من المحللين من يرى أن رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان ما كان لينتفض بوجه رئيس الدولة العبرية في ملتقى دافوس لو لم يكن واثقا أن الشارع التركي بأكثريته الساحقة يقف إلى جانبه ويمحضه ثقته. فقد أكد هذا الشارع في السنوات والأشهر والأيام الأخيرة إيمانه العميق بالإسلام، وحرصه على التجاوب مع القضايا المحقة في المنطقة وفي طليعتها قضية فلسطين. «كلنا فلسطينيون» كانت واحدة من اليافطات التي رفعها المتظاهرون الذين ساروا بالملايين في شوارع اسطنبول وأنقرة وأزمير وسواها من المدن التركية لنصرة غزة خلال العدوان الإسرائيلي الأخير عليها بل إن من شاهد تلك التظاهرات المليونية على شاشات الفضائيات شُبّه له للوهلة الأولى أنها مظاهرات حصلت في هذه العاصمة العربية أو تلك نظراً لحرارة العاطفة التي فاضت منها، ولكنه عندما كان يستمع إلى الهتافات لفلسطين باللسان التركي، أو يقرأ اليافطات الفلسطينية باللغة التركية، كان يتأكد أن المصدر تركي لا عربي.
والواقع أن تركيا رجب طيب أردوغان قد تغيرت تغييراً كبيراً في وقتنا الراهن، فصحيح أن فيها الكثير من ملامح المجتمعات الغربية، إلا أنها شرقية واسلامية بما فيه الكفاية. بل إن إسلامها كما يقول شكيب ارسلان في كتابه «حاضر العالم الإسلامي» من القوة والمتانة بحيث يمكن للجبال أن تزول، ولا يزول هو وحتى في زمن الحقبة الكمالية التي رفعت شعار العلمانية، كان الإسلام التركي حياً نابضاً لا في زوايا وتكايا، التصوف الإسلامي في بر الأناضول وحسب، بل في كل مكان تركي أو في قلب كل تركي. فالإسلام هو الذي أعز الأتراك وأوصل راياتهم إلى مشارف مدينة فيينا، والأتراك هم الذين نشروا الإسلام في بلغاريا ورومانيا وبلاد البوسنة والهرسك وألبانيا، والذين أتيح لهم أن يزوروا متاحف بلغراد ويشاهدوا اللوحات التشكيلية المعلقة فيها حول الحروب التي خاضها الصرب وغير الصرب بوجه الجيوش العثمانية الزاحفة، خيّل اليهم ان اعظم الحروب التي خاضها المسلمون بوجه الفرنجة لم تكن الحروب الصليبية بل هذه الحروب التي خاضتها الدولة العثمانية بالذات. فهناك اذن علاقة عضوية بين الترك والإسلام، ولدرجة القول إن تاريخ تركيا في الإسلام هو تاريخ من المجد والفخار. بل هو تاريخ يأتي بعد التاريخ العربي الإسلامي مباشرة.
على أن لطمة أردوغان لبيريس في ملتقى دافوس كانت وراءها أسباب كثيرة ليس إرضاء الشارع التركي سوى واحد منها لا أكثر.. فتركيا وإن كانت تسعى سعياً حثيثاً للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، لا تستطيع أن تنسى هويتها الحقيقية كدولة إسلامية تقع في قلب منطقة الشرق الأوسط.. وهي منطقة تغلي منذ سنوات بشتى المشاكل، وتنذر بأخطر العواقب.. وفلسطين لا تشكل في واقع الأمر سوى واحدة من هذه المشاكل المستعصية على الحل، والتي يضغط الشارع التركي على حكومته لإيجاد حل عادل لها.. وهناك أىضاً إيران ومطامعها في المنطقة العربية وقدرتها على الوصول إلى البحر الأبيض المتوسط سواء عبر بوابة غزة أو عبر البوابة اللبنانية وإيران لها حدودها الطبيعية مع تركيا، ولها حدودها غير الطبيعية معها أىضاً عبر دول أخرى من دول المنطقة.. لذلك لا يسع الأتراك أن يديروا ظهرهم لشؤون المنطقة وأن يعتبروا ان الخير كل الخير في قبولهم في النادي الأوروبي فقط لا غير.. فقد أنشأوا ذات يوم امبراطورية كان العرب كما كانت المنطقة برمتها تقريباً، جزءاً جوهرياً منها.. وقد استمر الأتراك في المنطقة العربية حوالي أربعمائة سنة كان الفرس خلالها معزولين داخل ترابهم الوطني، وكثيراً ما قامت حروب بينهم وبين الترك.. فهناك إذن أسباب عديدة تدفع بالحاكم التركي إلى الاهتمام بشؤون المنطقة، والسعي لوضع حلول عادلة لها انطلاقاً أولاً من مصالح تركيا الاستراتيجية قبل سواها.
ولكن هذا الاهتمام التركي بقضايا المنطقة جدير بأن يقابله العرب بالترحيب فتركيا اليوم قوة اقتصادية وسياسية وعسكرية كبرى في العالم المعاصر.. وهي تختلف عن ايران في كونها لا تحمل معها لا رغبة بالسيطرة أو الهيمنة ولا مذهباً إسلامياً محدداً بالذات تريد فرضه أو نصرته أو إحلاله محل مذهب إسلامي آخر وهي بلد حديث ينعم بالرقي والحضارة راحل نحو المستقبل لا منكفئ على الماضي، ولا يطمع لا بإعادة الدولة العثمانية ولا بإرجاع عقارب الساعة إلى الوراء.. فمن مصلحتنا والحالة هذه حضها على تقديم طلب للانتساب إلى جامعة الدول العربية، لا النظر بريبة في أمرها.. وهي نصير القضايا العربية العادلة التي عجز العرب وحدهم عن النهوض بها.. بل هي ترجمة حرفية للمبدأ القديم القائل: «رب ساع لقاعد».. فالحاجة ماسة إذن إليها لمواجهة أكثر من واحدة من بؤر التوتر التي نواجهها في المنطقة.
1
تحية..
التاريخ يسطر بعد أن تنتهي الأحداث.. فنتبين ماذا يريد الفرس والروم..
سارة - زائر
07:50 صباحاً 2009/02/06
2
مع ظهور اي ازمه سياسيه في الشرق الاوسط تظهر دولة علي انهادوله حليفه ولكن للاسف نجدها تختفي مع الازمه اللتي تليها فضعنا بين الحليف الصادق وعكسه(من ضعفنا اصبحنا مطمع للكل) وشكرا
محمدالمخيليل - زائر
01:10 مساءً 2009/02/06
3
تلك قضية عربية ضخمها الكل ونفخ فيها
وجعل منها قضية مستعصية على الحل
لكلٍ مصالحه الضيقة فيها لاريب
الجميع يزايد على بقاء اشتعالها
لكي يبرر تواجده فوق العرب
ومقاواماتها كجمعيات خيرية
لجلب الصدقات النقدية لشخوص حزبية!
متى كانت قضية لأراضي عربية يهودية
وبعيد عن غطرسة قوى الصهيونية ومستفيديها حولهم
فالحل للقضية بيننا وهم يسير
والسلام توجبه مع اليهود الأقلية اعتبارات عديدة
لايفهمها سوانا وهُم
متى ابعدوا اساطيرهم الدينية وابعدنا متطرفينا
وطرائق تديين الحروب والكراهية والبغضاء كوسيلة
محمد العربي - زائر
05:34 مساءً 2009/02/06
4
يبدو أن الحقبة المقبلة ستشهد إحياءً للتنافس التاريخي بين الإمبراطورية العثمانية والإمبراطورية الفارسية (تركيا وإيران)، فالجميع حريص على لعب دور رئيس في المنطقة لأسباب اقتصادية، وسياسية، وثقافية، وتاريخية.
سلمان العنزي - زائر
08:55 مساءً 2009/02/06
الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة