مرت ثماني سنوات منذ أن أطلق مسعود أمر الله مشروعه السينمائي الجبار في قلب صحراء ليس بينها وبين الفنون علاقة ود، فأثمر إصراره عن نبتة سينمائية خليجية جميلة ترعاها مدينة دبي وتبذل من أجلها الكثير، وهي مهرجان الخليج السينمائي الذي اختتم أمس فعاليات دورته الثانية وسط أجواء من التفاؤل بمستقبل مشرق لهذه السينما الفتية.
بعد ثماني سنوات من المتابعة، وبعد مشاهدة الكثير من أفلام الشباب، أستطيع الإشارة إلى لحظات بلغت فيها السينما الخليجية مرتبة الكمال الفني أو اقتربت منه، وهي لحظات قليلة، تأتي فجأة على يد مخرجين محددين تمكنوا من تجاوز الظروف الإنتاجية الصعبة واحترموا مفاهيم الفن فصنعوا أفلاماً جيدة في لغتها التعبيرية ومتقنة إلى حد ما في نواحيها التقنية. أقول قليلة لأن الذي يغلب على الأفلام الخليجية، بل على الفن الخليجي بعامته، روح الهواية والارتجال سواء في سرد القصة أو التصوير أو التمثيل السيئ.
أهم هذه اللحظات المشرقة تمثلت في الفيلم الوثائقي (فقدان أحمد) للمخرج الكويتي عبدالله بوشهري الذي تجاوز به ظروف الواقع وأوصل السينما الخليجية الشابة إلى أعلى مستوياتها، وأقصد بالمستوى العالي أن تصنع فيلماً طويلاً يمكن عرضه في أي مكان في العالم دون أن يدرك أحد أن من يقف خلفه ليس إلا شاب مبتدئ وبميزانية متواضعة من حسابه الخاص. كان فيلماً وثائقياً كاملاً ومتقناً يصور بشاعة استغلال الأمريكيين للوضع المأساوي في العراق.
على المستوى المحلي هناك فيلم (مطر) للمخرج عبدالله آل عياف والذي أراه العمل السعودي الوحيد الذي استطاع أن يتحكم في الصورة وأن يطوعها تطويعاً كاملاً كما لو كانت لوحة بيضاء يرسم فيها المخرج حكايته. كل الأعمال السعودية، بما فيها الأعمال الدرامية الكبيرة، لا تهتم بمكونات الصورة المحيطة بالشخصيات، فما يتم تصويره يتم عرضه على الناس بنفس الكيفية دون تدخل من صانع العمل في ألوان الصورة أو تحسين لمكوناتها، وقد لا ألومهم في ذلك، لأن التحكم في الموقع وبالذات الخارجي صعب، حتى على مستوى السينما الأمريكية التي تجاوزت هذه المعضلة بأن صممت استوديوهات ضخمة تبني فيها كل المواقع التي تريد. المستحيل بالنسبة لعبدالله آل عياف أنه صور فيلمه في الشارع ومع ذلك استطاع التحكم في صورته ومنحها بعداً تعبيرياً لم أشاهده في أي عمل سعودي حتى الآن، وكأنه غرس أصابعه في داخل الفيلم وأخذ يشكّل الصورة على هواه.
فيلم (بعيداً عن أنظار الكاميرا) للمخرج والممثل نايف فايز احتوى هو الآخر على لحظة مشرقة لا أدري إن كانت مقصودة أن تظهر بهذا الجمال أم أنها وليدة الصدفة، أعني بها ذلك المشهد الذي يتواجه فيه الأخوان بشراسة ترتفع حدتها وتنخفض بناء على بعد الكاميرا عن كل شخصية. هنا نلمس إتقاناً وتوازناً مدهشاً بين لحظة انقلاب شعور الشخصية وبعد الكاميرا عنها، وكل ذلك بلقطة واحدة طويلة.
هذه اللحظات الثلاث هي التي وقفتُ أمامها طويلاً، وأدهشني فيها مستوى الكمال الذي وصلته، والذي أتمنى أن يكون مدروساً ونتيجة الوعي لا الصدفة. وبالطبع هناك لحظات أخرى لا تقل قيمة، برزت في أفلام الإماراتيين نواف الجناحي وعبدالله حسن أحمد والبحريني محمد راشد بو علي والكويتي المجنون مقداد الكوت وفيلم (تحت الشمس) لعلي مصطفى.