الرئيسية > مقالات اليوم

بين جاذبية أوباما وخيبة أمل نجاد


عادل الطريفي

كانت العلاقات الأمريكية/الإيرانية –ولا تزال- واحدة من أشد العلاقات عداوة في عالم الدبلوماسية. صحيح، أن لدى الولايات المتحدة أعداء كثيرين –صنعت الكثير منهم بنفسها- إلا أن علاقتها المريضة بطهران ربما كانت الأسوأ بين علاقات الولايات المتحدة السيئة بالآخرين. بمعنى آخر، وحدها القاعدة والجماعات الإرهابية تأتي في المرتبة الأسوأ بالنسبة للأمريكيين، ولكن البعض يجادل بأن هذه العلاقة على وشك التغير لا لشيء إلا لأن الرئيس الأمريكي الجديد مقتنع بأن الدبلوماسية الناعمة وكاريزماه الشخصية تكفيان لتغيير الأمور، فهل ذلك ممكن؟

كان البعض يتوقع أن تتحول ولاية الرئيس باراك أوباما إلى مرحلة ضعف في السياسة الخارجية الأمريكية لأسباب عديدة، أهمها عزوفه عن لغة القوة والتهديد وتفضيله للسياسات البراجماتية، ولكن المؤشرات حتى الآن تدل على أن أوباما يزداد قوة ومكانة ليس عبر التهديد والوعيد بل عن طريق تقديم الاحترام للشعوب والقادة حيثما حل وارتحل.

خلال قمة العشرين خطف أوباما الأضواء بكارزميته، وزاد من رصيده اعترافه بدور بلاده في الأزمة وحاجة أمريكا إلى أوروبا والعالم من أجل تجاوز التباطؤ الرهيب في النمو العالمي ، وفي وقت كان الرئيس الفرنسي ساركوزي يهدد بمقاطعة اجتماعات القمة ما لم تحقق أهدافها، استطاعت الدبلوماسية الناعمة لأوباما في امتصاص الغضب الفرنسي، بل وتحشيد مئات الفرنسيين أمام قصر الإليزيه لتطبع شابة فرنسية قبلة على خد الرئيس الأسمر.

أما أبرز محطات الرئيس الجديد فكانت أمريكا اللاتينية، المنطقة التي أهملها الرئيس بيل كلينتون واستعداها الرئيس بوش الابن، حيث أعادت الزيارة الدماء في عروق العلاقات الأمريكية-اللاتينية، ففي صراحة وشفافية سحرت سكان القارة اللاتينية استطاع أوباما أن يقدم يد المصالحة إلى الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز، وأن يغازل الكوبيين عبر رفع جملة من القوانين الحاكمة لتنقل الأمريكيين من أصول كوبية، بل ذهب إلى أكثر من ذلك حينما تحدث عن مؤشرات حسن نية تخرج من هافان وكراكاس، وربما كانت البادرة الأكبر هي قبوله لكتاب "العروق المجروحة لأمريكا اللاتينية" لإدواردو جالينو –الكاتب اليساري المشهور- كهدية من الرئيس شافيز، على اعتبار أن الأخير هو من وصف الرئيس الأمريكي السابق بالشيطان، ولكن كما يقال العفو مكرمة.

ولكن ماذا عن الشرق الأوسط؟

الوضع أفضل من عام مضى، ويقر بعض المراقبين ببراجماتية أوباما المبكرة تجاه هذه المنطقة العصية على الفهم. حتى الآن اتخذ أوباما مواقف متوازنة لحد كبير، حيث أيدت إدارته عملية السلام، وشددت على المبادرة العربية، ورفضت مؤخراً شروط نتنياهو التعسفية المطالبة باعتراف الفلسطينيين بيهودية الدولة وحل المشكل الإيراني قبل الجلوس لمائدة المفاوضات. أما على صعيد الخط المناوئ للولايات المتحدة، فقد خففت إدارة أوباما من لهجتها تجاه هذه الدول، بل ودعت كما في الحالة الإيرانية إلى حوار مفتوح ومباشر مع النظام الإيراني، مما أحدث إرباكاً لدى الجانب الإيراني كما لاحظ عدد من المراقبين.

ربما كانت سياسات أوباما مثيرة للغاية في الداخل الأمريكي، ومتابعوا برامج الأحد السياسية يدركون حجم الامتعاض الذي يبديه جمهوريون بل وديموقراطيون ضد سياسة أوباما الانفتاحية، أو المتهورة كما وصفها البعض. طبعاً، إدارة أوباما تراهن على نجاح هذه السياسة، وإذا كنت من قراء كتب العلاقات الدولية، فإن الأوباماويين يأملون أن تشّرع سياسات أوباما مبدأ جديدا في السياسة الخارجية الأمريكية، كمبادئ نيلسون أو روزفليت وآخرين حتى يفسح لرئيسهم مكان بين صفحات التاريخ، وعلى الرغم من أنه من السابق لأوانه الحكم على هذه السياسة إلا أنها أحدثت جدلاً بين الكثيرين، وبدأت بشكل خجول وبسيط في تخفيف حجم الاحتقان ضد أمريكا الذي تسببت به إدارة بوش خلال السنوات الثمان الماضية.

كثيرون طبعاً لا يرغبون في رؤية ذلك يحدث، لعل أبرزهم رواد الممانعة في المنطقة، ولعل الرئيس نجاد نجم الممانعة منذ أربعة أعوام أول المتضررين من سياسات أوباما، فعلى الصعيد الداخلي لا يبدو خطاب نجاد المعارض للانفتاح على الغرب جذابا بعد العام الاقتصادي العصيب الذي مرت به طهران، ثم إن خطاب أوباما المباشر ورسائله عبر اليوتيوب بدأت تقلق الإيرانيين إلى الحد الذي دفع المرشد علي خامنيء للتصدي مباشرة لرسائل أوباما في تقليد غير اعتيادي مما يعني أن هناك صعوبة في إيصال رسائل نجاد. ربما ليس هذا وحده ما يقلق الرئيس، فالأمر في الداخل يمكن تدبره، ولكن ما يزعج نجاد حقا، أن يرى الرئيس أوباما يرحب به ويربت على كتفه من قبل أصدقائه اللاتينيين الذين بالغ في مغازلتهم وهاهم اليوم يهرعون للتقرب من أوباما.

مؤخراً، أفسد الرئيس نجاد واحداً من أهم المؤتمرات العالمية –وهو مؤتمر التمييز العنصري- فبدل أن يكون المؤتمر مخصصاً لتصحيح سياسات الدول تجاه مرض العنصرية، انتهى بمغادرة الأوربيين احتجاجاً على تصريحات الرئيس نجاد، ورغم أن الأمين العام للأمم المتحدة بذل جهودا جبارة محاولا اعتبار التمييز ضد الإسلام والمسلمين أمراً عنصرياً، آثر الرئيس الإيراني أن يختطف الأضواء وأن يعيد ذات الحكاية المكررة لنفى المحرقة اليهودية. تأملوا، بدل أن يفسح الإيرانيون المجال للمؤتمر حتى يمكن تأصيل مشروع عظيم آثر الإيرانيون استعراض خطابهم الشعاراتي الذي يدعي الدفاع عن حقوق الفلسطينيين، فيما يقومون إقليميا بالإساءة للدول التي رعت حقا مشروع الدولة الفلسطينية، ووصلنا إلى الحال الذي معه يدعي السيد حسن نصر الله الحق في أن يملي على المصريين شروط وطنيتهم. أنانية للأسف، فالرئيس نجاد يريد إعطاء دروس عن العنصرية للآخرين فيما لا يبعث سجل الثورة في هذا المجال، أو ممارسات المنظمات التابعة لها كحزب الله وغيرها أي تميز في هذا المجال. وفيما تهجم ناشطون عليه بالصراخ وإلقاء الطماطم –تماما كما كانوا يفعلون مع الرئيس بوش الابن- غادر الأوربيون باستياء بعد أن تحول المؤتمر إلى منبر للتفريق بدل التقريب بين الدول.

هذا لا يعني أن الأمريكيين يربحون وأن الإيرانيين يخسرون، ولكن ثمة جو من التغيير يشهده العالم وحظ الإيرانيين فيه قليل. أما بالنسبة لأوباما، فإن إدارته قد لا تكون قادرة على حل مشكلات العالم أو تصحيح الأخطاء الأمريكية بين ليلة وضحاها، ولكن سياسة الدبلوماسية الناعمة قد بدأت في تغيير المزاج العالمي تجاه الرئيس الجديد أكثر منه تجاه الولايات المتحدة، وهي حالة قد تؤيد طروحات علماء سياسة ك جوزيف ناي الابن و آخرين ممن راهنوا على قدرة هذا النوع من السياسات على تغيير موازين القوى. ولكن مهلاً، فتغير المزاج العالمي أمر مؤقت، فما لم تتبعه سياسات عملية على الأرض لتغيير الأوضاع، فإن المزاج سريع العصب خاصة في جو الشرق الساخن.

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 8

  • 1
    (((لن يكون أوباما جذابا دون نصرة المظلومين في فلسطين المحتلة على الظالمين الصهاينة))).

    علي الرضي - زائر

    07:29 صباحاً 2009/04/22


  • 2
    منطقة الخليج واقعة بين الفكين الفارسي والغربي من قرون سابقة الى الوقت الحاظر ونحن نتابع اخبارهم ونتخوف من قرارتهم وسواء النية وحسن النية ليست كافية للعيش بمنطقة الخليج النفطية ومهما تغيرت الوجية المسرحية يبقى السيناريو السياسي للدول الطامعة واحد ولايوجد اي مخرج للمنطقة سوى بزيادة التعداد السكاني والمشاريع الصناعية في جو الشرق الساخن

    khalid - زائر

    07:38 صباحاً 2009/04/22


  • 3
    إيران واجهة إدارة بوش اليمينية طوال ثماني سنوات من التهديد والحشود العسكرية ولم تركع بل مرغت أنف أمريكا في العراق وأفغانستان وأجبرتها على أنتهاج سياسة المفاوضات معها بدلاً من لغة التهديد، من لم ينهزم أمام الجبروت العسكري هل سينهزم أمام رسائل اليوتيوب ( الحمدلله الذي رد كيده إلى الوسوسة ) الرئيس الحالي لا يختلف عن سابقه كثيراً فأمريكا لا يحكمها شخص ما حدث أنهم أجبروا على تغيير القفازات فقط بمن يحب أن يظهر بمظهر رجل السلام والحوار في العالم مع أن جحافله لا زالت تعيث الفساد في العراق وأفغانستان ي

    إنتفاض فارس السعدي - زائر

    08:23 صباحاً 2009/04/22


  • 4
    خطاب نجاد اغضب الصهاينة فقط.

    محمد احمد - زائر

    08:59 صباحاً 2009/04/22


  • 5
    لماذا لا يريد الأوروبيون سماع أي صوت آخر من باب حرية التعبير التي يتشدقون بالدفاع عنها حين يكون الأمر رسوم كاريكاتورية ضد خاتم المرسلين و لا يكون كذلك حين يكون الامر هولوكوست. لماذا يحاكم أي باحث أوروبي ( ليس إيرانيا ) عندما يبحث تاريخيا في الهولوكوست حتى وصل لفصل البعض عن الجامعات تعسفيا و غرامات مالية ؟

    ابو هادي - زائر

    09:17 صباحاً 2009/04/22


  • 6
    يا استاذ السياسة الامريكية خاضعة لاستراتيجيات وخطط مدروسة ومعدة وليست خاضعة لمزاج هذا الرئيس او ذاك.الكريزما والبراجماتية في شخصبة اوباما لا تعني شيئا مالم يتبعها تغيرات في السياسات والمواقف العملية. هل تستطيع يا استاذ ان تقول لي لماذا يقاطع اوباما مؤتمر العنصرية ؟ولماذا لم توقع امريكا على اتفاقية الحد من الانبعاث الحراري، وعلى منع استخدام الالغام ؟ولماذا الفيتو الامريكي ضد اي مشروع قرار ضد اسرائيل؟ لا نزال مخدوعين بالكريزما الشخصية واللغة الناعمة لاوباما وغيره ظانين ان ذلك يغني عنا شيئا.

    ابو عبد الله علي الغالب - زائر

    09:51 صباحاً 2009/04/22


  • 7
    لا نختلف على اختلافنا مع نجاد.
    ولكن ما قاله في المؤتمر عن عنصرية اسرائيل ,, كان يجب ان يقال عن طريق من هم اجدر بالدفاع عن مقدساتنا وامتنا واطفالنا في غزه ,, اين نحن ؟!

    سعيد الزهراني - زائر

    01:46 مساءً 2009/04/22


  • 8
    سؤال بسيط ؟ كيف افسد نجاد المؤتمر ؟ ليش ما تقول امريكا و ايطاليا و المانيا و ****هم اللي افسدوه ؟ اتحدى اي شخص يخطئ كلمة واحدة قالها نجاد في هذا المؤتمر ؟! كل كلامه حقيقي و صحيح.. و الشي الثاني اذا انت زعلان من نجاد و سياساته تذكر ان فساد امريكا و تدخلها في ايران سنة 1953 هو سبب رئيسي.. و اوباما لم يأت بجديد في خطابه مع ايران و كلنا نذكر خطاب امام اللأيباك حين قال : سأفعل كل ما في قدرتي حتى لا تحصل ايران على السلاح " يعني وين الفرق عن بوش ؟ في اللغة يعني ؟

    خالد - زائر

    03:54 مساءً 2009/04/22



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة