ليست بالعملية السهلة سياسيا فالتكوين القبلي بقوته الاجتماعية وسيطرته على النسيج الاجتماعي في المناطق الحدودية هو الذي يقف عائقا أمام كل خطوات التقدم المتوقعة. على الجانب الآخر من المعادلة نجد رئيس مركز مكافحة الإرهاب الامريكي يعرب عن قلقه إزاء عودة ظهور تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية خلال ال 12 شهرا الماضية، مشيرا إلى تزايد عدد الهجمات على "أيدي الإرهابيين في اليمن، وتنامي نفوذ تنظيم القاعدة والجماعات المتشددة في الصومال."

جميع المناطق التي تنضح بالعمليات الإرهابية فيها حكومات مناهضة للإرهاب ومحاربة له ولكن التنامي المتزايد للقاعدة في تلك المناطق يطرح تلك الأسئلة المقلقة حول الاتجاه الاجتماعي الجديد للقاعدة ودمجه مع الاتجاه السياسي الذي يفترض المواجهة مع الحكومات مباشرة.

لقد استطاعت القاعدة بهذه التكتيكات أن تدفع بالمجتمعات لتكون بينها وبين الحكومات التي تحاربها مما جعل عمليات السيطرة عليها أمرا ليس سهلا، وهذا ما يفسر تلك الأعداد الهائلة من الخلايا التي تولد بشكل تلقائي في المجتمعات أو التكوينات الاجتماعية ذات الطابع القبلي وخصوصا اليمن وباكستان، وهذا مما يساهم في تشكل الخلايا النائمة تلقائيا كنتيجة محتملة للمد الأيديولوجي للقاعدة في عصب التركيبة الاجتماعية القبيلة. إن استعراض الأسماء المشاركة في عمليات القاعدة في كثير من الدول ومجتمعاتنا سوف يكشف فكرة التوافق بين القاعدة والتركيبة الاجتماعية لتلك الدول وخصوصا البعد القبلي والبعد الجغرافي.

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 4

  • 1
    يعطيك العافيه

    om sultan - زائر

    02:01 مساءً 2009/05/04


  • 2
    اللهم اكفنا شر كل ذي شر
    في رأيي أن التنمية والتنمية المستدامة وإيجاد فرص العمل والتكسّب لأفراد هذه الشعوب والقبائل لن يدع هناك حاجة للتحزب واتباع الشاذ من القول أو الفعل.
    لذا على جميع الدول الاسلامية التخطيط والعمل الفاعل نحو التنمية والتعليم ليقطعوا السبيل لم يرد بهذه الشعوب غير الخير.

    محمد الغانمي - زائر

    03:53 مساءً 2009/05/04


  • 3
    مع الأسف لم تكتب عن العنصريات الضارة والتي تقصي الاخرين وتتحزب في الوزارات وتأكل حقوق الغير فقد اشرت الى الانتقاص من القبيلة واضنك لا تقصد سواء القبيلة البدوية في السعودية
    يا سيد تحث عن توريث وظائف الدولة للفئوين والمناطقيين الذين لم يتركوا لغيرهم شي اما القبيلة فهي اساس البنيان

    ابة خالد - زائر

    05:03 مساءً 2009/05/04


  • 4
    يادكتور علي نأمل عمل دراسه عن اسباب تشابه اختيار القاعده للمناطق الجبليه واختيار المتطرفين الشيعه لنفس هذه الاماكن مع انهم ينشؤن دولة داخل دوله ولكن الغرب لايجيش الجيوش ضدهم ولا يدفع المساعدات الضخمه لدولهم كما يدفع لباكستان نحن نحب الغرب الصديق ولانريد احدا يقضي على علاقاتنا معه

    حمد العبدالله - زائر

    04:23 صباحاً 2009/05/05



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة