اكتمل الشكل بعد المضمون في مشهد الديموقراطية اللبنانية بقرار رئيس الحكومة فؤاد السنيورة ترشيح نفسه للانتخابات عن صيدا مكملاً سلسلة رؤساء الحكومة من أبنائها الذين تولوا رئاسة الحكومة بدءاً برياض الصلح إلى رفيق الحريري اليه. ومنذ أن كان يقال في عهد الانتداب الفرنسي أن لبنان السياسي هو مبدئيا جبل لبنان ثم مدن الساحل بيروت وصيدا وطرابلس، كان لمدينة صيدا دورها الهام في تأسيس الوطن اللبناني، وها هو يستمر الآن مع السنيورة كأحد البررة من كبار لبنان والعرب.
هذا الثنائي العريق المؤلف من جبل لبنان ومدن الساحل كان قد اقض مضجع الانتداب بالممانعة ليصل بلبنان إلى رحاب الاستقلال مع قيادة بشارة الخوري ورياض الصلح.
رافقت ثنائي الجبل والساحل وهو الأساس الجدي في قيادة النضال وتحقيق الاستقلال، بعض ثنائيات شعبية ذات طبيعة رمزية تبسيطية مفهومة عند الناس في زمانها كالبسطة والجميزة والكتائب والنجادة، وكلها مقصود به في زمانه استجماع الذات الوطنية اللبنانية الواحدة لكونها القاعدة والعصب في الصمود الوطني السياسي ضد الانتداب بقيادة رياض الصلح، شاغلا بطربوشه وبحركاته وتحركاته رأس الانتداب الفرنسي محركا الشارع السياسي ضد المفوض السياسي الفرنسي وأعوانه مراهنا على الطلاب في الحكمة والمقاصد واللاييك والجامعة الأميركية، مؤثرا على المطارنة وشيوخ الدين المسلمين، حارما العسس المعادي لذة النوم في الفجر، عارفا ماذا ستكون في الغد عناوين الصحف والطريق التي ستسلكها الجموع وأي مجموعة كشفية مسلمة ومسيحية ستنشط، مستشرفا سلفا حال الاقفال العام.
لكن رياض الصلح عميق الأغوار والحسابات كان يعرف جيدا ولو أخفى عن الكثيرين هذا الاعتقاد أن الشارع السياسي الأهم والأكثر تأثيرا في المفوضية الفرنسية والدول وسوريا بالذات هو الشارع الطرابلسي بعد البيروتي لذلك كان شديد الاهتمام بطرابلس بكل قياداتها من زعيمها عبد الحميد كرامي الى أقارب رياض الصلح آل المقدم وأصدقائه الكثيرين عددا ونوعا هناك من عائلاتها وتشكيلاتها الاجتماعية والسياسية إلى سائر قوى طرابلس وناسها.
كان رياض وهو السياسي المتابع الخبير يعرف منذ تلك الأيام أن الثقل السياسي بالنسبة للسياسة الدولية والعربية هو في بيروت وطرابلس ثم غيرهما. فبيروت وطرابلس هما الأساس في عروبة لبنان وهما البلدان اللذان يقرران إذا كان لبنان سيكون عربياً أم لا، وهما بالإضافة إلى الجبل الرمز الدائم والأهم والضمانة الأولى والأخيرة للسياسة الاستقلالية العربية.
ولعل ذلك نفسه ينطبق الى حد كبير على صيدا فاذا كانت بيروت السياسية قوية واذا كانت طرابلس معها وكذلك صيدا يدا بيد فان لبنان العربي قوي فاعل. كان رياض يحب صيدا حبه لبناته، يحب بيروت بالدرجة الأولى في لبنان ولكنه كان يعرف أن لبنان العربي القوي القادر هو في حاجة دائما الى ثنائي بيروت طرابلس.
كان رياض على حبه التاريخي والموروث لصيدا يسأل دائما عن حال السياسة في بيروت وطرابلس فاذا قيل له إنهما بخير دخل السرور إلى قلبه وقال إن لبنان المستقل العربي صخرة لا تتزحزح، ولعل الرئيس السنيورة هو من هذا الرأي.
وفي ترشحه عن صيدا والجنوب كان رياض معبرا عن اسلام سمح واسع الأفق وفي تفكيره الدائم في طرابلس كان يعطي كل ذي حق حقه كرجل دولة عربي له روابط قلب وعقل وروح في كل مكان من أرض العرب وفي كل زاوية من زوايا القلب والعقل، كان كما قال عنه المرحوم الكاتب محمد النقاش في إحدى الصحف "ثائر مبطن برجل دولة".
لقد كان التنسيق الموضوعي والمبدئي بين الزعامتين الوطنيتين البارزتين في بيروت وفي طرابلس أثر كبير في تعزيز العمل الوطني كما كان له أثر في دعم النضال السوري ضد الانتداب وصولا الى الاستقلال، ويروي المرحوم مالك سلام الذي كان يعمل في ذلك الزمن كمستشار في السفارة الأميركية، أنه كان حاضرا في زيارة قام بها الرجلان رياض وعبد الحميد معا الى المندوب الفرنسي في قصر الصنوبر مطالبين باسناد رئاسة المجلس الى شيعي للمرة الأولى وكان الرئيس صبري حماده.
بين شهود تلك الفترة وعارفي تطوراتها من كان يعدد الفوائد والأثر الايجابي بل وحقيقة الاستقواء القومي والوطني جراء سياسة التنسيق بين الصلح وكرامي سواء في رص الصف بين متماثلين في السياسة العامة أم للصمود في وجه الخارج الدولي أو للتنسيق بين زعامات الساحل كما كانت تسمى في ذلك الوقت زعامة رياض الصلح في بيروت وصيدا وزعامة كرامي في طرابلس التي لم تكن تستطيع التخلي عن بيروت وهي لم تفعل ذلك في الماضي رغم وجود قوى خارجية كانت تغذي عندها نزعة الابتعاد عن بيروت، كما لا يجوز أن تسقط بيروت أو تنسى أهمية طرابلس.
يكون أي حاكم في بيروت ضعيف الخيال إذا تصور أنه يستطيع أن يفعل الكثير لنفسه إذا هو أسقط من حسابه أن طرابلس ليست مجرد بلدة عادية بل هي موقع قوة كبيرة إذا أضيف لمدينة بيروت فإن القرار المؤيد من المدينتين يزداد ثقلاً ومهابة لا في عين رئيس الحمهورية أيا كان فقط بل في نظر الجميع إلى سياسة الدولة ككل.
بل إن السياسة المدعومة من بيروت وطرابلس تكون من الفعالية والمهابة بحيث تعلو بها كرسي رئاسة الحكومة وتزداد وزنا ودورا في كل العالم العربي.
هذا وان طرابلس كانت دائما معتبرة مدينة وطنية وعلم. وعلاقة طرابلس بالذات كانت دائما قوية مع مصر كبرى الدول العربية، والعلاقات بين القطرين منذ ايام الرافعيين كانت سياسية وغير سياسية دينية وثقافية. وفي دراسة للمرحوم نقولا زيادة عن العلاقة بين مصر وبلاد الشام، روى أن أول شيخ ذهب للدراسة الدينية في الأزهر من بلاد الشام كان شيخا من طرابلس من آل الذوق احدى العائلات الطرابلسية المعروفة. ولكن الرافعيين هم من كانوا الابرز والاكبر دورا في مصر.
بعد هزيمة فلسطين مباشرة، أطلّ لبنان سبّاقا في استشعار الخطر الصهيوني عليه لا نتيجة للهجرة الفلسطينية فقط وهي التي غيّرت من طبيعة، بل من قبل ذلك منذ أصبح الطرابلسي فوزي القاوقجي قائداً في فلسطين للثورة الفلسطينية وشروع المصرفي والمفكر اللبناني ميشال شيحا في التنظير ضد الصهيونية كخطر على لبنان والمنطقة.
واذا كانت شخصية القائد الطرابلسي العسكري فوزي القاوقجي هي التي جسّدت في وقت مبكر من عمر فلسطين الانتداب رمزية العلاقة الفلسطينية اللبنانية، فإن المجتمع اللبناني أفرز في حرب 1948 مكتب فلسطين الدائم برئاسة الطبيب البيروتي المرحوم سليم إدريس.
ومنذ ذلك الوقت أصبحت القضية الفلسطينية لها مؤسساتها الاجتماعية والسياسية اللبنانية المساندة لها وانغرست في الضمير اللبناني قناعة حاسمة بأن لبنان مدعو لأن يقترب فكرياً واجتماعياً وسياسياً آخذاً بعين الاعتبار أن ما يجري في فلسطين ينعكس على لبنان والعكس بالعكس.
وإذا كان لبنان قد استقل عام 1943 والحرب العالمية لما تضع أوزارها بعد، فالفضل في ذلك إلى حد بعيد للسلامة الوطنية في شعبه وللمستوى الرفيع لقياداته التي عرفت كيف تعمل على الرهان على عوامل الجمع بين اللبنانيين دون عوامل التفريق، بل كيف تحوّل التغلّب على الصعوبات وعلى خلافات الرأي فخراً للوطن بل نعمة على الأمة.
ليس لبنان وطن المعجزات، ولكنّه كان وما يزال وطنا من نوع خاص أخذ فخره من كونه الاستقلالي في التعدد، كذلك التعددية اللبنانية ظلّت فخورة بأنها كانت أيضا وظلّت استقلالية.
تقنيات صاحبت ولادة الاستقلال اللبناني وأولها حرص الاستقلاليين منذ اليوم الأول على عدم تصوير المشروع الاستقلالي اشتباكا مع حضارة الغرب، فالرفض هو للاستعمار حيثما تجلى وليس للتقدّم والعداء هو لنزعة التسلّط والهيمنة ليس الا، والتعدد الاجتماعي والسياسي والثقافي موضوع احترام بل ثروة ينبغي الحفاظ عليها، أما العروبة فهي ليست البغضاء الا للاستعمار والاستبداد، في الوقت الذي هي أخوة نزيهة مع سائر العرب وشراكة في الدفاع عن النفس والهوية الجامعة للعرب في وجه الصهيونية وقوى التسلط العالمي حيثما كانت.
ولو تعمقنا في اللغة السياسية للبنان الاستقلالي لرأينا أن مجموعة الثنائيات التي ذكرناها وطرح من خلالها لبنان قضاياه تتأرجح بين نوع الفولكلور السياسي الذي يقدّم به لبنان نفسه على أنه وطن عزيز على أهله عارف لحجمه المادي متمسّك بالعيش المشترك لا يخجل بفولكلورياته سواء بالتعبير أو بالمضمون حين تكون هذه الظواهر صدى لحجمه الجغرافي وتعبيرا لروح الحرية والكرامة عند أهله.
يشعر الباحث حين يستعرض ما كان يقوله الصف الأول من الاستقلاليين قبيل المعركة الاستقلالية وكأنما كان هناك فريق عمل وكتابة مهمته شد اللبنانيين وتوحيدهم بسحر كلمات وعبارات وطروحات مكتوبة بأقلام ماهرة بل استثنائية في جودتها التعبيرية. محتواها ومهمتها الأولى والأهم النجاح في اعطاء اللبنانيين شعور المرور بلحظة تاريخية لن يشبه ما بعدها ما قبلها، أدى فيها قلم مدير المطبوعات ونقيب المحررين وابن عم رئيس الحكومة الاستقلالية تقي الدين الصلح دورا كبيرا.
لعبت الكلمة دورا كبيرا في تصور لبنان لنفسه ودوره ومكانه في محيطه العربي وفي العالم وغالبية الكبار من ساسته ان لم يكونوا من أهل القلم فانّهم كانوا من متذوقي الكلمةوالابداع الفكري المؤمنين بأن المعاني السامية تولّد عادة مرتدية أثوابها الكاملة بل لعل توق لبنان الى أن يسجل نفسه في التاريخ هو وكما كان يقول عمر فاخوري نوع من أخذ الثأر لحجم لبنان الجغرافي.
وصدقت الكتب المقدسة عندما قالت ان في البدء كانت الكلمة. وما كان اكثر من اهمية الشعارات فهو التجدد في الزعامات الوطنية التي عرفتها المدن كظاهرة الدكتور عبد المجيد الرافعي في طرابلس التي اعادت الى المدينة حيويتها الاجتماعية السياسية وأبقت لها دورها في التجاوب مع افضل ما تفرزه الامة العربية من صلابة في وجه الاطماع الاجنبية وتعيد للبنان دوره العربي وطليعيته.
ان الديموقراطية هي رحمة بالشعوب بمعنى من المعاني، ولكنها ايضا امتحان للشعوب واختبار لمقدرتها على اعطاء افضل ماعندها . والفارق بين الديموقراطية واكثر من غيرها من النظم انها تتطلب دوام النجاح ، والاصل فيها قبول التحدي بالعمل والنجاح وليس مجرد المساهمة الشكلية. وليس من بؤس يخزي الشعوب اكثر من القول انها في ظل نظام ديموقراطي أفشلت نفسها بنفسها.