الرئيسية > ثقافة الخميس

لمحات

الرواية هل لا زالت هناك؟


سعد الحميدين

في الفعل الروائي تحضر دائما الإشارة إلى القدرات التي تمكِّن هذا الفعل من المثول بقوة على واجهة المسرح الثقافي العام لكي ينبئ عن تفاعله مع المتغيرات الحياتية التي هي في تحرك أبدي بفعل المتطلبات التي يمليها الواقع بمستجداته الحتمية التي لا يمكن نكرانها أو الوقوف في وجهها مهما كان الفعل المضاد، لأنها هي التي تحدو إلى التجاوز والتخطي لمواصلة السير قدما والتوسع في الدائرة الحياتية التي تتسع أبدا تبعا للطبيعة البشرية في النبش والكشف عن مكنونات الحياة واسرارها التي تتكشف بالعمل الدؤوب الذي يميز الإنسان الباحث عن معنى في شتى المجالات الملاصقة لكيانه كانسان يعمل من أجل أن يبرهن على وجوده.

قد يُرى من منظور مؤطر ان العمل الروائي هو في مكوناته حكي متخيل لا صلة له بالواقع الحتمي وهذا فيه جزء من الحقيقة ولكن في واقع الأمر أن العمل الروائي هو شان كل عمل منتج-(كرأي د. علي حرب- في أحد مجالات الثقافة إنما يتغذى بثقافته من بقية التجارب والخبرات بقدر ما يفيد من بقية الحقول والميادين المعرفية والعلمية أوالأدبية والجمالية.،لكون العمل الروائي المبتكر يصدر عن فكر حي وخلاق شأنه شأن أي عمل مبتكر ولذا قد يلهم العمل الروائي العلماء والفلاسفة.

ففعل الخلق الروائي لايجيء اعتباطا ولكنه نتيجة فكر متفاعل مع الحياة المتراكمة في احتقان ذاتي لدى الروائي الذي يكون قد خبر اساسات عمله قبل أن يقدمه في إطاره المتكامل معلنا عن ذاته من خلال العمل عن الآخر الحاضر في جوانية الفعل المفعّل بالاحاطة الشاملة به بفعل الثقافة التي يمتلكها في مجالات الحياة العامة منها المكتسب تجربة وتؤازرها بشكل قوي المعرفية بالاطلاع والمتابعة للمنتج العالمي في مجالات عديدة تندرج في إطار الثقافة العامة عبر وسائلها العديدة في الوقت الراهن منها المنظور والمقروء والمسموع وكذلك المعاش حسب المحيط المجتمعي والعملي يغلفه حتما تجريب/اكتساب، فتكون فيها من سمات السيرة الذاتية ملامح تشير اليها بشكل بعيد عن المباشرة لكون الرواية هي فعل ممتص من تجربة معاشة من قبل فاعلها والمنتج لها لأنها بهذه السمة تكون متقاربة مع الواقع / الخيال ، وفي حقيقتها هي تتكئ على رؤى وأماني إنسانية تتفاعل في عقل الروائي الذي ساقها في المسار الذي يرى أنه يستطيع أن يوصلها به إلى فناء الساحة المنتظر فيها المتلقي لأخذ نصيبه مما تحويه من إبداع يشد إلى فعل التواصل بين المعطي والمتلقي في عملية التفاعل المشترك بين الطرفين مما يوحي للآخر بأن الكاتب يتحدث عن نفسه بإسقاطات قد تؤكد على ذلك ، وهذا مايحسب للروائي القادر من صدق العمل فنيا ، إذ استطاع بفعل القدرة على القرب والتماثل مع الواقع ، وهنا تكمن روعة العمل.

وهذا قد تمثل في رواية (رحيل اليمامة) للدكتور إبراهيم الخضير التي جاءت كجزء ثان من روايته الأولى (عودة الى الأيام الاولى) أو هكذا اعتبرتها لأنها بالرغم من الاختلاف بين الموضوعين في كلا الروايتين إلا أن هناك مايؤكد الخيط الرفيع الرابط بينهما (الروايتين) وهو يتمثل في شخصية الراوي وهو في حقيقته المؤلف بحكم حضوره الموجه لدفة الأحداث بما يشكل القدرة التي تمكّن بواسطها جر القارئ إلى دائرته المتسعة في التحليل والتعمق في شخصيات وأحداث الرواية من السطر الأول إلى السطر الأخير ، وهذا يحسب له كمبدع استطاع أن يضيف على دائرته السعة في استشراف العمل الفني عبر وسيلته الفنية الراقية من حيث التكثيف في الأحداث وحصر الشخصيات لكي يكون المتلقي على معرفة صافية غير مشوشة بدور كل شخصية من شخوص الرواية ..

وقد كانت الأحاسيس والمشاعر التي تنتاب كل شخصية تشي بواقع معاش ولو أنه متخيل لقرب الكاتب من واقع الحياة العملية التي يشغلها بحيث استفاد من مُعاشه في تركيب متخيّله مما مكنه من اضافة عمل جديد متميز في طريقه إلى انتاج اعمال أخرى تكون امتدادا لمسيرته الإبداعية التي اختارها إلى جانب عمله في الطب النفسي مثله مثل الكتّاب الأطباء يوسف ادريس ومصطفى محمود وابراهيم ناجي وعبدالله مناع وعصام خوقير وغيرهم كثير .. ولست في محل الإحصاء لهم ، ففي روايته الكثير من التصوير القادر على جعل القارئ يتفاعل مع الحدث في تلهف لمعرفة ملابساته ونتائجه مما يؤكد قدرة الكاتب على الإحاطة بمنجزه ومعرفة ابعاده قبل الشروع في طرحه ، وهذا ما يحتاج إلى وعد بالعودة غير المحددة وقتاً لمعاودة الكتابة عن رواية (رحيل اليمامة) مرة أخرى ، لأن هناك من يقول إنه وبالرغم من هذا الكم الهائل من الروايات التي تصافح أعيننا بين فينة وأخرى فإنه لارواية لدينا حتى الآن فهل مايذهبون إليه صحيحاً؟

سيبقى السؤال معلقا : هل الرواية لا زالت هناك؟

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة