تبدو محاولات بناء وحدة وطنية، في لبنان وفلسطين والعراق والسودان والصومال وموريتانيا، وغيرها، كمن يحاول بناء بيت من «قش في قلب عاصفة»..! فهل لايزال الكلام عن الوحدة الوطنية، داخل إطار حدود الدولة، أو السلطة الوطنية، القائمة ممكناً؟ وما معنى تزايد محاولات استحضار روح الوحدة الوطنية، ورفع شعارها، في أكثر من بلد، في القارة العربية، وبشكل غير مسبوق، أولا يشي ذلك باستحالة استمرارية الدولة الوطنية ذاتها، في بلادنا؟
بعضهم يرى أن قيام الدولة القطرية، في المشرق العربي، تم بناء على هزيمة تاريخية مزدوجة، وفي اللحظة التاريخية ذاتها، وذلك عبر هزيمة آخر امبراطورية إسلامية من جهة، وهزيمة مشروع الدولة القومية العربية الحديثة، في المشرق، على الأقل. فكأن الماضي والمستقبل اجتمعا معاً، في لحظة تاريخية واحدة، وتمت هزيمتهما وإجهاضهما بضربة واحدة. وبعضهم هذا يرى أن لحظة الهزيمة التاريخية تلك هي «الحدث المؤسس» للدولة الوطنية في المشرق العربي، وللدولة العبرية أيضاً. وهو ما لم تفلت منه الدولة الوطنية، عبر تاريخها الطويل، ولاتزال تعاني من وطأة ذلك الحدث المؤسس.
وقد أُريد للاستقلال الوطني، فيما بعد الحرب العالمية الثانية، أن يرتفع إلى مستوى حدث تاريخي مؤسس ثان، يحرر الدولة الوطنية من تركة الحدث المؤسس الأول. وبالفعل، فقد اكتسبت الدولة القطرية، طابعها الوطني، من فترة الكفاح لنيل الاستقلال، إلا أنه لم يكسبها مما انتقص من سيادتها، ومن شرعيتها التاريخية.
أما اليوم، فإن الدولة الوطنية، ومنذ نهاية السبعينات، حاولت الاستناد إلى ما سمي ب «الواقعية السياسية»، القائمة على إحياء الوعي الوطني والقطري، والتسامح مع التاريخ. أي تجريد الدولة الوطنية من لحظتها المستقبلية (الطامحة) الجماعية، من حيث كون الدولة القطرية هي مرحلة انتقالية مؤقتة، نحو بناء الدولة العربية الواحدة الحديثة. وهذا ما قاد لاحقاً - وخصوصاً في السنوات الأخيرة، وتحت أسماء مختلفة - إلى بداية تفسخ الدولة الوطنية وتحللها، كوحدة سياسية متماسكة.
وبقليل من التأمل الهادئ، يمكن رؤية أن ما يجري اليوم، وفي كل بلد عربي، هو معركة حقيقية، بأشكال ووسائل مختلفة، حول كيفية إعادة تجديد الدولة الوطنية، أو ترميمها. إذ إن حدود «سايكس بيكو» لم تكن يوماً مجرد خريطة، ولم تكن حدوداً جغرافية، بقدر ما كانت منطقاً مادياً منتجاً، لآلة تاريخية مادية، اسمها «الدولة الوطنية» أو القطرية، وتوأمها التاريخي الدولة العبرية. بمعنى، أن الدولة الوطنية هي الخلية التاريخية المادية، التي يعاد بواسطتها إنتاج العنف الداخلي والخارجي الأصيل، الذي أسس له «سايكس – بيكو».
وبهذا المعنى، يصبح من الخطأ اعتبار «سايكس – بيكو» على أنه حدث تاريخي ينتمي إلى الماضي، فهو، بجوهره، حدث تاريخي مستمر، والدولة الوطنية ذاتها هي خليته السياسية، التي تعيد إنتاجه من الداخل. فحدودها ليست حدوداً «جيوسياسية» خارجية، بل حدود سياسية داخلية. وتلك الحدود ليست مقدسة إلا حينما يجري اختراقها من الداخل العربي، أما خارجياً، فهي مباحة أمام الإسرائيليين والأميركيين والأوروبيين.
وفي هذا الحقل المفخخ، للدولة الوطنية، والواقع في الوقت ذاته تحت الحصار، أي مصير يمكن انتظاره لدولنا الوطنية؟. فواقع العراق اليوم هو فضيحة تاريخية، للدولة الوطنية العربية، كتكوين تاريخي. ولبنان، الذي يشكل النقطة الفجوة، صار، كدولة وطنية، حقلاً مكشوفاً، لكل انواع التدخل الدولي المعولم، في أشكاله الاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية. وفلسطين اليوم، تمارس السلطة فيها كل أشكال الاستقلال والسيادة، وكأنها دولة ناجزة، على الرغم من كونها لاتزال مشروعاً قيد الدرس، وتحت الوصاية الدولية والاحتلال الإسرائيلي المباشر!! وكأن ما سبق يشكل «لحظة كاشفة»، بأن هذا هو المقصود تماماً بالدولة الوطنية المستقلة في بلادنا..!.
ومن ملامح تلك اللحظة الكاشفة ما يراد تعميم قبوله، والتعايش معه، بأننا أمام سيادة دولية امبراطورية، ما فوق قومية، تخترق حدود الدول الوطنية، وتفجر حقلها السياسي من الداخلي. والخطير في الأمر، أن هذا الاختراق الضاغط يتزامن ويتفاعل مع تحلل الدولة الوطنية من الأسفل، إلى عناصرها الأولية المكونة لها، من مجموعات طائفية، واثنية وعرقية، تتناحر فيما بينها على تقاسم آلة الدولة الوطنية المتخلعة..؟!.
1
المكاشفة الحقيقية تصدع الرؤوس كما تعمل سايس بيكو على تصديع الوطن العربي بتكوين خلايا معزولة يعصف باستمرار بكل منها تناحر عناصرها.
ولن تجد علاجا يصدع بسايس بيكو افضل من قوله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم " فاصدع بما تؤمر واعرض عن المشركين",
فالله سبحانه هو الذي يرسل العواصف وجعل لذلك اسبابا
فتعصف من الحق على الباطل
ومن المرتفعات على المنخفضات الهوائية
فتدمر كل شيء اتت عليه بأذن ربها
والله المستعان
راكان ابو حثلين - زائر
04:06 مساءً 2009/04/22