} كشفت الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة بما لا يقبل أي التباس عن هشاشة البنية السياسية الداخلية لإسرائيل؛ فالحزب التاريخي الذي أسس الدولة العبرية، وهو حزب العمل، تراجع إلى المرتبة الرابعة في الانتخابات، وبات في الواقع واحداً من الأحزاب الإسرائيلية الصغيرة التي ليس لكل منها في الكنيست سوى بضعة نواب لا حول لهم، منفردين، ولا طول. أما الأحزاب الثلاثة التي تقدمت عليه فإن مبادئها وشعاراتها قائمة على ثالوث لا انفصام بين أقانيمه، هو الخوف والتخوف والتخويف. وهو ثالوث يفعل فعله المدمر في نفوس الإسرائيليين، ويدفعهم بوعي منهم أو بدون وعي إلى اختيار متطرفين أو مغامرين لتمثيلهم تحت قبة البرلمان. وليس «ليبرمان» زعيم «إسرائيل بيتنا»، والنجم الصاعد في الحياة السياسية الإسرائيلية، سوى رمز لهؤلاء المتطرفين والمغامرين الذين نقروا وينقرون على وتر الخوف والضعف المركوزين أصلاً في الذات الإسرائيلية الشاعرة على الدوام بخطر محدق لا دواء شاف له، ولا قدرة لأحد على استئصال أسبابه.
ومن الصعب أن يطلق المحلل عبارة «اليمين» على الفائزين في هذه الانتخابات. فاليمين، كما اليسار في الحياة السياسية في أي بلد، حالة صحية تفرزها ظروف البلد وتقلبات أمزجة الناخبين. أما ما يُطلق عليه اليمين الإسرائيلي فهو مزيج من التدين المرضي والتخلف والاسطورة التي تتدثر بالدين أو بالماضي، في حين أنها اسطورة محضة. ولكن ما يُكسب هذه الأسطورة شرعيتها، هو تعامل المجتمع الدولي معها بوقار يقرب من الورع.
لقد نجح السياسي اليهودي لا في تخويف شعبه وحسب، بل في تخويف العالم كله بأن أي مس بأمن الدولة العبرية إنما هو مس بالنظام العالمي كله. واستناداً إلى مثل هذه النظرة باتت إسرائيل أيقونة مقدسة يتعين على الجميع تقديم فروض الولاء والطاعة لها. أليس القانون الوضعي السائد في أوروبا والغرب بوجه عام، والذي يحظر على أي كان البحث في «المحرقة» ومناقشتها والتعرض لتاريخيتها، وقعت أم لم تقع وفي أية حدود، هو نموذج لمثل هذه النظرة التقديسية لكل ما يتصل باليهود واليهودية من قريب أو بعيد؟ أليس في تعامل الدول الكبرى والصغرى مع إسرائيل على أنها إحدى حقائق العالم الحديث، ما يشي بقدرة خارقة أمّنت لإسرائيل مركزاً فذاً استثنائياً في خريطة العالم؟
بلا شك تعتبر إسرائيل إحدى أقوى الدول لا في منطقتنا وحسب، بل في العالم كله. فهي دولة من دول «الفيتو» دون أن ينص أي قانون على ذلك. لقد أعطاها «التقليد» أو «العرف» هذا الامتياز. إن بإمكانها - على سبيل المثال - أن تعصي أي قرار صادر عن أعلى هيئة دولية دون أن تخضع لاحقاً لأية مساءلة، في حين أن المساءلة يمكن أن تلحق بأية دولة أخرى، وإلى درجة تجييش الجيوش لوضع هذه المساءلة موضع التنفيذ. أما إسرائيل فإنها لا تلتفت أصلاً إلى قرار يدينها أو لا يعجبها. وكثيراً ما أدانت هي وعاقبت من سعى لإصدار قرار أدانها.
فبيدها إذن، وهي الدولة الصغيرة المشكوك أصلاً بشرعيتها في المنطقة التي تقيم فيها، مفاتيح قد لا تكون بيد أحد. وإذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية، باعتراف الجميع، أقوى دولة اليوم على سطح المعمورة، فإن هذه الدولة في واقع أمرها ولاية إسرائيلية. وحتى عندما نقرر العكس، ونعتبر إسرائيل مجرد ولاية أمريكية غير منظورة، فإن النتيجة تبقى هي هي. فكلمة إسرائيل في العالم كلمة نافذة إلى أن يثبت العكس. هذا إذا نفذ هذا العكس يوماً!
وإذا كانت بنية إسرائيل السياسية الداخلية بنية هشة قائمة على قبلية وعشائرية حديثة،فإن إسرائيل تستغل هذه الهشاشة في بنيتها بدلاً من تقويتها وزيادة المنعة الداخلية فيها. إنها تقول للعالم إنها مؤلفة من جماعات مضطربة خائفة عانت أيما معاناة لا من «الهولوكوست» وحدها، بل من مذابح بلا حصر. ولذلك فإنها لا تطلب سوى الأمن والأمان في منطقة تعيش بنظرها على الإرهاب والتطرف. ولأن المجتمع الدولي يقدس في جملة ما يقدّسه فكرة «حماية الظواهر الانقراضية»، فإن إسرائيل تقدم نفسها للعالم على أنها إحدى الظواهر المهددة بالانقراض. هنا ينبري هذا المجتمع لتقديم العون والحماية، بلا حدود، لهذه الدولة ويُهمل، عن عمد أو عن غير عمد، شعوباً أخرى تهددها إسرائيل بالانقراض في طليعتها الشعب الفلسطيني منذ ستين عاماً إلى اليوم مقيماً في المخيمات في غزة والضفة والأردن وسورية ولبنان، ويعيش برعاية منظمة الأونروا ومساعداتها. ولو أن الأمر غير ذلك لتحقق للفلسطينيين حلمهم المستحيل أو المتعثر دائماً على الأقل بإقامة دولة أو دويلة خاصة بهم منزوعة السلاح تعيش إلى جوار دولة إسرائيل. لقد تعثر هذا الحلم على الدوام ويتعثر اليوم بصورة خاصة. ألا يعلن نتنياهو قبل وبعد فوز حزبه أن القدس ستظل يهودية إلى الأبد، ومعها السامرة، أي الضفة الغربية بلغته، وكذلك الجولان؟ أليس كل ما ظفر به الفلسطينيون هو وعدَهُ لهم بتحسين ظروفهم الاقتصادية من أجل أن ينبذوا العنف؟
تجمع إسرائيل الصفتين معاً: إنها إحدى أقوى الدول في عالم اليوم، وأضعفها معاً. ولكن ضعفها يهبها قوة، وهي تسوّقه لتجلب هذه القوة.