الرئيسية > مقالات اليوم

الكويت.. المخاض الانتخابي!!


عبدالله القفاري

تعيش الكويت هذه الأيام مخاضا انتخابيا، من يتابع الصورة الإعلامية سيجد بعض التوترات التي تشوب العملية الانتخابية حاضرة وبقوة في بلد صغير تصدر فيه 12 صحيفة يومية وأسبوعية، وبشكل يقدم إيحاء بأن حجم تلك التوترات كبير لدرجة القلق على مستقبل الديمقراطية في الكويت.

قُدر لي أن ازور الكويت خلال الأيام الماضية، هناك توترات لا يمكن إخفاؤها في بعض التجمعات الانتخابية، وبين بعض المرشحين والحكومة، لدرجة الإيقاف والإحالة للقضاء، هناك صوت عال ومقلق تجاوز حدودا يراها البعض خطيرة وملتبسة في بلد خليجي صغير، قدم نموذجا ديمقراطيا منذ الستينيات ظل يُنظر إليه بعين الاحترام والتقدير. إلا أن من ينظر إلى وقائع الحياة اليومية بالكويت، وحركة النخب، وفعاليات التجمعات الانتخابية سيرى أن الصورة لا توحي بذلك القدر من المخاوف.

يحمل المجتمع الكويتي معه فعاليته وحضوره، لكن أيضا يحمل مسلسل التعطيل في الحياة السياسية قلقا لا بد من الاقتراب منه، وربما يشفع لنا من هذا الاقتراب الخشية على تجربة غنية، وواحة ديمقراطية صغيرة، نراها تتحول إلى مستوى القلق المشروع من التعطيل عبر ممارسات نخب وسلوكيات مرشحين وتجاوزات نواب سابقين.

لم تشهد الحياة الديمقراطية بالكويت هذا القدر من الارتباك ومسلسل الاستجوابات وتعطيل الحياة السياسية والديمقراطية، كما شهدته خلال الأربعة أعوام الماضية حيث شُكلت خمس وزارات، وتعرض مجلس الأمة للتعطيل والحل 3 مرات خلال تلك الأعوام. لم تشهد الحياة السياسية في الكويت هذا القدر من الاحتقان غير المبرر في مجتمع صغير ودولة محاطة بقدر من التحديات، وفي جغرافية محدودة، وتتحقق فيها شروط دولة الرفاه والرعاية الاجتماعية، ويتمتع مجلس منتخب فيها بقدر كبير من الصلاحيات في التشريع والرقابة لدرجة يمكن وصفها – بلا تجاوز- بالديمقراطية العربية الأكثر أهمية.

منذ إعلان الدستور في الكويت عام 1962 ومنذ انتخاب أول مجلس امة، شهدت العلاقة بين المجلس وبين الحكومة قدرا من الانسجام خلال السنوات العشر الأولى، أُنجزت خلال تلك الأعوام الكثير من القوانين، واتسمت تلك الأعوام بالبناء والتنمية الكبرى. العلاقة بين الحكومة والشعب الكويتي علاقة قائمة على عقد اجتماعي وسياسي، حقق المشروعية للإمارة وحقق للمجتمع الكويتي مصالحه وحفظها له. من داخل السور القديم بدأت تلك العلاقة التي اتسمت بالتراضي بين القصر والتجار، وبعد الاستقلال في عهد الشيخ عبدالله السالم، وُضع الدستور، الذي نقل العلاقة إلى بناء مؤسسي، ديمقراطي، يقوم على دستور ومجلس امة وحكومة. حمل الكويتيون ولاء كبيرا لدولتهم وحكومتهم والأسرة الحاكمة. الغزو العراقي مني بفشل كبير منذ الساعات الأولى، لم يجد نظام الغزو العراقي كويتيا واحدا لديه استعداد للتعاون أو العمل معه. قدم الكويتيون ملحمة كبيرة عن الوفاء والبقاء في حضن حكم قبلوه وأحبوه وارتضوه، ولم تكن علاقة الإمارة بالشعب الكويتي سوى تجسيد لمعنى التلاحم بين القيادة والمواطنين في أحلك الظروف وأقساها.

في زيارة ودية وبرفقة الدكتور راشد المبارك والدكتور مرزوق بن تنباك، كان اللقاء بمجموعة من المثقفين والناشطين الكويتيين في منتدى 21. وهو منتدى فكري ثقافي يتطلع إلى مواكبة قرن جديد بروحية البحث والدراسة ويغلب عليه طابع التجمع الثقافي. استمعنا للدكتور أنور النوري الوزير السابق، والنائب السابق رجا المطيري، والإعلامي محمد السنعوسي، والدكتور محمد الرميحي، والدكتور شفيق الغبرا، ورئيس تحرير صحيفة القبس وليد النصف. الصورة القلقة كانت أكثر حضورا من الصورة المطمئنة في مشهد انتخابي يستعاد في أجواء توتر وملاسنات. اللقاء جسد المخاوف على مستقبل مشروع ديمقراطي. لا يمكن إخفاء قلق المتحدثين من التغير الديمغرافي في الكويت، وعلو صوت القبيلة والاصطفاف القبلي، والتجاوزات والتطاولات، التي تتعامل معها السلطة بطول النفس، ويتعامل معها القضاء بكثير من الاحترام وحقوق الحصانة ضمن دائرة الرأي وحق حرية الإبداء.

الزيارة الودية، تحولت تحت وطأة الحديث إلى حالة قلق على ممارسات تكاد تعطل الحياة الديمقراطية، وتأكل في المنجز الديمقراطي، وربما دفعت كثيرين للتساؤل حول الآثار التي بدأت تظهر تعطيلا وحلا واستجوابا لا ينتهي، وعلى قضايا ربما ليست هي القضايا التي تقلق الشارع الكويتي أو تمس جوهر وجوده وتطلعاته وتنميته. كما أن الثقة بأهمية التجربة الديمقراطية الكويتية تعني أيضا القلق من تعطيل هذا المكتسب. المعول عليه أن تنمو التجربة وتزدهر، لا أن تتراجع وتنتكس. العناصر الكبيرة في كويت الماضي التي سنت الدستور، ووضعت أسس العلاقة بين السلطتين، وأقرت الحياة النيابية، ربما لم يأت في تصورها أن يتحول هذا المكتسب إلى حالة اصطفاف لا يعزز شروط الديمقراطية وحضورها ناهيك ان يخلق جسورا بين فئات المجتمع عبر كتل وطنية تضع إطار الدولة الصغيرة في حدود الحماية وترقية المنجز وتحقيق قدر اكبر من الانسجام بين المواطنين على اختلاف انتماءاتهم الضيقة.

تساءلت في خضم هذه الأجواء، عن المعنى من هذا الاصطفاف القبلي بين أبناء الكويت حيث يفترض أن تساهم الصيغة الديمقراطية - بعد عقود من الممارسة - بتحقيق قدر من الانسجام بين برامج المرشحين على مائدة العمل الوطني لا مائدة القبيلة. تنشر الصحف الكويتية إعلانات كبيرة تتحرك في إطار تحفز التجمع القبلي لتقديم أبنائه لواجهة المجلس. مسلسل استقطاب تحت يافطة القبيلة أو التجمع العشائري أو الطائفي لكن ليس تحت يافطة مرشح لكل الكويتيين. قلق النخب الكويتية التي لم ترفع شعارات القبيلة أو التجمع العشائري أو الطائفي له ما يبرره. الخوف من التجاوزات والاستحواذ على مقاعد المجلس يشكل هاجسا لا يمكن إخفاؤه.

لم تعد القوى الليبرالية في الكويت ذات وزن وثقل شعبي كما كانت في السابق. المشهد الانتخابي تعبير عن علو قوى وتراجع أخرى. اليوم القوى التي تتحرك في الكويت ولها حضورها لم تعد قوى تقدمية قومية أو ليبرالية .. إنها تعبير عن علو تيارات أخرى لا ضرورة كبيرة لتأكيد أنها من يكتسح الساحة اليوم ولكن عبر واجهة الاستقطاب المذهبي أو العشائري، وهذا لا يعني خلو هذه القوى من كفاءاتها وعناصرها الايجابية، لكنها تخفي كفاءة المرشح خلف سهم القبيلة أو التيار في الحشد والاصطفاف.

اطلاع سريع على عناوين الصحافة الكويتية النشطة يكشف اتجاهات المخاض الانتخابي لمجلس الأمة، وإعلاناتها الكبيرة عن المرشحين والقبائل ونتائج الانتخابات الفرعية يعطي صورة واضحة عن حجم ووزن القبيلة اليوم في تقرير شكل المجلس.

تحمل الصحافة الكويتية عناوين مقالات كثيرة تعبر عن رأي لا يخفي تشاؤمه. يكتب الدكتور شملان العيسى أستاذ العلوم السياسية بجامعة الكويت مقالا في صحيفة الوطن الكويتية تحت عنوان محاولة للفهم "مطلوب منا رفض كل المفاهيم القبلية الزاحفة على مجتمعنا المدني". ويكتب أحمد الكوس عن عزوف الناخبين بين اليأس والأمل "لقد سئمنا من المعارك والسباب والطعن في أعراض الناس" . أما خالد السلطان فهو يرى في مقال نشر بالوطن أن هذه ليست حضارة بل فوضى وسفه وتمثل واضح لشخصية أولئك الخوارج!! . الدكتور خالد القحص من خلال نافذته في الوطن لا يخفي تشاؤمه من المشهد الانتخابي برمته.

عينة صغيرة وعابرة لمقالات تزخر بها اليوم صحافة الكويت، تقدم انطباعا قويا بدرجة القلق على مستقبل الديمقراطية بالكويت، لكن الشارع الكويتي ماض في تجمعاته وقواه التي تحرك ناخبيه ومرشحيه لمجلس الأمة. الظاهرة الكويتية لها أسبابها وحضورها في عقل النخب هناك، منهم من يعيدها لوعي القبيلة والإسلام السياسي الذي صعد مع تراجع المشروعات الأخرى في المنطقة. القبيلة تجمع طبيعي في مجتمعات لم تحظ بقدر كبير من الاندماج على قاعدة المواطنة، والإسلام السياسي له حضوره في عقل المجتمع الكويتي ولا يمكن التعامل معه بالتعامي أو التجاهل فهو ظاهرة عامة في المنطقة. الحياة النيابية ليست كافية وحدها لتعزيز حضور الاندماج على قاعدة مشروع ناخب بعيدا عن تأثير وصوت الجماعة أو التيار أو أبناء القبيلة، وبالأخص إذا كانت التجمع الوحيد الذي يملك صفة التنظيم اليوم.

في منتدى 21، حذر النائب السابق رجا المطيري من إثارة فكرة أن التشوه في العملية الديمقراطية جاء من عباءة القبيلة، وأن هذه الفكرة ليست سوى نتيجة لتلك النظرة القاصرة لحق المواطنة بين من ينتمي تاريخيا لداخل السور ومن هو خارجه. والسور المقصود به الكويت القديمة التي وضعت عناصرها الفاعلة دستور 62، وسنت القوى الفاعلة - انذاك - بأحلامها وتطلعاتها التقدمية مسار حياة نيابية، وأعطت للمجلس حضورا مهما وفاعلا ومؤثرا في مسار الحياة الكويتية على كافة الأصعدة.

بقدر الإعجاب بفعالية المجتمع الكويتي وتصديه لكل ما يخل بالدستور أو ينتقص من حقوقه في مخاضه الانتخابي هذه الأيام، بقدر هذا الإعجاب يتسرب القلق من حجم هذا الصخب في بلد صغير، حناجر التأزم بين مرشحيه تثير الكثير من المخاوف على تجربة حقيقة بالرعاية والاحتواء، لا تهديد وجودها أو إضعاف قيمتها أو تراجع منجزها.

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 3

  • 1
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    سؤال الذي يطرح نفسه
    هل دول الخليج بحاجة إلى انتخابات في جميع المجالات ؟
    أم نحن بحاجة إلى جلب عقول أجنبية لها تجارب في صناعة الحضارات في دولها حتى نبدأ من حيث انتهى غيرنا
    هذه الدول سبقتنا في التعليم وفي الطب وفي الثقافة وفي الإعلام وفي السلوك وفي التربية وفي الصنا

    أبو حمد مدرب أبناء أرامكو - زائر

    10:13 صباحاً 2009/05/04


  • 2
    العوده الي القبيله نسق ثقافي تنامي مع الاحداث السياسيه وزوال بعض الكيانات السياسيه وطغيان الطائفيه والقبليه ناتج عن ذلك
    ويظن البعض ان القبيله وهي الكيان الخالد عبر آلآف السنين هو الملاذ الآمن
    الكويت تعرض الي غزو طائفي من الشرق تصدي له القبلي من الغرب والدلائل علي ذلك كثيره منع المطبوعات السعوديه

    ابوجهاد - زائر

    01:13 مساءً 2009/05/04


  • 3
    هذة مصيبة الديمقراطية فالمشاكل التى لاتنتهى بين السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية فى دولة الكويت سببها الديمقراطية فاقول للذين يمجدون العمل الديمقراطى ويطالبون بها فقد اجرت احد القنوات الكويتية لقاء مع امراة واستشهدت بمجلس الشورى السعودى وقالت ليتنا فى الكويت مثل مجلس الشورى السعودى0

    الودعاني - زائر

    02:32 مساءً 2009/05/04



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة