وقفت ملياً متأملاً متأنياً أمام قول أبي تمام:
ليس الغبي بسيد في قومه
لكن سيد قومه المتغابي
والذي أعرفه أن أبا تمام لا يقودك للمعلومة بداهة شأنه شأن تلميذه المتنبي، لكنه يقرأ الحدث في المجتمع ويتجاوز المعنى الظاهر إلى أبعاد الحدث، فمنذ أن خُلقت المجتمعات والأمم والذين يسودونها أولو رجاحة عقل في الأعم الغالب، ولذلك فإن مقومات القيادة والإدارة تبرز خاصية أهم ترتبط بالقيم الذهنية والقدرات العقلية أكثر منها ارتباطاً بالقيم السلوكية أو حتى المقام العضلي والقوام الجسدي.
فالأولى خواص تمنح أفضلية مطلقة للعمل العقلي، متجهة لإنجاز مهمة قد تطول أو تقصر.
ومع إيماني بأن الشاعر أبا تمام لم يكن قصد سيد قبيلة أو زعيم أمة، وإنما سيد الموقف، وذلك لأن (السيدين) هنا والسيد في كلا الحالين يمثلان القيمة العقلية التي تبرز الشخصية المدركة للأبعاد المتجاوزة لحدود الموقف إلى المواقف غير المحدودة.
وهو فهم خاص يعبر عن قدرات استثنائية وقوى متوازنة في داخل تلك الشخصية يمكن لها أن تقود أي مشروع للنجاح وأي أمة للنماء وأي أسرة للعطاء ولا تدخل حالة التغابي في النوايا بذات القدر الذي تتصل فيه بضبطين ضبط النفس وضبط العقل.. فالغباء اعتلال ذهني يصيب الشخصية الإنسانية بحالة من التشتت أو الضعف والقصور وصورته تتمثل في الغفلة بشكل أكبر لأنه يمثل الغياب عن الوعي التام أو الجزئي بأي موقف مع العجز عن استكمال قيمة الحدث.
ولا يمكن لشخصية يقودها هذا النقص أن تقوم بعمل يتسم بالحنكة والفطنة، وأبوتمام يدرك تماماً أن الغبي لا يمكن أن يسود في قومه أو أمته ويعي أيضاً أن ا لمتلقي يدرك هذه المعلومة لكن أبا تمام لم يرد أن يبث المعلومة أو يؤكدها على حين أراد أن يشير إلى أن المسافة بين الغباء والتغابي في الظاهر مسافة قريبة بيد أنها في الواقع المثالي مسافة طويلة، والأعجب أنه لا يريد الغباء في صورته المركبة ولكنه يريد الذكاء في صورته المجردة.. فالتغابي حالة تمثل قصوى حالات الذكاء وهو يعني الذكي، الحكيم، لأنك قد تصادف شخصية ذكية غير أنها محوجة للحكمة، فالذكاء وحده ليس نقيض الغباء هنا وإنما هو نقيض الحمق، إذ إن التغابي يدل على التوازن والصبر والتماسك والدهاء، ولا يمكن بحال من الأحوال أن يكون المتغابي أحمق أو ضعيفاً أو سوى ذلك، نعم قد يكون متغطرساً لكنه ذكي يتصرف بحكمة، وقد يكون طيباً لكنه حكيم يتصرف بذكاء، وعلى كلا الحالين نجد أن التغابي عمل محايد يفضي إلى التحرر من العقد والتشابك والتداخل والتأزمات، ولو بشكل آني مؤقت هذا الصراع ينقل العلاقة بين الأطراف إلى داخل المتغابي الذي تستوعب قدراته حلبة التقابل بين ذاتين (ذات) قوية تتماسك لتنشئ موقفاً من الهدنة والهدوء و(ذات) مطابقة تتلقى الحدث، وتمثل الشخصية الحقيقية للطبيعة الإنسانية التي تثور وتغضب وتهدد وتتقد وتتحرك متعلقة بالحدث، فيأتي الصراع بين (الذاتين) ليبرهن على غلبة الذات القوية المتماسكة على الذات الأخرى التي تنزّ إلى طبيعة السلوك البشري، وهي غلبة (راقية) إذا تم توظيفها للفضيلة والعدل والحب، وغلبة (مؤقتة) إذا تم توظيفها لأغراض وصولية برجماتية نازعة للانتهازية والإزاحة والإطاحة والتصور الميكافيللي، ولكن كلا (الغلبتين) يشيان بالحكمة والقوة والدهاء والتماسك، ومن هنا ندرك عبقرية أبي تمام التي رجحت (التغابي) صفة تدفع بصاحبها للسيادة والقيادة والريادة، وهو لا يريد أن يقول في الطرف الآخر الغباء بل يريد أن يقول الذكاء المجرد الذي لا يحمل وعياً مؤسساً أو ذكاء يقوم على الحكمة والتروي..
1
فلسفة رائعة ورؤية ذكية--نورت صباحنا-رجا
mnmb - زائر
05:54 صباحاً 2009/04/24
2
لكن ايها العزيز التغابي في عصرنا ليس له قيمة لان التاويلات دائم غلططططططططططط1111111مشكور على الكلام الثمين000 ابو الشوق
مشتااااق - زائر
06:00 صباحاً 2009/04/24
3
والله انا في رايي الغباء والتغابي مافيها الا فرق بسييط جدا
لان في الاخير كلها غباء
ولا بالعكس سماع غبي ولا سماع متغابي
سارووونه - زائر
10:16 صباحاً 2009/04/24
4
يعيطكم العااافيه..
وسلمت يداك..
وصح لسان ابو تمام..
العنود - زائر
10:22 صباحاً 2009/04/24
5
حقاً ماتقول أيها الأريب..
فكم هي فلسفة جميلة، فالتغابي رأس الذكاء وأرومته..
مدهشة حروفك أيها المتعمق..
بدر بن نداء العتيبي - زائر
11:12 صباحاً 2009/04/24
6
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
احلى صباح واحلى قهوة للجميع
ذكرتني ابيات ابا تمام والمقال بابيات الشاعر سعد الهاجري اللي يقول فيها
من الذكاء انك تسوي نفسك احيانا غبي
بس الغباء انك تذيكالك على ناس اذكياء
مقال جميل استاذ \ نايف
عبدالرحمن الحربي (ابو ملاك) - زائر
11:18 صباحاً 2009/04/24
7
بارك الله في جهودكم
الله يعطيكم العافيه ويجعلها في ميزان حسناتكم
يعطيكم العافية
sara - زائر
11:37 صباحاً 2009/04/24
8
السلام عليكم
نوعية من المقالات التي يجب ان يتوقف عندها الانسان ليتتعن - للعلم تم اضافة هذا المقال لارشيفي الخاص
دمت بود
الاحساء - بو محمد
مالك عبدالله - زائر
01:17 مساءً 2009/04/24
9
أستاذ نايف
مقال جداً رائع ويحمل في طياته حقائق غفل عنها الناس
عزيزي من المؤسف أن كثير من الناس يعتبر التغابي من الأشخاص ضعف وسذاجة ومن المؤسف أن يتعامل كثير من الناس مع المتغابين على هذا الأساس فيكون هذا الشخص الذكي الحكيم بين نارين بين نار أن يفصح أن ما يحدث حوله ليس هو بغائب عنه فتحدث أحيانا كثيرة نتائج غير محمودة أو يظل في في تغابيه وتظل الناس تعامله على أنه ساذج
جداً موقف لا يحسد عليه أولو العقل والجكمة
محمد الخليفة - زائر
02:23 مساءً 2009/04/24
10
الإبداع هو التوقف المفاجئ للغباء(أدوين لاند)
بمجرد مواجة ظرفا قاسيآ، لماذا يتعثر البعض؟! فيتوة في دوامة التدمير الذاتي في حين أن البعض الآخر يتمسك بقشة نجاة تقودة الى جال الامان وحتى تهدىء العاصفة وتمر بسلام ؟ كل من في هذة البسيطة معرض لمثل هذة المحن، ولكن هناك اشخاص يحملون ابين اكتافهم ذكاءا نيرا وفطنة يستطعون من خلالها زرع النجاح والسيادة لأنفسهم...
اما مفهوم التغابي فانا لااعرف عنة سوى انة ذلك القناع المزيف الذي يرتدية من يتصعنة.بنية التخفي من لوم الغير
شكرا للقلم المبدع
تهاني سعد - زائر
04:55 مساءً 2009/04/24
11
انا اعتقد انه لايتغابى الا على الاغبياء
وان الغباء الى حد كبير قد يكون مقرون بالجهل في امور عده
وكل ماكان الشخص يزيد مخزونه الثقافي والمعلوماتي ويوم بتغذية عقله بكل مجالات الحياه ولو بفكره بسيطه قد يبتعد قليلا عن داء الغباء
وانا هنا لا ابرر الغباء ايا كان
.
اطروحه جميله ومفقيده استاذ نايف
شكرا لعقلك قبل قلمك
ماجد العنزي - زائر
07:58 مساءً 2009/04/24
الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة