الرئيسية > خزامى الصحارى

قراءة في قصيدة «الطفولة» للأطرق الهذال



بداح السبيعي

حلوه نعيش الحب بقلوب الأطفال

وأحلى لو إن العمر كله طفوله

سعود بادي

تتشابه مرحلة الطفولة إلى حد كبير مع الأحلام الجميلة التي ترحل وتتلاشى تاركة لنا مشاعر مميزة تعجز اللغة عن الإمساك بها، إذ لا يكاد الإنسان يجاوز تلك المرحلة حتى يشعر بحنين جامح لها، ويتمنى لو كان باستطاعته استعادة بعض أيامها الجميلة بما فيها من براءة وحُرية وانطلاق وراحة بال، ولا يمكن لنا حينما نتحدث عن الطفولة تجاوز الإشارة للأمنية العصية لمجنون ليلى حينما قال:

صغيرين نرعى البهم يا ليت أننا

إلى اليوم لم نكبر ولم تكبر البهمُ !

فبعد هذه الأمنية الغريبة نجد عشرات الشعراء الذين عبروا عن حنينهم لزمن الطفولة لأسباب عديدة، ولعل الشاعر المبدع ماجد النصيف هو أدق من عبّر عن واقع الإنسان المتذبذب بين رغبته في تجاوز مرحلة الطفولة ورغبته في العودة إليها:

في صغرنا كنا نحسب الدقيقة

على أساس إنّا نعوّض صبرنا

وبعد كبرنا واكتشفنا الحقيقة

قمنا نتمنى: ليتنا ما كبرنا

وسأتوقف قليلاً مع واحدة من أجمل القصائد التي صورت بشكل بديع أجواء الطفولة، وصورت كذلك مرحلة الانفصال عنها إلى مرحلة البلوغ والرجولة، والقصيدة أبدعها الشاعر الأطرق بن بدر الهذال، ويقول في مطلعها:

علمي بها بأيام سن الطفوله

عهد البراءة والغلا بين الأطفال

نلعب ونمزح ونتلاقى بسهوله

نتبادل الضحكه على كل الأشكال

وسيلاحظ المطلع على هذه القصيدة - التي تتألف من 26بيتاً - أنها تتقاطع بشكل كبير في أول تسعة أبيات منها مع قصيدة أخرى تصور مرحلة الطفولة، ألا وهي قصيدة الشاعر المعروف محمد النفيعي الشهيرة التي يقول فيها:

عهدي بها قدام تلبس عبايه

وأنا بعد قبل ألبس شماغ وعقال

طفلين نتهجى حروف البدايه

الله يا مجمل سواليف الأطفال

فكلتا القصيدتين تميزتا بذكر ملامح الانفصال عن الطفولة، مع تميز الأطرق في نقل تلك الملامح بدقة وتفصيل، أما النفيعي فقد ركز في قصيدته على استعادة ذكريات الحب الطفولي، واقتصرت إشارته للانفصال على البيت الأول الذي يشير فيه إلى التغير الخارجي (اللباس)، فاللباس (الشماغ والعقال تحديداً) يدلان على الوقار الذي يجب أن يتحلى به الشاعر في مرحلته الجديدة، وكذلك فإن (العباية) تمثل للمحبوبة حاجزاً تتطلبه مرحلة الانفصال، والبيت الثالث (وكنا نقول علوم ما هيب تنقال)، الذي يُلمح فيه النفيعي إلى حُرية الطفل وعدم مُحاسبته على جميع ما يتفوه به خلافاً للشاب أو الشخص الناضج.

ولو عُدنا لقصيدة الأطرق لوجدنا بأن تصوير مرحلة الانفصال عن الطفولة يبدأ فعلياً من البيت العاشر، الذي يتعرف فيه الشاعر من محبوبته على الإشكالية التي توجب الانفصال:

كبرت وصارت نور عيني خجوله

وأصبح وجودي حولها يسبب إشكال

قالت تضل النفس يمك ميوله

وأشفق لشوفك يا بعد كل الأزوال

والله ماني من وجودك ملوله

لكن بلاي بعينهم صرت رجال

زولك طويل وصعب حولي قبوله

ومرات أشوفك تلبس شماغ وعقال

فإلى جانب التغير في الشكل الخارجي، هناك تغير داخلي أو (فسيولوجي) طرأ وأوجب الانفصال عن المحبوبة وعن الطفولة على حدٍ سواء؛ ونستمع في الأبيات التالية لصوت الأب أيضاً وهو يحاول تعريف ابنه - بالخطاب والعقاب - على وجوب إدراك ما لا يرغب الشاعر في إدراكه:

ياما منعني والدي من وصوله

وياما على ظهري عطاني كم عقال

قال الغلا له حد.. واعرف أصوله

واللي مثل سنك يصيرون عِقال

ما يدري إن العقل صعبٍ حلوله

وأجسامنا تنبض بها قلوب جِهال

إذا فالشاعر يُدرك ضرورة تحكيم العقل في المرحلة الجديدة، ويدرك حتمية الانفصال، ولكن قلبه المُتيم لا يرغب في إدراك هذه الحقيقة، أو لا يمتلك القدرة على احتمال ألم الانفصال والفراق، لذا نستمع إليه وهو يُعاتب بأسى وحُزن دنياه التي مشت (أو جرت) بسرعة كبيرة، وحرمته من الطفولة ومن المحبوبة:

وش فيك يا دنيا مشيتي عجوله؟

كم ضاع بأسبابك أماني وآمال

من بعد ما كنت أنتظر شوف زوله

قامت تبكّيني صورها والأطلال

الروح صارت بالفراق معلوله

وصار الغلا لصويحبي حب بهبال

جاها حظيظٍ غيري ووافقوا له

وتحطمت بقلوبنا كل الآمال

راحت بعيد وصارت بغير دوله

لكن غلاها بالحشى حي لا زال

ما طاع قلبي في غلاها عذوله

ولا يمكن أنساها ولا اطيع عذّال

ويختم الأطرق قصيدته ببيت رائع يُعبر عن الأمنية التي يتمناها كل إنسان بعد تجاوزه لسن الطفولة، ويحمل هذا البيت مشاعر يمتزج فيها اليأس والحزن بالحنين إلى عالم الطفولة، بما يمثله ذلك العالم من نقاء وحُب وحُرية واقتراب من المحبوب:

ليت الزمن يرجع بنا للطفوله

وأبقى طفل ما ودي أصير رجال!

وبين أمنية الأطرق الهذال وأمنية مجنون ليلى قصائد كثيرة صور مبدعوها جمال مرحلة الطفولة، وعبروا عن حنينهم لها، وعن أمانيهم المحالة بالعودة إليها، ولعل أشهر القصائد الشعبية التي تعبر عن الحزن على مفارقة الطفولة هي قصيدة الشاعر المبدع فيصل اليامي (عيال حارتنا).

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 3

  • 1
    قراءه شدتني من أولها الى آخرها
    والقصيد اكثر من رائعه وتستحق هذه القراءه
    صح لسان الشاعر الاطرق بن بدر الهذال وسلمت يمناك
    اخي بداح السبيعي على هذا الأختيار في الطرح
    الى الأمام ياجريدة الرياض

    اسيل الشوق - زائر

    08:01 صباحاً 2009/04/30


  • 2
    القصيدة رائعة،،
    ٍٍٍ
    هذه القصيدة منذ الوهله الاولى احسست انها تلامس مشاعرنا بشكل كبير
    حلوه نعيش الحب بقلوب الأطفال
    وأحلى لو إن العمر كله طفوله

    الجوهرة بنت عبدالله - زائر

    01:19 مساءً 2009/04/30


  • 3
    الأخ العزيز بداح السبيعي
    لاهنت اخوي على قرائتك الرائعه لقصيدتي المتواضعه
    شكرآ لك من الأعماق وشكرآ لجريدة الرياض والقائمين عليها
    تحيتي وتقديري

    الاطرق بن بدر الهذال - زائر

    09:21 مساءً 2009/04/30



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة