الرئيسية > مقالات اليوم

الغلوّ وسوء التقدير


جهاد فاضل

} إذا كانت الكارثة الوطنية والإنسانية التي أصابت مدينة غزة تعود في بعض جوانبها إلى سوء تقدير في قيادة حماس لما يمكن أن يفعله العدو عند رفض تمديد التهدئة والاستمرار في سياسة توجيه الصواريخ على مدنه ومستعمراته، فإن سوء التقدير قديم في التاريخ العربي الحديث. فبدون أن يجلد المرء ذاكرته ليحصل على مثل من هنا وآخر من هناك، يجد نفسه أمام بحر متلاطم من الكوارث الوطنية والقومية التي سببها سوء تقدير الحاكم أو السياسي أو زعيم هذه الحركة أو تلك. فسوء التقدير له تاريخه عندنا، وله بصورة خاصة تداعياته المرة على الحاضر وعلى المستقبل في آن، وكأن من يرتكبه لم يقرأ يوماً لا علم السياسة ولا ممارسات هذا العلم في البلدان الراقية في كلاهما يحض السياسي أول ما يحض على الرويّة، ومعاودة النظر، والتفكير العميق قبل اتخاذ أي قرار يمكن أن يلحق الأذى بالوطن وأهله.

ولعل أشهر مثل في تاريخنا المعاصر والحديث على سوء التقدير هو النكبة الكبرى التي حلّت بالعرب سنة 1967 عندما هيأ عبدالناصر لإسرائيل كل الأسباب والذرائع لحربها، وبالتالي لاحتلال سيناء والجولان والضفة الغربية ومعها القدس طبعاً. وهذه الحرب هي من أسوأ، بل أسوأ حرب عرفها العرب نظراً لما ترتب عليها من كوارث. وهذه الكوارث مازال عرب المشرق والفلسطينيون خاصة يعانون منها إلى اليوم ولا يعلم أحد إلا الله متى تنتهي. بعد تلك الحرب المدمّرة التي أجهضت كل الأحلام والطموحات والمشاريع القومية والنهضوية، خرج عبدالناصر ليعلن للناس في ما يشبه الاعتراف بالخطأ عن الكارثة التي حلّت، أنه «لم يكن يتوقع أن يحصل ما حصل». ومشهورة جملته التي قالها يومها في خطاب الهزيمة: «انتظرناهم من الشرق فجاؤونا من الغرب». أي أنه كان يتوقع أن يهاجمه الإسرائيليون من جهة الشرق، فإذا بهم يفاجئونه من جهة الغرب. وهذا ما لم يحسب حسابه، إذ كانت خططه مبنية على تغطية جبهة معينة، مع أنه يفترض بالقائد السياسي أو بالقائد العسكري أن يحسب كل الحسابات، وأن يغطي كل الجهات. أليست عبارة «الحرب خدعة» عبارة قديمة متوارثة يفترض أن يكون قرأها أو ألم بها من يندب نفسه لتسيير الأمور العامة ومنها مصائر البلاد والعباد؟ أم أن العدو يفترض به أن يكون شهماً متمتعاً بالمروءات والمكارم على أنواعها، ومنها أن يُعلم عدوّه بأنه سيهاجمه من هذه الجهة لا من تلك، المهم أننا من يوم حرب الأيام السبعة العجاف، ومن يوم تلك الجملة الشهيرة، لا نزال نتجرع العلقم الذي لا يفارق حلوقنا وحياتنا إلى اليوم.

ولعل عبارة السيد حسن نصرالله الأمين العام لحزب الله التي قالها بعد عدوان إسرائيل على لبنان قبل سنتين تأتي من حيث الشهرة بعد كلمة عبدالناصر مباشرة. فقد ذكر بعد أن تهدم ما تهدم من قرى ومدن لبنان أنه لم يتوقع أن ترد إسرائيل بما ردّت به بعد خطف جنودها. قبل الأمر بخطف الجنود حسب حزب الله طبعاً إمكان أن ترد إسرائيل، وحدود هذا الرد. ولكن الحسبة لم تصل إلى حد تصور أن يخضع لبنان لقاذفات اللهب المدمّر على مدى شهر تقريباِ بحيث خرج لبنان يومها وكأن ما جرى فيه هو عبارة عن «بروفة» لما خضعت له غزة حديثاً.

ويبدو أن العلاقة بين حزب الله وحماس علاقة عضوية فعلاً، بدليل أن خالد مشعل وهو الرقم واحد في حماس قال تقريباً نفس ما قاله زعيم حزم الله عقب عدوان إسرائيل على لبنان في صيف 2006، فقد ذكر أنه لم يتوقع أن يستمر عدوان إسرائيل على غزة - إذا حصل - أكثر من ثلاثة أيام ونفهم ضمناً من هذا التصريح أن عدواناً إسرائيلياً يستمر ثلاثة أيام أمر معقول وقابل للامتصاص، في حين أن هذا العدوان إذا استمر أكثر من ذلك، فأمر لا يدور في البال، أو أنه لم يدر أصلاً. إن كل ما دار في البال هو تلك الأدبيات التي امتحنت وأثبتت عدم جدواها، وأولها أن المقاومة حق مشروع لكل شعب يعاني الاحتلال. فعلاً المقاومة حق مشروع لكل شعب يعاني الاحتلال، ولكنه مبدأ جدير بأن يقوده العقل والحنكة والسياسة، وبأن يدفع صاحبه إلى دراسة الظروف والملابسات وتقدير قوة العدو وردود فعله بدقة. وقبل كل شيء دراسة الأشكال المختلفة للمقاومة وجدوى كل منها. فقد تكون المقاومة المدنية والسياسية أفعل بكثير من المقاومة بالصاروخ والرشاش، خاصة إذا كان العدو يملك ترسانة أسلحة من أقوى ترسانات الأسلحة في العالم.

إذن مبدأ «المقاومة حق مشروع لكل شعب يعيش تحت الاحتلال»، مبدأ صحيح ولكن له تتمة وله شروط، فإن لم يلتفت إليها رجل الدولة، أو السياسي، أو القائدة ويُعرها الاهتمام الذي تستحقه، أورد نفسه، وأورد قضيته بصورة خاصة، التهلكة والتهلكة أمر الله الإنسان بألا يلقي بنفسه فيها. وكل ذلك فاتتنا رعايته في حمى الغلو والتطرف (المدروس) والقادم إلينا من خارج البلاد العربية، وعلى التحديد من جهة الشرق هذه المرة!.

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 7

  • 1
    لاأول مرة أقراء لك...ولكن من اليوم وصاعدا سجلني احد المعجبين بكتاباتك...كتبت فأبدعت...سلمت اناملك!:)

    عبدالعزيز بن محمد - زائر

    06:33 صباحاً 2009/01/25


  • 2
    مبدأ «المقاومة حق مشروع لكل شعب يعيش تحت الاحتلال»
    اهل الجهاد والرباط على ثرى فلسطين الحبيبة لهم حق علينا ان ندعوا لهم بالنصر
    ويستحقون قبلات على جباههم لصمودهم امام قوة الشر والعدوان مجرمي الحرب اليهود الغاصبين الذين يسعون بكل ما اوتوا وبدعم صليبي لاقامة دولة اسرائيل الكبرى من الفرات الى النيل لكن تخطيطهم سيفشله الله ( ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض.)
    اللهم كن لاهلنا في فلسطين وقوي عزائم اهل غزة وانصرهم على قتلة الانبياء والرسل وقتلة الاطفال اليهود المفسدين في الارض

    صالح بن علي - زائر

    09:20 صباحاً 2009/01/25


  • 3
    اتمنى رؤية تعليقي مع خالص الشكر والتقدير

    صالح بن علي - زائر

    10:08 صباحاً 2009/01/25


  • 4
    في ساعة نحن أحوج بها للتكاتف والتالف والوحدة ونبذ الفرقة وشحذ الهمم.والوقوف صفا واحدا في وجه هذه العربدة الصهيوصليبيه التي لم تعترف بالمواثيق الدولية والمعاهدات الحربية ولا الشرائع السماوية ولا حتى الفطرة الانسانيه ضد إخواننا المسلمين المستضعفين في غزة. الذين أجرموا عندما قاوموا المحتل ودافعوا عن أرضهم وعن مقدسات المسلمين.
    فاستخدمت معهم اعتي أنواع الأسلحة.وانتهكت جميع الاتفاقيات الدولية.وقامت بمجازرها المعتادة ضد العزل.فرملت النساء ويتمت الأطفال.ودمرت المساجد وهدمت البيوت والمدارس

    ماجد الشيخ - زائر

    11:07 صباحاً 2009/01/25


  • 5
    لا يشك أحد في أن الغطرسة الإسرائيلية (تمادت وعربدت )، ولكن يجب أن لا ننسى من أعطاها ( الحجة ) و (الحق )في الدفاع عن النفس ( كما زعمت إسرائيل.
    الصواريخ ( الحماسية ) العبثية لم تكن موجههة ( ولا يمكن توجيهها ) لثكنة عسكرية أو مركز شرطة إسرائيلية، ترمى لتصل أي مكان ووصلت بعضها بيوت
    (فلسطينيين ) وقتلتهم ؟
    التهدئة، تقدمت ( إسرائيل ) بطلب تمديدها ورفضت ( حماس ).. ؟؟ هل هو إعلان حرب ؟؟
    مئات القتلى سقطوا والآلاف جرحوا والمليارات ( لإعادة البناء ).
    إسرائيل مذنبة، ولكن... ليست بريئة.

    م / أسامه برهمين - زائر

    01:22 مساءً 2009/01/25


  • 6
    هذه هي خطابات التخاذل
    السؤال الذي أطرحه عليك وعلى غيرك
    ماذا أعددنا لمقاومة الإحتلال أصلا؟
    مضادات صواريخ متقدمة تتمثل بصالات سينما لتخدير المواطن
    إبداعات فنية لراقصات شارع الهرم لمقارعة التقدم التقني
    مطالبات بنزع الحجاب وإثارة الإختلاف الفقهي
    ضرب العقائد الدينية
    والمحصلة النهائية وهن وضعف وخذلان
    وإذا حصل أي إعتداء بدأ التخذيل بمواقف المقاومين تحت إسم الإرهاب أو الإستعجال أو مغامرات دون إشارة واحدة لتقوية عزائم أولئك المجاهدين الصابرين
    وهذا المقال يعطي هذه الفكرة المتخاذلة المقصودة

    أبوأحمد - زائر

    08:34 مساءً 2009/01/25


  • 7
    نعم الف تحيه للكاتب فقول الحقيقه من سمات المؤمن
    جهاد فاضل
    متعك الله بالصحه فما كتبته هنا هو بحد ذاته نفس ماتتداوله العقول التي تنشد الحق
    وتقول الحقيقه
    حماس هي من دمر شعب غزه يجب ان يعترف البلهاء

    العتيبي - زائر

    12:50 صباحاً 2009/01/26



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة