الرئيسية > الأخــيــرة

ضوء صحفي

أنا الطفل .. أنا المرأة.. أنا الإنسان


ممدوح المهيني

لماذا نشعر بالألم ووخز الضمير إذا ما تعاملنا بفظاظة مع الآخرين؟! على الأرجح أننا نفعل ذلك لأننا نشعر بألمهم الروحي وهذا ما يدفع بعضنا للاعتذار. إنه ذات التشنج الذي سيصيب روحك فيما لو تعرضت للإهانة أو الظلم أو حتى السخرية منك. إن ما نقوم به هو أمر هام وصحي وهو الإحساس بمشاعر الآخرين وتقمص أرواحهم وعواطفهم.

هذه الآلية النفسية رائعة جداً ولكننا للأسف لا نستخدمها كثيراً بطريقة واعية ولكن كردة فعل طبيعية يتعذب فيها الضمير حتى يدفعنا للتصحيح والاعتذار أو يتم الجلد حتى تخف أوجاعه وتختفي، وبالطبع هناك ربما من لا يشعر بأي وخز ضمير ناحية ظلمه واعتدائه على حقوق الآخرين (تذكروا فقط القصص الكثيرة عن عدم الوفاء بالدين أو عدم إعطاء العمال الأجانب مرتباتهم). تعاملنا مع التقمص العاطفي لمشاعر الآخرين يأتي ضعيفاً ومحدوداً ومشوهاً. أي أننا يمكن أن نشعر بالتعاطف على الطفل الذي يبكي بعد تعرضه للإهانة بعد أن نتقمص مشاعره المتألمة ولكن هذا التقمص يظل محدوداً بالقضية ذاتها، وهو يبكي كردة فعل على البكاء أكثر من الشعور العميق بآلامه، وهو في النهاية لن يمنعنا من إهانة الطفل مرة أخرى ودفعه للبكاء. تذكروا فقط المدرسين الذين يضربون الأولاد بدون شعور بالأذى الروحي الذي يتسبب لهم بذلك ويكررون الأمر مرات. صحيح قد يتعاطفون معهم ولكنه تعاطف وقتي وسطحي وليس دائماً وعميقاً.

وهذا ينطبق على مواقف كثيرة ومؤلمة جداً ولكن من خلال هذا الشعور الخفيف والمشوه من التقمص العاطفي فإننا نعيد الإهانة والأخطاء ذاتها في حق الآخرين. بالطبع أحياناً لا نشعر بأي تقمص عاطفي من أي نوع حتى لو كان مؤقتاً وكأننا نرى الآخرين أجساداً فقط بدون أرواح، وهذا يؤكد لنا هذه المشكلة ذاتها.

ولكن نقصان وسرعة أو اختفاء هذا التقمص العاطفي مفهوم لدينا. لأنه لم يترافق مع وعي مختلف يستوعبه ويوظفه للترقي بالشخص وإحساسه بإنسانية الآخرين وإيمانه بحرياتهم الطبيعية وخشيته من جرحهم أو التعدي عليهم. صحيح أن التقمص العاطفي يبدو في طبيعته كتصرف نفسي ولكنه ينطلق في الأصل من قناعة عقلية مترسخة هي التي تقويه وتعمقه وتجعله يقظاً باستمرار. فامتلاكك لقناعة راسخة بحريات الآخرين الدينية والعقلية وسواسيتهم العرقية وحقوق المرأة والأطفال واحترام القيم الإنسانية فإن أي شيء يتعدى على هذه القيم سيحفز آلية التقمص العاطفي التي تنطلق بسرعة العاطفي العقلاني القوي سيمنعك قبل ذلك من التعدي عليهم. إن هذا النوع من التقمص الرائع لعواطف الآخرين يجعلك تشعر بأن أي كلمة تعصب تجرحهم هي تجرحك أو كلمات عنصرية تهينهم هي تهينك، وأي شاب يتعرض للكبت والتضييق على أفكاره التحررية هو أنت، وأي فتاة تواجه اضطهاد شقيقها أو زوجها هي أنت. لهذا تشعر بقيمتهم فلا تتعدى عليها أو تعرف أنها غير موجودة فتعمل على تحقيقها، وتحارب من يتعدى أو يتهجم عليها وسيكون هذا أمر متبادل. أي بما أنني أتقمص روح هذا الشاب أو الفتاة فلا أسمح بمن يتعدى على حريتهم وإنسانيتهم وذات الشيء يفعلونه معي (لا أتحدث عن نفسي، أي أحد فينا). هذا الأمر سيجعل في النهاية المجتمع يشعر بآلام وأحزان وأوجاع بعضه، ومن هنا يمكن أن تصدر القوانين التي تمنح التعدي على حريات الأديان أو الفكر أو حقوق الإنسان، مثلما نرى في بعض الدول الأوروبية عندما يصبح انتهاك حقوق الآخرين جريمة يعاقب عليها القانون.

ولكن غياب مثل هذا التقمص العاطفي العقلاني بداخلنا يمثل سبباً أساسياً في الكثير من مشاكلنا الكبيرة. إن غياب التقمص العاطفي هو الذي يجعل المحرضين على التطرف والإرهاب يرسلون أولاد الآخرين إلى الموت في الوقت الذي يمنعون أولادهم. إنهم لا يتقمصون أرواح هؤلاء الأبرياء الذين تتفطر قلوبهم على أبنائهم لهذا يتعاملون معهم كمجرد أجساد بدون مشاعر، هذا تقمص بسيط ولكن لو كان لديهم تقمص عاطفي عقلاني إنساني أعلى فإنهم لن يساهموا بالتحريض من الأساس لأنهم سيعتبرونه عملاً إجرامياً يتسبب بقتل الأبرياء بدون سبب. ولكن يمكن القول إن التقمص العاطفي عنهم بات مشوهاً ومقلوباً وهذا الذي يجعلهم لا يتعاطفون أبداً مع المخالفين معنا دينياً ولا يشعرون بأدنى ذنب على قتلهم أو نحرهم بالسكاكين كالخراف. إنه لا يشعر بأنهم بشر لذا فلا داع لأن يتقمص أرواحهم ويحس بآلامهم. ولنتذكر أن هذا داء يصيب الجميع لدينا وفي العالم العربي والإسلامي بنسب متفاوتة تذكروا فقط الاحتفالات الفظيعة التي أقيمت بسبب تفجيرات 11 سبتمبر.

إن هذه الآلية الفكرية النفسية التي يمثلها التقمص العاطفي مرتبطة دائماً بالأفعال الخيرة والإنسانية التي تساهم في تطور الشعوب ورفعة أخلاقها. إذا شعرت للحظة واحدة بإنسانية شقيقتك الكاملة التي معك في البيت وتقمصت روحها التي تتقلص مع التضييق والحرمان والمراقبة التي ستؤذيك بنفس الدرجة لو مورست عليك، فإنك ستمنحها روحها وإنسانيتها وسعادتها. إذا آمنت للحظة واحدة بالفكرة الإنسانية الرائعة التي تقول إن البشر متساوون وتقمصت ذلك عاطفياً فإنك ستشعر بإهانة وهمجية الكلمات العنصرية التي تقال ولا تتفوه بها مطلقاً لأنك تعرف مدى بشاعتها فكرياً وضررها روحياً. إذا آمنت بحريات الآخرين الدينية وفكرة التسامح والحب فإنك ستجد نفسك في أرواح الآخرين وستشعر بألمهم واضطهادهم ولن تقوم بذلك مطلقاً لأنك لا تحب أن تشعر بألم أن يضطهدك أحد بدينك أو معتقدك الخاص. إن كل هذا سيساعدنا على أن نلتحم كمجتمع وندافع عن حريات وعواطف بعضنا وهذا هي ميزة الشعوب المتحضرة.

أشعر أنك أنت الطفل. الشاب/ الشابة والرجل والمرأة، أشعر بأنك الأجنبي وغير المسلم، أشعر بأنك الإنسان في أنقى صوره. وسيكون ذلك كفيلاً بأن نوقف طعن السكاكين المسمومة في أجساد بعضنا داخل البيت وداخل المجتمع وصوب الآخرين.

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 25

  • 1
    بيض الله وجهك
    وايضا هناك من المسلمين قتل على يد الامريكان وراينا فرح الامريكان بها ؟

    محمد - زائر

    04:54 صباحاً 2009/02/26


  • 2
    بإختصار... ياسيدي الفاضل انت العقل والقلب الكبير...بفكرك وقلمك الذي تميز بقوة الطرح والفريد من نوعه..
    (( المقال رائع بالطرح وبالصميم...))...مزيدآ من التميز.
    هناء/بنية السعودية

    هناء/بنية السعودية - زائر

    05:54 صباحاً 2009/02/26


  • 3
    رائع

    go on! - زائر

    06:07 صباحاً 2009/02/26


  • 4
    نعم صدقت
    هذي الطريقة التي يجب ان تتم عليها تعاملات الناس مع بعضهم
    قال عليه الصلاة والسلام (حب لأخيك ما تحب لنفسك )

    jojo - زائر

    07:58 صباحاً 2009/02/26


  • 5
    موضوع شيق

    سام - زائر

    08:20 صباحاً 2009/02/26


  • 6
    أحييك أخي ممدوح الحقيقه أني أتحين الفرص لأقرأ مقالاتك الرائعه وهذا ليس لأن إسمك ممدوح ولكن فكرك ايضا ممدوح...امنياتي لك بالتوفيق

    أبو أحمد - زائر

    08:42 صباحاً 2009/02/26


  • 7
    موضوعك اليوم... جميل والغريب ما فيه شي... يعور القلب.. وانت عارف وش اقصد ياممدوح... اقصد ما فيه غمز ولمز على الدين و لا عاداتنا ولا هيئتنا ولا ولا... ليييتك كل مرة كذا.
    اي والله... ليتك.. تتقمص مشاعرنا كسعودييين... وتترك عنك الكتابات الي تعور القلب.
    كذا تصير اكوس متقمص.. ولأنك ما تقمصت شخص واحد... بل شعب بكامله... راح تاخذ جائزة التقمص العالمية...
    الله يصلحنا واياك يارب

    مبتعث متضرر جدا - زائر

    10:01 صباحاً 2009/02/26


  • 8
    موضوع جميل أشكر الكاتب على طرحه
    ملاحظة لصاحب التعليق 4 جوجو :
    الحديث الصحيح هو قول الرسول صلى الله عليه وسلم ( لايؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه مايحب لنفسه ).

    الشيهانة - زائر

    10:57 صباحاً 2009/02/26


  • 9
    وسيكون ذلك كفيلاً بأن نوقف طعن السكاكين المسمومة في أجساد بعضنا داخل البيت وداخل المجتمع وصوب الآخرين
    --- كأننا مجرمين وغيرنا ملائكة هذه صورتنا عند البعض

    عبدالله ابو محمد - زائر

    11:04 صباحاً 2009/02/26


  • 10
    كلنا ضد الظلم اياً كان منبعه ومتلقيه.
    سااقول لك امراً عن تجربة طويلة عشتها في بلادهم.
    الأولوية عندهم للبكاء والعويل على قتلى اليهود, وأنهم مساكين ظلموا.
    تخيل أن بني جلدتهم ياتي بالمرتبة الثانية..ولعلك ترجع فقط لمقتل الناشطة/راشيل في إسرائيل وتنظر ردة الفعل المخزية والمعيبة لموتها(كنت هناك وقتها)
    اما أطفالنا القتلى.فلا بواكي لهم ابداً عندهم
    فهل لك أن تشرح لي لماذا تم أدلجة ((التقمص العاطفي)) بهذه التراتبية العنصرية البغيضة.. هل كان عليهم ان يرقصوا حتى يطالهم حبر نقدك؟

    حمد ال عبدالله - زائر

    11:51 صباحاً 2009/02/26


  • 11
    مقال اكثر من رائع
    اتمنى ان يكون مجتمعنا كله بهذا الحساسيه والحب ومراعاه المشاعر
    للأخ او الاخت الزوجه حتى من هم لايدينون بديننا
    ديننا حثنا على ذالك والاغرب اننا لانتبع الا مايريد هم لا ما يريد ديننا
    اشكرك استاذ على ماخطه قلمك المدمن للإبداع كما عهدناه
    تحياتي

    ريوف - زائر

    01:28 مساءً 2009/02/26


  • 12
    جميل أن يكون الإنسان إنساناً , لكن ماذا عن أعدائنا (خنازير البشر اليهود) ليتهم
    يطبقون هذه الأفكار النيرة والجميلة شكراً على هذه المقالة الإنسانية

    مراويح السحاب - زائر

    01:57 مساءً 2009/02/26


  • 13
    أحيي فيك هذا الحس الراقي أخي ممدوح

    تغريد - زائر

    02:42 مساءً 2009/02/26


  • 14
    يبدو ان الكاتب يعيش في عالم آخر أو أنه يتعامى أو التأثر الغربي أخذ لب قلبه
    ألا ترى ظلمهم في جميع البلاد الإسلامية
    ألا ترى ظلمهم وكذبهم وافترائهم للمسلمين الذين يعيشون معهم
    ألا ترى أنهم يتفننون في التعذيب في أبو غريب وفي قوانتاناموا وفي غيرها
    ألا ترى التهامات وافهانات للمسلمين وبالذات السعوديين وما حميدا والحمدان عنا ببعيد
    الأحداث كثيرة ولا أدري عن هذه الغفلة
    ليتك تطبق ما كتبت على نفسك وتشعر نفسك مسلم من الهيئة ومن العلماء والدعاة وسيكون ذلك كفيلا بإيقاف طعن السكاكين في بعضنا

    التميمي - زائر

    02:48 مساءً 2009/02/26


  • 15
    مقال رائع

    ghada - زائر

    03:11 مساءً 2009/02/26


  • 16
    مقالك يا استاذ ممدوح كان مشابهاً للنسمات المنعشة التي جادت بها علينا سماء الرياض هذا الخميس...
    أن تشعر بالآخرين كما تشعر بنفسك وأن تراجع أفعالك وأقوالك جميعها على هذا الأساس هو من أسمى ما يمكن أن نصل إليه كبشر حتى نستحق لقب "الإنسان"...
    لو أننا ابتدأنا حقيقة بتطبيق ما ذكرته لانحلت عقد اجتماعية كثيرة, كانت في الأساس مزيجاً مكوّماً من سوء فهم الآخرين, والأنانية, والكبت والتعصب...
    شكرا لأنك تكرس قلمك للإنسانية
    وشكرا لك لأنك تقمصت الآخرين المهمشين وكتبت نيابة عنهم

    سارة - زائر

    03:25 مساءً 2009/02/26


  • 17
    صح لسانك. صح لسانك

    wala - زائر

    03:26 مساءً 2009/02/26


  • 18
    تعليق 10:
    (ساقول لك امراً عن تجربة طويلة عشتها في بلادهم.
    الأولوية عندهم للبكاء والعويل على قتلى اليهود, وأنهم مساكين ظلموا.
    تخيل أن بني جلدتهم ياتي بالمرتبة الثانية..ولعلك ترجع فقط لمقتل الناشطة/راشيل في إسرائيل وتنظر ردة الفعل المخزية لموتها
    اما أطفالنا القتلى.فلا بواكي لهم ابداً عندهم
    فهل لك أن تشرح لي لماذا تم أدلجة ((التقمص العاطفي)) بهذه التراتبية العنصرية البغيضة.. هل كان عليهم ان يرقصوا حتى يطالهم حبر نقدك؟)
    كلامك صحيح ولكن البعض منا يعيش في خيال ورومانسية ومثالية وبعد عن الواقع

    المراقب - زائر

    03:27 مساءً 2009/02/26


  • 19
    رائع رائع رائع
    سلمت يداك

    تركي الغامدي - زائر

    03:55 مساءً 2009/02/26


  • 20
    موضوع جدا رائع وفي وقته خلاص البشر ماعاد تحس مااتت ضمايرهم
    الا من رحم ربي ولا يوجد اخطر من اليهود على البشريه فيه يستمتعون بقتل الاطفال والنساء والعجايز

    زعفرانه - زائر

    04:40 مساءً 2009/02/26


  • عرض جميع التعليقات

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة